القضية الفلسطينية أمام تحديات سيناريو "الكارثة"!

عبد المالك سالمان - كاتب وباحث في الاقتصاد من مصر

هل اتسع الخرق على الراتق.. ودخلت القضية الفلسطينية في مهب الريح أو المصير المجهول؟ وإلى أين تتجه الأمور بعد كل ما جرى في غزة من أحداث دموية مفزعة ومفجعة ومؤلمة؟ ليس من المبالغة في شيء القول أن الفلسطينيين أصبحوا أمام سيناريو الكارثة والخشية التامة من تصفية القضية واختزالها وتقزيمها، والسبب هذه المرة ليس ظلم الأعداء أو تقاعس الأشقاء ولكنه جهالة قيادات الشعب الفلسطيني ذاته، حينما سمحوا عبر سلسلة من السياسات والتصورات الخرقاء لأنفسهم بالوقوع في الفخاخ "الاسرائيلية" والأمريكية التي هدفت إلى جرهم إلى جحيم الاقتتال الفلسطيني - الفلسطيني، كي ينفض العالم كله أيديه من القضية الفلسطينية، ويتساءل مع "الاسرائيليين" لماذا نشغل أنفسنا بأمثال هؤلاء؟! من يطالع الصحافة "الاسرائيلية" هذه الأيام ويقرأ ما تحفل به من مشاعر الشماتة والقلق في الوقت ذاته، يجد أنها تردد بين الفينة والأخرى، ما تعتبره إعادة اكتشاف منجم حكمة شارون الذي كان وحده في تقديرهم القادر على فهم حقيقة الفلسطينيين. تقول الصحافة "الاسرائيلية" أن شارون أخبر كوندوليزا رايس في نوفمبر 2005م قبل دخوله في الغيبوبة وهما جالسان في مزرعته لتناول الإفطار: "إن دخول حركة حماس للانتخابات سوف يضع النهاية (لخريطة الطريق)، وعلينا أن نفهم الفلسطينيين جيدا، فنحن أمام ثقافة القتل والكذب، إنهم متعطشون للدماء، وهم مستعدون لقتل بعضهم بعضا بدم بارد"، ويتساءل كاتب "اسرائيلي" بعد ذلك: "هل أدركت كوندوليزا رايس الآن فحوى حكمة ورؤية شارون؟".

والحقيقة أنه لم يكن للصحافة "الاسرائيلية" أن تتذكر مقولات شارون العنصرية هذه لولا أن الفلسطينيين أنفسهم قد منحوها الفرصة لذلك بفعل ما حدث في غزة، وحالة جنون الاحتراب بين الأشقاء والقتل بدون محاكمة الذي شهدته بعض مناطق غزة.

حين نتحدث عن سيناريو الكارثة، والذي سبق أن حذرنا منه في مناسبة سابقة بالقول أن القضية الفلسطينية أمام مخاطر نكبة جديدة، فإن الخشية الآن هي أن يصبح الفلسطينيون لعبة في أيدي القوى الخارجية على نحو يضيع قضيتهم وأهدافهم الإنسانية وحقوقهم العادلة والمشروعة ويدفعهم إلى مسار الصراع العبثي الذي يقود إلى الانتحار الذاتي. وفي الحقيقة انه إذا لم ينتبه الفلسطينيون أنفسهم إلى مخاطر ذلك، فإننا نعتقد ان الواقع الإقليمي والدولي لحسابات متفاوتة وهواجس مختلفة لن يساعد على استعادة حالة من الوفاق الفلسطيني تجنب هذا الشعب مخاطر الدخول في أتون حرب أهلية دامية، بعد ان سقطت الخطوط الحمراء في الصراع الفلسطيني ولم يعد الدم الفلسطيني محرما، وصعدت لغة الانتقام أو الثأر الشخصي أو العشائري والمصلحي على حساب المصلحة العليا للشعب الفلسطيني والأهداف الوطنية الجامعة.

إنه الصراع الكريه على السلطة ومغانمها والسقوط في براثن أوهام نفي الآخر والحسم العسكري والإخضاع بالقوة الجبرية، وتبرير سقوط الضحايا والقتلى باسم التصدي للانقلابيين تارة أو التخلص من الخونة والعملاء تارة أخرى، وليستمر مسلسل إراقة الدماء الزكية بلا انقطاع متصورا كل فريق أنه يملك الحقيقة وحده، وأن الحق في جانبه فقط، ومع الأسف الشديد فإن الأمور مرشحة لمزيد من التدهور سياسيا ومصيريا واقتصاديا ومعيشيا وعسكريا أيضا.

