هلوسة آخر الليل

الدكتور احمد يونس

الكفاح على طريقة الأستاذ عبد المهم

أعرف شخصاً لا يمكن أن يرى خناقة في الشارع، أو حادثة مرور أو انفجار أنبوبة بوتاجاز في محل كشري أو مطعم فول وطعمية، دون أن ينطلق نحو الموقع مجذوباً كدبوس الرسم في اتجاه المغناطيس، لا يمكن أن يرى علقةً ساخنةً يفقعها رجل عريض المنكعين لزوجته التي تفر إلى البلكونة، لتستغيث بأمة لا إله إلا الله، دون أن يحجز لنفسه مكاناً في مقدمة الصفوف، هناك حيث مئات الأعناق تتخشب معاً في الوضع مشرئبةً إلى أعلى، الحرائق أو انهيار العمارات أو مداهمة الشرطة لأوكار الدعارة أو غرق أتوبيس بركابه في قاع النيل هي ضالته التي لا يتوقف عن التلفت حواليه باحثاً عنها، بل إنه لا يغادر البيت في بعض الأحيان إلا لهذا الغرض بالذات، وهو على أتم الاستعداد دائماً لتأجيل الموعد المحدد سلفاً، أو حتى لإلغائه لو لزم الأمر، على أتم الاستعداد لتطنيش المشوار المصيري الذي خرج في الأصل من أجله، محتملاً هذه البدلة التي ضاقت عليه كثيراً في السنوات الأخيرة، على أتم الاستعداد لفعل هذا كله بنفس راضية، فقط إذا بدا له أن الحكاية فيها حاجات قلة أدب.

يظل يتنشق - منذ أن يغلق خلفه باب الشقة - هابطاً السلم، على شيء يستحق الفرجة، شيء يدلي فيه برأيه دون أن يكون مطالباً بذكر الحيثيات التي يستند إليها، ومن صميم قلبه، يتمنى لو انتقل إلى سكن آخر، حيث لا تبعث المشاحنات بين الجيران على الملل إلى هذه الدرجة، سكن يتمتع فيه الناس - كباراً أو صغاراً - بالقدرة على الابتكار في تصعيد المواقف، لا يتورع فيه البواب عن ضرب العيال العفاريت على قفاهم لمدة تتراوح من عشر دقائق إلى ربع ساعة يومياً، خاصة هؤلاء الذين ينزلون من الدور السادس تزحلقاً على الدرابزين ليلة الجمعة أو صباح الثلاثاء، أو مد الآنسات اللائي يسرن بعد الظهر بالكوتشي على أرجلهن أمام عمال المخبز الآلي، السيدات لا، طالما هن لا يطبخن محشي الكرنب في يوليو أو أغسطس، لا يخشى فيه الزبال من تلعيب حواجبه لسائقي المكروباص الذين يرفضون اقتسام بكِتات البانجو مع أحد، بدلاً من: بالسلامة يا شربات، التي فقدت معناها تماماً، ولا كشاف النور من عض الذين يعبثون بالعدادات في الإليتين، لاسيما حين يكون الهواء مشبعاً بالرطوبة، عبارته المفضلة لانتقاد هذا الوضع هي: الدنيا مالها بقت بايخة كده ليه؟ خلاص بح! مافيش خيال!

وعلى مدى ساعات النهار يظل يدور هكذا كالنحلة، من محطة ضريح سعد أو لاظوغلي إلى الجيارة أو أغاخان، أو من الحي التاسع أو شبرا المظلات إلى عزبة النخل أو مدينة  العبور، يظل هكذا كالنحلة إلى أن يبدأ في الشكوى من آلام المفاصل أو  البواسير، أو من الفشل في العثور على من يدعوه إلى الغداء أو ينشر له عرضاً لكتاب أو يتعطف عليه بمنحة تفرغ داخل الحظيرة، يتوحم طوال الوقت على قوة من الشرطة يقودها ضابط بنجمتين، تشن هجوماً مكثفاً على سوق الخضار. تقلب أقفاص الفراخ أو عربات اليد فوق أصحابها من البياعين السريحة، ملقيةً بالخرشوف أو القلقاس أو البطيخ أو السمك الحي أو قوالب الزبدة أو البلح الأمهات أو الخس في التراب. ثلاثة من قدامى الأمناء مكلفون بإلقاء القبض على الأرانب المذعورة التي يداس معظمها بأقدام الأهالي المذعورين، العدد لا بد أن يكون كافياً لتوزيعه على السادة أعضاء الوردية كالمتبع. تعتريه فرحةٌ غامرة، عندما يلمح بطرف عينه شحاذة بلون الطين،تحاول - ما استطاعت - أن تلملم جلبيتها الممزقة السوداء، بينما هي تجري قافزةً من داخل إحدى الخرائب - كحشرةٍ مكبرة - في إثر مجند يتعثر أثناء الركض ليرفع بنطلونه الساقط عند الركبتين، تقذفه بالطوب، صارخةً بصوت ملتاع يختلط فيه سعار الغضب بشرخة البكاء: الخمسة جنيه يا ابن الكلب!

