بعد التفجيرات الأخيرة في بغداد:
الخطة الأمنية تتجاوز حالة الاحتضار إلى الموت
زكريا شاهين
حسمت التفجيرات الأخيرة في بغداد - التي كان أبرزها التفجير الذي حدث داخل مقر البرلمان العراقي، والآخر الذي استهدف أقدم جسر يفصل بين منطقتي بغداد الرئيستين "الرصافة والكرخ"- الجدل حول نجاح أو فشل الخطة الأمنية التي يبدو أنها تجاوزت حالة الاحتضار إلى الموت.
ما حدث في البرلمان العراقي، يؤكد أن ليس هنالك منطقة بمنأى عن الحالة العامة في
العراق، الملونة بالعنف الذي لا يستثنى أحدا، حتى لو كان في أكثر المناطق تحصينا
كما هو الحال مع المنطقة الخضراء، التحى وصل إليها الحزام الناسف في قلب رمزها
الرئيسي الممثل بمقر البرلمان.
ليس التفجير الذي أودى بحياة برلمانيين هو الذي يدعو للتأمل، بقدر ما تدعو رحلة
المفجّر نفسه إلى ذلك، فالرجل الذي قيل إنه لفّ جسده بالحزام الناسف، استطاع تجاوز
نقاط تفتيش كانت تحسب بأنها عصية على الاختراق، فمن حاجز التفتيش الأمريكي العراقي
المشترك، الذي يقف أمام بوابة الدخول إلى المنطقة، إلى حاجز التفتيش الجورجي، ثم
حاجز للشرطة العراقية، وحاجز يليه لقوات أمنية مسؤولة عن مقر البرلمان، ثم اجتياز
العديد من العناصر الأمنية، ومنها مرافقة النواب والمسؤولين، وهى كبيرة العدد،
وصولا إلى المطعم المجاور لقاعة الاجتماعات.
اختراق سيشكل هاجسا مستقبليا لكل المسؤولين العراقيين، الذين لم يعودوا بعيدين عن
الاستهداف كما يبدو، حتى لو قيل إن هذا الاختراق، جاء من خلال العاملين في "المنطقة
الخضراء" نفسها، فإن ذلك أخطر بكثير من ترتيب هذا الأمر من خارج المنطقة، باعتبار
أن ما حدث، لا يؤسس لحالة وحيدة ومتفردة، إذ سبق وأن اغتيل احد المسؤولين العراقيين
على يد حراسه، مما يستدعى إعادة النظر في علاقة المستهدفين بحرّاسهم، الذين هم
عراقيون، لهم انتماءاتهم، في بلد يبدو أن الحياد فيه لم يعد قائما.
على هامش الخطة الأمنية
إذا كان تفجير البرلمان قد استهدف المسؤولين، فإن تفجير الجسر العتيق في بغداد، يندرج في خطة لتقطيع أوصال المدينة، أيا كان من نفذ التفجير، هذا التقطيع أيضا، يأتي على هامش الملحقات للخطة الأمنية، فالتفجير قطع أوصال الجسر إلى ثلاث قطع، وهو ما لا تفعله شاحنة مهما كانت حمولتها من المتفجرات، إذ انه لو صح هذا الأمر، فإن الجسر، بمكن أن ينقسم إلى قسمين بحسب مركز التفجير، لكن ذلك، يتزامن مع الحديث عن بداية خطة جديدة لفصل المناطق العراقية عن بعضها البعض، بخاصة في العاصمة بغداد.
أبرز ملامح الخطة التي تتحدث عن الفصل هي: إقامة مزيد من نقاط التفتيش، السماح فقط
بمرور حاملي بطاقات الهوية الجديدة، تسيير دوريات عسكرية على مدار الساعة.
تفاصيل الخطة بالكامل، مستوحاة من عدة تجارب أمريكية في فيتنام، وفرنسية بالجزائر،
وصهيونية في فلسطين المحتلة، وهى تأتى مع دخول الغزو الأمريكي - البريطاني المشترك
للعراق عامه الخامس، مع فشل كل الحلول العسكرية التي تمثلت في عشرات الخطط الأمنية،
وبزيادة عدد القوات الأمريكية والعراقية وانتشارها في كل مكان، وأيضا مع وصول
الحالة العراقية إلى أفق لا تبدو معه الحالة وكأنما يمكن أن تتجه حتى ولو إلى
استقرار نسبي، بسبب وجود الاحتلال نفسه، وغياب الحلول السياسية.
ما رشح عن خطة الفصل الجديدة، ورد من خلال تفاصيل كشف عنها الصحفي البريطاني روبرت
فيسك، في مقال له، حين أشار إلى أن هذه الخطة، ناقشها قائد قوات التحالف بالعراق،
الجنرال الأمريكي، ديفيد بيتريوس، بمشاركة مجموعة من القادة العسكريين السابقين
والحاليين، كما شارك في وضعها أيضًا 4 مسئولين إسرائيليين بارزين فى سلسلة
المناقشات التي دامت 6 أشهر، بهدف احتواء الفشل الأمريكي في العراق.