والآن لنقرأ الصورة بمزيد من الإيضاح لتبيان كيف أن القضية الفلسطينية قد دخلت نفقا عسيرا يضعها أمام سيناريو الكارثة التاريخية.

أولا: ماذا ستفعل حركة "حماس" بعد أن أحكمت سيطرتها على قطاع غزة، هل ستقيم دويلة إمارة إسلامية، بدأت الدوائر "الاسرائيلية" تهوّل من مخاطرها بالقول أنها "حماستان"، وأنها ستكون قاعدة للتطرف الإسلامي ومنبعا للإرهاب، حتى أن خبيرا "اسرائيليا" قال: "أن الزرقاوي وبن لادن سيكونان على مقربة 5 دقائق من عسقلان"؟!

التهويلات "الاسرائيلية" متوقعة، ومحاولة إظهار أن "اسرائيل" تتعرض للخطر الإرهابي القادم من دويلة "حماس" في غزة ستكون هي المعزوفة التي يرددها الساسة والإعلام والخبراء "الاسرائيليون" طوال الوقت من الآن فصاعدا، وذلك لإظهار "اسرائيل" في صورة الضحية، وحماس في صورة الجلاد بحيث تبرر "اسرائيل" كل أعمالها العدوانية ضد قطاع غزة وأهاليه المحاصرين، بدءا من إحكام الحصار الاقتصادي وإغلاق المعابر والمنافذ وتحويل قطاع غزة إلى سجن كبير ومرورا بالتهديد بقطع إمدادات الماء والكهرباء وليس انتهاء بتكثيف الحملات العسكرية والقصف الجوي، وتوسيع نطاق عمليات "الاغتيال المستهدف" أي مطاردة قادة حركة حماس السياسيين والنشطاء المقاومين بحجة الخطر الداهم الذي يتهدد "أمن اسرائيل".

وستقف أمريكا بكل قوتها وراء "اسرائيل" لتبرير كل الأعمال الهمجية "الاسرائيلية" المتوقعة والتي سيقودها هذه المرة "المستر أمن" أو الجنرال ايهود باراك الذي تم الإسراع بتوليه منصب وزير الدفاع بعد فوزه برئاسة "حزب العمل" قبل أيام خلفا لعمير بيريتس ليقود السياسة الدفاعية والأمنية أحد أقوى جنرالات "اسرائيل".

والأمر المؤكد أن باراك المتعطش للعودة إلى قيادة "اسرائيل" وتولي رئاسة الوزراء مرة أخرى، سيجد في سيطرة "حماس" على غزة الفرصة المواتية لاستعراض مواهبه الإجرامية والوحشية ضد الشعب الفلسطيني لكي يظهر أمام المجتمع "الاسرائيلي" بمظهر القوة التي يتطلع إليها بعد أن خذله عمير بيريتس في الحرب ضد "حزب الله".

ونعتقد أن باراك سيفوق في إجرامه كلا من شارون وموفاز في ممارسة القمع والوحشية ضد الشعب الفلسطيني في غزة، فالأرضية أمامه مهيأة والعالم يتعاطف معه لأنه يقوم بمهمة حماية "أمن اسرائيل" من "الكيان المعادي الإرهابي" الذي شكلته حماس في غزة.

والسؤال المطروح هنا: ألم تفكر قيادات "حماس" في عواقب وتحديات "اليوم التالي" للسيطرة على غزة وطرد حركة "فتح" منها؟ هل أصبحت غايات حركة "حماس" هي الإمساك بالسلطة ودحر "حركة فتح"، واثبات القوة والمقدرة أمام حركة "فتح"، وهل تعتقد "حركة حماس" أنها عبر هذا النهج بشرخ وحدة الشعب الفلسطيني سوف تتمكن من شق الطريق إلى تحرير فلسطين والقدس؟ ألا توجد أي قراءة عقلانية لحقائق القوى وشبكة العلاقات الدولية والتوازنات الإقليمية والحسابات السياسية المعقدة التي تحيط بمصير القضية الفلسطينية؟ هل تتصور حركة "حماس" أن نجاحها في غزة سيكون كفيلا بالقضاء على حركة "فتح"، أو أن قادة "فتح" سيقبلون بالاندحار العسكري أمام "حماس" سواء في غزة أو الضفة الغربية؟

ألم يكن هناك تفكير بأن اللجوء إلى خيار الحسم العسكري سيقود حتما إلى فتح باب الحرب الأهلية الممتدة في المجتمع الفلسطيني، وأن هذا السيناريو الكارثي سيدخل القضية الفلسطينية في غياهب المجهول؟