خلال الأشهر التالية مباشرة لفشل قصة الحب الأخيرة في حياته، عندما هربت المرأة ذات الشعر الأكرت التي كانت تعيش معه بالليل من سلم الخدامين، طبقاً لروايته هو شخصياً، بدأت تظهر عليه أعراض غريبة، هكذا بلا مقدمات، يأخذ بالحضن كشافاً جمركياً يصغره بثلاثين عاماً على الأقل، وسط ذهول أصحاب الحقائب التي يجري تفتيشها أو العاملين بالمطار، وعلى حين ينظر إليه الشاب فاغراً فاه من الدهشة، يستمر هو في تذكيره بالأيام الخوالي: إخص عليك يا وِحِش! كل السنين دي غطسان ، لا حد عارف إنت فين، ولا بتسأل على حد! تخونك سندوتشات المش  اللي كنت بتطفحها عندنا في الضاهر! أما صحيح راجل دون! سيبت إيه امال لأذناب الاستعمار! مش بعيد تكون نسيت كمان التنظيم السري اللي كنا عاملينه سوا في شقة عين شمس! إحنا يا دوب كنا حقيقي تلتاشر نفر بمرات طه الشيخ ونبيه سرحان، إنما إيه؟ بمقام ألف! دوخناهم يا جدع! فاكر يسرية محمد؟ على نحو ما، تكلل بالنجاح جهود أهل الخير الذين يسارعون بالتحجيز بينهما لفض الاشتباك، إلا أنه يواصل هامساً هذه المرة في أذن مضيفة جوية من (إير فرانس) أو سائح أسترالي، فيما هو يشير بسبابته إلى الموظف المِفرهد الذي أنقذوه من بين ذراعيه بأعجوبة: طول عمره عنصر مباحثي متهرئ! أكثر من مكالمة تليفونية عاجلة، تتلقاها هذه الشقيقة أو تلك - على مدى الأسبوع - بشأنه من قسم الشرطة: حد ييجي يضمنه! نائب المأمور - الذي عادةً ما تنهال عليه التوصيات بخصوصه من عضو مجلس شورى بالتعيين، ينتحي بمن يحضر ليستلمه جانباً: إحنا مش عايزين حد يساعدنا في القبض على بتوع كفاية. خلوه يريح نفسه!

يكاد يقتله الفضول، فيزاحم ليزداد اقتراباً من مركز الدائرة. ذراعاه الطويلتان يستخدمهما كطرفَي مقص لقطع الرقاب التي تسد عليه المنافذ، الرِجلان من أعلى الساق حتى أصابع القدم، تقومان بوظيفة شوكة البلدوزر، عندما تزيل من على وجه الأرض الكتل البشرية التي تعوقه عن التقدم نحو الجثة المغطاة بأوراق الصحف أو الجريح الذي يلفظ أنفاسه الأخيرة قبل أن تصل سيارة الإسعاف. أما المؤخرة، فكقلعة هنغارية من القرون الوسطى، شعارها: لن يمر أحد من هنا. سجايا الطروبش بالسليقة التي يتحلى بها، تضعه على الدوام في مكان الصدارة من الحشد. لكنه كثيراً ما يرجع خلال دقيقتين أو ثلاث، ليتمتم بخيبة أمل، مخاطباً جموع المشيعين في جنازة شخص لا يمت له بصلة: اسكتوا! مش طلع طابور عيش!

