لماذا علينا الاختيار بين "إسرائيل" أو إيران؟
رسمي حمزة *
يجري الآن حوار طالما رفضناه من حيث المبدأ، ويتجسد جوهره في محاولة لحصر خياراتنا للتفضيل بين إسرائيل وإيران، وهو أمر محبط ولا يفضي لأي أمل لخيار مستقل للشعوب والأنظمة العربية. فلماذا تفرض علينا هذه الصيغة؟ وهل يجب أن نكون تابعين لأي من الاستعمارين؟ وأين المشروع والخيار الإستراتيجي العربي المستقل في وسط هذه الفوضى التي تعبث بأمنه ومستقبل أجياله؟ قبل أيام طرح الكاتب والمفكر المصري "فهمي هويدي" في صحيفة الشرق الأوسط اللندنية رؤيته حول هذه القضية تحت عنوان "سؤال عبثي: إيران أخطر أم إسرائيل"، وقدم الحجج والبراهين على تفضيل إيران كخيار للعالم العربي على إسرائيل، مبرراً ذلك بالعوامل المشتركة التي تربط الطرفين، وأهمها عاملا الجغرافيا والتاريخ، وعلى العكس هي إسرائيل، وقدم هويدي رؤيته للأهداف الأمريكية و"الإسرائيلية" التي تقف وراء تحريض العرب على إيران، والترويج لجعلها عدواً مشتركاً، وبأن ذلك سيكون مقدمة لافتراس العالم العربي، وفي تحليله السابق، قدم هويدي جزءاً من الحقيقة، وشرح وجهاً واحداً من نقش العملة، لكن السؤال، هل كانت إيران يوماً نقطة توزان إيجابي لصالح استقلال وأمن النظام العربي؟ ألم تكن عوناً كبيراً لغزو العراق؟ ألم تكن أول من احتل العراق بعد سيادة الفوضى ضمن خطط معدة مسبقاً؟ ألم تعمل على إشعال الحرب الطائفية وتشييع البلد؟ ألم تستخدم أمن وسلم وأنظمة الدول العربية كورقة للتفاوض عليها لتحقيق طموحاتها النووية؟
نعم، لدى إيران مشروعها الخاص، فلديها إستراتيجية "تصدير الثورة إلى العالم العربي"، والتي بدأتها بلعب دور مساعد أساسي للولايات المتحدة في حربها على العراق، وفرضت خيارها الشيعي لاستلام السلطة وتنفيذ إستراتيجياتها، ولطالما قلنا أن أكبر فشل لأمريكا في العراق، "أنها حررته من نظام صدام حسين"، وسلمته لعمائم وحكام طهران، فالكلمة الأولى في العراق اليوم لأتباعها واستخباراتها، إلى جانب الكثير من الآثار الديموغرافية التي ستبان نتائجها في المستقبل، وسيكون لها الكلمة الفصل في مستقبل العراق وهويته.
ثم، لماذا على النظام العربي أن يختار بين دولة محتلة وأخرى، بين مشروع وآخر، بين استعمار واستعمار؟ أين خيارنا المستقل؟ ولماذا يفسر وقوفنا في وجه المشروع الإيراني في الهيمنة على الإقليم بأنه لصالح المشروع "الإسرائيلي"؟
ببساطة، نحن لا نريد أي من المشروعين، فكلاهما خطر على النظام والمستقبل العربي، وهما فكا الكماشة التي ستعيق تقدمه ونموه، لإسرائيل طموحاتها المعروفة على الأقل لدينا، فهي محتلة ومغتصبة ومجرمه، لكن على الكثيرين منا معرفة الطموحات الإيرانية بعيداً عن العاطفة الدينية، وبعيداً عن ربط المشروع الإيراني كنقيض أو منقذ لنا من المشروع والهيمنة "الإسرائيلية".
إن وقائع وحقائق التاريخ لم تعد هي صاحبة الكلمة الفصل في تحديد الواقع المعيش والمستقبل المنتظر، فالتاريخ والجغرافيا لم يمنعا إيران من تقديم العون لإسقاط عاصمة الرشيد، ولم يمنعاها من احتلال الجزر الإماراتية ورفض كل جهود الحلول السلمية للخروج منها، تماماً كما تغتصب إسرائيل فلسطين والجولان، والمشروع النووي الإيراني لن يكون إلا لتحقيق مصالح إيران وطموحاتها الإقليمية، والنظام العربي لن يكون إلا ورقة للمفاوضة عليها مع الآخرين، ولبنان والعراق نموذج مصغر من هذه المعادلة.
باختصار، لا نريد أيا من المشروعين، لا الإيراني ولا "الإسرائيلي"، وحصر خياراتنا بين استعمارين فيه قصر نظر.
* عن (الدستور) الأردنية 17/4/2007