الخطة تحمل اسم "المجتمعات المغلقة"، وستطبق في 30 ضاحية من أصل 89 في بغداد؛ لتكون
أضخم خطة لمواجهة المقاومين، حيث تهدف إلى تأمين العاصمة عبر إغلاق عدد من المناطق
والطرق المؤدية إليها، وتوزيع بطاقات هوية جديدة لن يسمح إلا لحاملها بالمرور من
نقاط التفتيش التي ستنتشر بكثرة داخل تلك "المجتمعات المغلقة".
حصار داخلي وآخر من الخارج
في تفاصيل الخطة أيضا، ما يقال عن أنه سيتم نشر 5 ألوية عسكرية جنوب وشرقي العراق، يقدر عددها بنحو 40 ألف جندي، وسيتم نشر ثلاثة ألوية أخرى بين بغداد والحدود المشتركة مع طهران، حيث يفسر هذا الأمر على أنه جزء من التحضيرات غير المعلنة لإمكانية شن هجوم على إيران.
بطاقات الهوية الجديدة، أحد أبرز ملامح الخطة المرتقبة، حيث لن يسمح إلا لأهل
المنطقة بالدخول إلى تلك "المجتمعات المغلقة"، وبجانب نظام "المجتمعات المغلقة"،
سيكون هناك نظام "الزائر" الذي يقوم الشخص من خلاله بتسجيل بياناته وتفتيشه قبل
الدخول إلى المنطقة، كما ستقيد حركته بمعايير ستحددها القوات الأمريكية والعراقية.
بعد نشر تفاصيل تلك الخطة، لم تتأخر التعليقات عليها، إذ يقول ضابط سابق مقرب من
الجنرال بيتريوس بأن لديه شكوكًا في إمكانية أن تحقق الخطة المرتقبة أية نتائج،
مبررا ذلك باختلاف "الانتماءات" داخل الجيش العراقي ذاته، فالسنة ولاؤهم للمقاتلين
السنة، والشيعة ولاؤهم لرئيس حزبهم، والأكراد ولاؤهم لبرزاني أو طالباني... وليس
هناك جيش عراقي وطني مستقل.
الخطة في حد ذاتها، إضافة إلى التصعيد الكبير للعنف، تؤكد فشل الخطة الأمنية
بامتياز، كما تؤكد فشل خطة زيادة عدد القوات والجيوش، مشيرة - أي الخطة - إلى أن
الإدارة الأمريكية استنفدت كل ما لديها، في حين لا زالت تواجه التحدي الكبير للبقاء
في العراق، سواء من العراقيين أنفسهم، الذين أعلنوا كما شهد العالم في ذكرى سقوط
بغداد، أنهم يرفضون الاحتلال العراقي، وإن اعتبرت بعض حكوماتهم أن يوم سقوط بغداد
كان انتصارا لهم، وتواجه في نفس الوقت، الرفض المتصاعد داخل المؤسسات الأمريكية وفى
الشارع، حيث لم تعد قادرة إلا على تكرار أكاذيبها ومنها عودة الأكاذيب التي تتحدث
عن علاقة تنظيم القاعدة مع النظام العراقي قبل الغزو، وهو ما جاء على لسان نائب
الرئيس الأمريكي ديك تشيني، أو من خلال استثمار التفجير الأخير في البرلمان العراقي
من خلال الرئيس الأمريكي نفسه "الحزين جدا" على الديمقراطية المستهدفة، حيث أعاد
ربط حادثة التفجير بما اعتاد أن يقوله من أنه إذا لم ينتصر الأمريكيون في العراق،
فإن من أسماهم بالإرهابيين سيأتون إلى هنا "أي إلى الولايات المتحدة"، علما أن
الغزو الأمريكي نفسه، يعتبر السبب الرئيسي لوصول "تنظيم القاعدة" إلى العراق، بل
إلى توسعه للتواجد في أكثر من مكان.
الخطة الأمنية في ذمة العنف!
كان الموعد الذي سبق أن أطلقته القوات الأمريكية والحكومة العراقية لخطتها الأمنية التي حملت مسمى "فرض القانون"، هو الرابع عشر من شباط/فبراير الماضي، ومنذ ذلك الحين، أظهرت كل الأحداث فشل الخطة منذ بدايتها، حيث أن مقارنة رسمية مدعومة بالإحصائيات، كشفت عن تصاعد العنف في آذار/مارس الماضي مقارنة بفبراير، بين المدنيين والجنود العراقيين والأمريكيين، إضافة إلى وصول هذا العنف إلى مناطق كانت بعيدة نسبيا عنه، كالمناطق الكردية، ومناطق الأطراف البعيدة عن المركز، إضافة إلى زيادة استخدام الأسلحة النوعية ومنها الصواريخ التي تمكنت من إسقاط أكثر من 10 طائرات مروحية في الفترة نفسها.