لديه دائماً قدرة خاصة على مد جسور الصداقة في لمح البصر مع الذين سبقوه إلى منطقة التجمهر. قدرة فذة كتلك التي يتمتع بها في العادة مندوبو المبيعات أو موظفو الاستقبال بالفنادق أو الملاهي الليلية أو عاملات الباديكير، علبة سجائره - في هذه الحالة استثناءً - مفتوحة على آخرها لكل من يدلي بمعلومات من شأنها أن تساعد في التوصل إلى ما وراء الما وراء، فجأة، ينحني ليخرج من حقيبة السمسونايت - التي يحملها أينما ذهب - مقالاً يهاجم فيه المسئول عن شبكة الصرف الصحي بشبين الكوم، أو من يتعرضون بالنقد لوكيل وزارة من أقربائه بالمصاهرة. يناوله بمنتهى الحرص إلى المحتشدين - الواحد تلو الآخر - مكرراً نفس العبارات بلا أي تعديل تقريباً: شوف هنا كاتب إيه؟ يا خرابي! مستبيع، هه؟ كلهم بيقولولي كده! أنا عرف سايبينّي ازاي! ربنا يستر!أبداً ما نجح في التخلص من الشعور  بأنه كان ضحية القدر  الأحمق الخطى، عندما حرمه - دون جريرةٍ ارتكبها - من أن يتواجد على المقهى المقابل أثناء اشتعال النار في مسرح بني سويف، أو يحلق بالهليوكبتر فوق العبارة الغارقة أو القطار المحترق، طريقته الناعمة في استجواب شهود العيان كانت - في حد ذاتها - كفيلة بأن تضعه على رأس جهاز مباحث أمن الدولة، أسلوب متمرس يتستر - بكفاءةٍ نادرة الوجود - على ما بداخله من عدوانية لا يكبحها سوى الجبن، لولا أن ما بداخله سرعان ما ينشع على سقف النظرة، لهجته الفحيحية على غرار من يعيشون في دور عبد المهم، تنذر في كل لحظةٍ بإمكانية إبراز الوجه الآخر. يسأل هذا الغلام أو تلك العجوز عن المشاهد التي فاته أن يتفرج عليها ليكون في الصورة. كيف بدأت المسألة بالضبط؟ ما هي الشتائم التي تقاذف بها المتشاجرون؟ جابوا سيرة الأهالي؟ أم توقف الأمر عند مجرد تبادل الاتهامات الجنسية الأكثر شيوعاً؟ هل ذكروا الأعضاء التناسلية أو فِعل الجماع بالألفاظ التي يتداولها الناس خارج الأوراق الرسمية أو مسلسلات الوعظ والإرشاد بالتليفزيون، أم تطرق بعضهم لوقائع محددة لها علاقةٌ بزنا المحارم؟ حد قلع ملط؟ أين آثار الدماء؟ ما نوع الأسلحة التي اشتبكوا بها؟ بالمطاوي؟ برقبة إزازة؟ بالسِنج؟ بالجنازير؟ أم اكتفوا بالشباشب أو الأحزمة أو الأسنان؟ وقد تأخذه الجلالة دون سابق إنذار، فيحاول إصلاح ذات البين، ولا يخلو الأمر في بعض المواقف من بونية طائشة تورم أسفل عينيه، أو شلوت يمنعه من الجلوس ثلاثة أو أربعة أيام. الواقفون إلى جواره غالباً ما يسمعونه في النهاية يجأر بالقول الفصل، كمن يصدر حكماً قطعي الدلالة لا يقبل النقض أو الإبرام: البت المِسهوكة اللي لابسة احمر هناك دي هي أس البلاوي! تلاقيها برجوازية متعفنة، أو عميلة لحد لسة ما بانتش لبته! أصلكو مش مِدقدقين زي العبد لله، الحاجات دي إحنا عارفينها كويس! أحياناً، يطلب من المحامي - الذي يقابله بالصدفة في الاحتفال بذكرى أحد الشعراء أو الملحنين - أن يصحبه إلى مديرية الأمن، ليطلع بنفسه على المحضر.

وعلى الكنبة في أوضة القعاد بالمنزل، بينما هو يشرب الشاي أو يثرثر بالتليفون أو يتجول بالريموت كنترول بين القنوات التركية أو يحل الكلمات المتقاطعة،أو على حين يلعب الطاولة مع نجار مسلح أو بلطجي صالات لسة طالع من السجن إمعاناً في التظاهر بالشعبوية، يروي لمن معه ما جرى بالتفصيل الممل معلقاً: كلام فاضي! هي دي برضه خناقات!

أكثر من شخص أعرفه في الواقع على هذه الصورة. بالعشرات هم من يتابعون بنفس تلك العقلية نضال حركة التغيير في مصر، أشواق الناس إلى الحد الأدنى من الكرامة أو العدل أو الحرية ، عذابات الفقراء الذين يحلمون بزمن لا يأكلون فيه من صفائح القمامة أو ينامون على الأرصفة أو يموتون حرقى أو غرقى أو بأكياس الدم الملوث، كل هذه المعاناة ليست بالنسبة لهؤلاء سوى مادة مسلية أثناء تجاذب أطراف الحديث، ليست سوى مجموعة من النوادر يتهكمون في مجالس المسامرة على قلة جدواها، أو يشككون في نوايا كل من يخاطر بالتصدي لرأس النظام أو زبانية جهنم التي تعمل تحت إمرته. هكذا هم: ثوريون على المعاش.

لا أجد اسماً آخر.