 

ثانيا: لماذا اعتقد قادة حركة "فتح" أن استخدام القوة العسكرية هو السبيل الوحيد للتعامل مع "حماس"، وأن القوة المسلحة هي السبيل لهزيمة "حماس" بعد أن خسرت حركة "فتح" أمامها في ميدان الانتخابات التشريعية، ولماذا يتطوع بعض رموز حركة "فتح" للتحالف مع مخططات "اسرائيلية" وأمريكية استغلت عدم الاعتراف بانتصار "حماس" الانتخابي سبيلا لإشعال حرب أهلية فلسطينية؟ هل أصبح هدف الإمساك بالسلطة واستعادتها من "حماس" عبر أساليب دموية وليست سياسية مشروعة أسمى من حرمة الدم الفلسطيني، ومن مخاطر الوقوع في شراك المخططات الصهيونية والأمريكية الرامية إلى إشعال نيران الاقتتال الفلسطيني - الفلسطيني لتتخلص "اسرائيل" من عبء الضغوط الدولية عليها بضرورة الاعتراف بالحقوق الفلسطينية وإقامة دولة فلسطينية في حدود عام 1967؟ هل هذا هو المسار الذي ناضل الشعب الفلسطيني طويلا من أجل الوصول إليه، التضحية بالقضية ومصير الشعب من أجل حفنة مكاسب مادية ومنافع شخصية في إطار سلطة محدودة وألقاب زائفة كلها تحت هيمنة الاحتلال؟ ليس من المبالغة في شيء الإقرار بأن الجميع في القيادات الفلسطينية قد سقطوا سقوطاً مدوياً في الاختبار التاريخي الحاسم وعند منعطف مصيري في مسار القضية الفلسطينية، فبعد أن تجاهلت إدارة بوش القضية الفلسطينية منذ مجيئها إلى الحكم عام 2001، وركزت على الحرب في العراق وأفغانستان، تأكد لها أخيراً ما كان يطالب به كل العقلاء بخطورة تجاهل القضية الفلسطينية، وأنها ستكون بؤرة لإشعال المزيد من الأزمات والصراعات في المنطقة، ورغم انه لم يكن هناك تفاؤل كبير برغبة إدارة بوش في عمل شيء لحل القضية الفلسطينية بما في ذلك الوفاء بوعد بوش في إقامة الدولة الفلسطينية قبل نهاية ولايته الثانية، لكن في كل الأحوال كان هناك تحول في الاتجاه الدولي بضرورة العودة إلى الاهتمام بالقضية الفلسطينية، وأعيد في هذا السياق طرح "المبادرة العربية للسلام" مجددا.

لكن المؤكد أن الاقتتال الفلسطيني الأخير وما أسفر عنه من نتائج من سيطرة "حماس" على قطاع غزة، وحل الرئيس الفلسطيني محمود عباس لحكومة الوحدة الوطنية التي تم تشكيلها بموجب "اتفاق مكة" الذي رعته المملكة العربية السعودية، وتشكيل حكومة طوارئ تعتورها الطعون بشأن شرعيتها السياسية والقانونية، فأن الأوضاع الفلسطينية مرشحة لمزيد من التدهور.

 

ثالثا: إن قطاع غزة تحت جحيم الحصار والتجويع ومحاولة تصفية حكم "حماس" سوف يتحول إلى برميل بارود قابل للانفجار في وجه كل الأطراف الإقليمية والدولية، وأن سيناريو توالد المنظمات الأصولية المتطرفة سيكون هو السيناريو الأكثر رجحانا لأنها ستكون البديل لإضعاف "حماس"، وفي هذا مفاقمة لمخاطر الإرهاب في عموم المنطقة، وخصوصا في ظل تزايد احتمالات تغييب الحديث عن أفق سياسي أو مسار سياسي يقود إلى حل شامل للقضية الفلسطينية، فالقضية الأولى التي سوف تتصدر الاهتمام هي كيفية "التصدي لدويلة حماس الأصولية الإسلامية" في غزة، وفي الوقت نفسه فأن "حماس" ستتصرف بعقلية "المحاصر" الذي يحاول إدخال الأطراف كافة في أزمات على طريقة "أنا الغريق فما خوفي من البلل"، وذلك عقابا لهم على تجاهلها وعدم الاعتراف السياسي بها رغم إثبات قدراتها بإحكام السيطرة على غزة.