التفجير الأخير في مقر البرلمان العراقي، رسم النعي الأخير للخطة الأمنية بعد اقل
من شهرين على بدئها، والمفارقة، أن علاج الحالات الأمنية الخاصة بالمسؤولين
ومقراتهم، كان منوطا بشركات أمنية خاصة، بعد انعدام الثقة فى رجال الأمن العراقيين،
أما الآن، وكدليل على الزيادة في التخبط، يقول ناطق باسم الحكومة العراقية إن شركة
أمن خاصة كانت تتولى حراسة البرلمان العراقي الذي يعقد جلساته داخل مبنى مركز
المؤتمرات، لكن وزارة الداخلية قررت الآن تولى مهام الحراسة بنفسها.
بشكل عام، لا تكتفي الحالة العراقية بتأكيد الفشل الأمريكي داخل العراق، وإنما أيضا
بتأكيد الفشل الأمريكي داخل الولايات المتحدة، فمن الأخبار المقلقة للرئيس الأمريكي
وإدارته، أن هذه الإدارة، لم تستطع حتى الآن، إقناع جنرال أمريكي بقيادة قواتها
كمسؤول رئيسي في كل من العراق وأفغانستان، إلى درجة أن وسائل الإعلام الأمريكية،
عنونت صدر صفحاتها في الأسبوع الماضي بـ "بوش يبحث عن قيصر يدير حربه ولا يجده"،
أما في التفاصيل، فتتحدث وسائل الإعلام عن عديد الجنرالات الذين رفضوا هذه المهمة،
ومنهم جنرال مشاة البحرية الأمريكية المتقاعد جون جاك شيهان الذي كان قائدا كبيرا
في حلف شمال الأطلسي والذي رفض تولى المنصب، قائلا إن المشكلة الرئيسية هي أنهم لا
يعرفون الجحيم المتجهين إليه مضيفا: إنه يعتقد أن ديك تشيني نائب الرئيس الأمريكي
وحلفاءه من الصقور المتشددين مازالوا أكثر قوة داخل الإدارة من العمليين الباحثين
عن مخرج من العراق، ولذلك وبدلا من أن أذهب إلى هناك وأصاب بقرحة ثم في نهاية
المطاف أرحل قلت "لا شكرا".
بوش، عرض المنصب أيضا على جنرال الجيش المتقاعد جاك كين وجنرال السلاح الجوى
المتقاعد جوزيف رالستون لكن الاثنين رفضا.
الخطة الجديدة والفشل المسبق
إذا كان "فيسك" قد كشف التوجهات الأمريكية من خلال كشفه لخطة المجتمعات المغلقة، فإن آخرين رأوا أن هذه الخطة تستند إلى سياسة "فرّق تسد"، وقد سبق أن استخدمت في فيتنام تحت عنوان الـ"الجاليات المطوقة"، وهى خطة فشلت في فيتنام، كذلك فقد جربها الفرنسيون بالجزائر وفشلوا، والإسرائيليون في فلسطين المحتلة، وفشلوا هم أيضا، فيما قال أحد الجنرالات الأربعة الذين شاركوا في صياغة الخطة في قاعدة "ليفينوورث" بولاية كنساس الأمريكية مع نظرائهم "الإسرائيليين"، إنها محاولة لتغيير مسار الحرب الكارثية في العراق.
هذا التوصيف، ينطبق أكثر ما ينطبق على الحالة الأمريكية بالذات، فالإدارة الأمريكية
عاجزة تماما عن إدارة سياستها في العراق، وإن ما زالت تتمسك بالأهداف نفسها التي
ذهبت من اجلها للغزو، والحكومة العراقية، عاجزة هي الأخرى عن فعل أي شيء،
فالعراقيون، يسقطون بمعدل ثلاثة آلاف عراقي شهريا، فيما لا توجد إحصائيات مؤكدة عن
القتلى العراقيين من أفراد الجيش وأفراد الشرطة، وإن كانت الأرقام غير الرسمية،
تتحدث عن أعداد تتجاوز الآلاف، أما خسائر الجيش الأمريكي، فبحسب الإحصائيات
الرسمية، قد وصلت إلى أكثر من 30 ألف قتيل وجريح، "عدد القتلى تجاوز الـ3 آلاف" عدا
عن آلاف المعاقين، وآلاف المصابين بالأمراض المختلفة، ومنها الأمراض النفسية التي
تفاقم وضع الجيش بشكل عام، حيث عزوف الشبان عن الالتحاق به، مما يضطر الإدارة
الأمريكية إلى إغواء المهاجرين بوعود الحصول على البطاقة الخضراء فيما لو شاركوا في
حرب العراق.
عند هذه النقاط، يفصح الفشل في العراق عن اتجاهين، إما البحث عن الحلول السياسية
التي لا تأتي إلا بتلبية رغبة العراقيين بانسحاب القوات الغازية من العراق، وجلوس
العراقيين إلى طاولة حوار حقيقية لا مانع أن تكون برعاية إقليمية أو حتى عربية، أو
إن هذا الفشل، لن يرسم مستقبل العراق المجهول فحسب، وإنما سيأخذ المنطقة كلها إلى
هذا المجهول أيضا.