 

رابعا: أن محاولة حركة "فتح" استعادة النفوذ والتصدي لـ"حماس" في غزة وإحكام سيطرة "فتح" على الضفة الغربية التي أصبح الإعلام "الاسرائيلي" يطلق عليها أراضي "فتح لاند" بعد إطلاق اسم "حماستان" على غزة، ستقود إلى مواجهات دامية مع أنصار "حماس"، في سلسلة من حروب القتال على الأوهام، وما الإعلانات "الاسرائيلية" والأمريكية بدعم "حكومة سلام فياض" وقيادة عباس إلا شرك كبير هدفه إدخال الفلسطينيين في حرب استنزاف داخلية طويلة الأمد تريح "اسرائيل" من عبء الحديث عن الحل النهائي إلى أن تحسم "فتح" صراعها مع "حماس"، والله يعلم متى يمكن أن يتحقق ذلك طالما أن لا أحد يريد أن يحكم عقله ويقرر ضرورة الرضوخ لمنطق "الشراكة السياسية" طالما أن الشعب الفلسطيني منقسم عمليا بين هذين التيارين الرئيسيين، ولكن إلى أن يدرك الجميع هذه الحقيقة الساطعة سيكون الأوان قد فات بمزيد من النكبات وحمامات الدماء والسياسات العبثية والخرقاء التي ستدخل القضية الفلسطينية في غياهب المجهول إلى أجل غير معلوم.

 

خامسا: إذا كانت المسئولية العربية تجاه القضية الفلسطينية ستظل قدرا لا فكاك منه بحكم روابط المصير والمصالح الأمنية ومكانة المقدسات السليبة في القدس المحتلة وغيرها من الاعتبارات المركزية، فالحقيقة المؤكدة أن المسئولية العربية تجاه القضية الفلسطينية في الوقت الراهن أصبحت مضاعفة وأكثر إلحاحا من أي وقت مضى، لأن الفلسطينيين يفقدون عبر الصراع بين "حماس وفتح" أعظم قيمة ميزت الكفاح الفلسطيني وهي وحدة الصف الداخلي والاتفاق على أولوية هدف التخلص من الاحتلال وإقامة الدولة المستقلة.

لذلك فالعرب مطالبون بالتحرك بكل مسئولية وحسم وتوظيف كل أوراق ضغطهم السياسية والاقتصادية وإمكانياتهم الهائلة على محورين:

الأول: هو السعي بكل جدية لتحقيق مصالحة وطنية فلسطينية وعدم فقدان الأمل رغم عبثية الحالة الفلسطينية الراهنة، وتكثيف الجهود لوضع حد لحالة الاحتراب الداخلي الفلسطيني بأسرع وقت ممكن، والبحث عن الحلول السياسية للخلافات والصراعات الفلسطينية.

والثاني: هو التحرك بحزم على الصعيد الدولي للتصدي لمخططات التآمر على المصير الفلسطيني، وكشف المخططات الصهيونية - الأمريكية التي تعمل على إذكاء نيران الفتنة بين الفلسطينيين، وممارسة الضغوط كافة على المجتمع الدولي لإفهامه أن المأزق الفلسطيني الراهن سببه التقاعس عن انجاز تسوية عادلة ومنصفة للقضية الفلسطينية، وأنه كلما تأخرت القوى الدولية في المساعدة على تسوية القضية وحل الصراع العربي - "الاسرائيلي" فأن مزيدا من الأزمات والكوارث سوف تلحق بالمنطقة والعالم وخاصة في الغرب الأوروبي والأمريكي.

إن الأزمة الفلسطينية الطاحنة الراهنة هي مدعاة من أجل الحل وتطبيق قرارات الشرعية الدولية، وإنهاء المحنة المريرة للشعب الفلسطيني، وليست مدعاة لتجاهل آلام الشعب الفلسطيني ومعاناته التي هي مسئولية دولية جماعية، وإذا كان الغرب والعالم لا يريد التحرك من أجل الحل النهائي انطلاقا من اعتبارات إنسانية وحقوقية وسياسية عادلة، فعلى الأقل انطلاقا من اعتبارات مصلحية وأمنية واضحة، وهي أن التقاعس عن إنصاف الشعب الفلسطيني سيدفعه إلى الشعور باليأس واللجوء إلى الخيارات العدمية التي في طليعتها اللجوء إلى العنف والأعمال الإرهابية وهو ما سيدفع ثمنه ليس "اسرائيل" وحسب بل كل المجتمعات العالمية، فماذا يمكن أن نتوقع من شعب يشعر باليأس والغبن التاريخي والظلم العالمي؟.

إن هذا نداء أخير إلى الضمير العربي والعالمي للتحرك قبل فوات الأوان وتجنب سيناريو الكوارث المتوقعة والزاحفة!