رباعية الاحتلال والموت في العراق

عمر شبلي - شاعر وكاتب من لبنان

إذا راح المرابون يحسبون الذهب في العراء، وراح القوادون والبغايا يبتنون الكنائس، عندها يحلُّ شغبٌ كبير وفوضى شكسبير.

للسنة الرابعة، والعراق يتنزّى في قيود الاحتلال، لسنوات أربع والموت لم يأخذ إجازة للحظة واحدة في عراق الحضارة، عراق حمورابي المعطي للقانون صفة الكلام النازل من السماء، عراق جلجامش الباحث عن الحياة الأبدية عند مصب الأنهار، حيث يقيم جده أتونباشتم، عراق بابل وحدائقها المعلقة، عراق الأولياء والأوصياء الذين أصبح رفاتهم جزءاً من تراب العراق، عراق الخلافة الإنسانية التي جعلت ثقافات العالم.

تتحاور في بغداد وبيت حكمتها، عراق العلوم والإبداع والإنسان، عراق صلاح الدين الأيوبي الجنرال العظيم كما يسميه آرنولد توينبي الذي جعل أعداءه يجمعون على حبه، عراق المتنبي والجاحظ والخليل بن أحمد الفراهيدي والشريف الرضي، عراق الجامعات والمكتبات، عراق المقاومة البطلة والعلماء العباقرة، عراق الرجال الذين واجهوا الموت بكبرياء تجعل حياة الآخرين هي الموت الحقيقي.

العدوان الأنغلو - أمريكي على العراق استهدف ما يعنيه العراق هذا قبل أن يستهدف ما يحتويه العراق من ثروات.

أرادوا قتل ما يعنيه العراق، وإذا كان التاريخ قد اشتق معنى "الهولوكوست" من اسم هولاكو الذي أطعم ماء دجلة كتب الإنسانية كلها في العراق، فإن التاريخ سيشتق من اسم بوش البوشوست ليكون هو وهولاكو أكبر عدوين للكتاب على مرّ التاريخ، بوش قتل مكتبة بغداد لأنها عدوه الأول ثم انتبه لشارع المتنبي وأشعل فيه النيران ليذكره الناس إلى الأبد على أنه قاتل الكتاب، وكم حان حضارياً وهو يزجي لصوصه لسرقة المتحف العراقي الذي يضم إنجاز الحضارة الأولى في العالم، هل يصدق أحد أن بوش وزبانيته لم يكونوا قادرين على حماية المتحف العراقي العظيم؟!

لماذا قتلوا مكتبة بغداد والمتحف العراقي؟ لماذا قتلوا شارع المتنبي؟ والجواب أن المتحف العراقي يحفظ تراثاً إنسانياً يفتقر سليل النفط والعم سام لفهمه وقراءة أبجدية الحضارة التي مشت فوق هامات العصور تياهة بسبقها وريادتها وإنسانيتها.

إن الفقر الحضاري الذي يعاني منه بوش ومحافظوه الجدد هو الذي أثار فيهم الضغائن لقتل أم الحضارات بغداد الرشيد.

إنهم يريدون منا أن ننام تحت الأنقاض ليروا تفوقهم وضعفنا.

ماذا فعلوا في العراق؟ وماذا يريدون؟ لا بد من تسجيل الملاحظات التالية:

1 - إنهم حتى هذه اللحظة يحاولون قتل الإنسان العراقي بكل الوسائل الرخيصة والقذرة والذي يبقى من العراقيين حياً يريدونه إنساناً مصنوعاً في البنك الدولي، أو ملحقاً بالمارينز بعد أن يفقد ذاكرته الفردية والتاريخية والروحية، يريدون أن يؤسسوا له ثقافة ثانية تقوم علي الإلغاء والهدم في آن، يريدون عراقياً مختلّ القيم والفهم الذي تحدّر إليه منذ مسيل دجلة والفرات في ثرى بلاده، ويريدون العراق شظايا وكياناً ممزقاً لا يحلم بعدها بذاكرة عراق كان يوماً عراقاً واحداً، يريدون قتل الإنسان والمكان والزمان في ذاكرة كل عراقي.

 

2 - يريدون خارطة جديدة للمنطقة بلا عراق ولا عراقيين.

 

3 - يريدون قتل آخر عالم عراقي مستعينين بـ"الموساد" وعراقي فقد ذاكرته وقيمه وشرفه، ممنوع أن يكون للعرب علماء، يريدون أن نعود إلى الجاهلية ليسهل لهم امتطاؤنا عبر حكام يخافون الفكر أكثر مما يخافون الموت ، عبر حكام لا يتقنون إلا المسير في جنازة الوطن.

 

4 – يريدون نهب ثروات العراق، وأغلى ما فيها، وهو الإنسان، لم يحرسوا غير وزارة النفط يوم كنا نرى وبوجع حاد ما يُسرق من المتحف العراقي وعلى الفضائيات وبوضوح، كان النفط هو الذاكرة التاريخية لبوش ومحافظيه، والآن بدأت الفضائح تتكشف، ولا من يخجلون.

 

5 - يريدون عراقاً بلا جيش وطني النزعة قومي الانتماء، لن يريدوا بعد اليوم جيشاً عراقياً ينتصر لأهله في الجولان، ولا يريدون طيارين عراقيين يقصفون المواقع الصهيونية المتقدمة في سيناء وفلسطين المحتلة، ولا تزال في ذاكرة بوش وزبانيته، ذكرى مقبرة شهداء الجيش العراقي في جنين، الجيش الذي قاتل واستشهد في تلك الأرض الطاهرة سنة 1948.

 

6 - يريدون عراق المذاهب والإثنيات العرقية، يقتل بعضها بعضاً، وما أوجع الألم حين نذكر اليوم أن هؤلاء الذين يمارسون القتل المذهبي والعرقي هم من سلالة أولئك الآباء الكبار الذين صنعوا مجد العراق والأمة بفكرهم وبطولاتهم التي يعز نظيرها اليوم.

 

7 - يريدون استباحة الشرف العربي في عراق الشهامة والحمية، الشرف الذي هو جزء أساسي من ثقافتنا الروحية، ومن عقائدنا الراسخة في خرائط الجين العربي منذ البدء، يريدوننا أن نكون كالخنازير، حيث يقال: إن الخنزير لا يدافع عن أنثاه إذا رأى غيره يعتدي عليها، وماذا يبقى من العراقي إذا لم يكن عراقي الأمس الذي يموت دون عرضه وأرضه ومعتقده؟!

 

8 - يريدون تحقيق الأساطير التلمودية الظالمة والمُظلِمة "حدودك يا إسرائيل من الفرات إلى النيل"، وها هم الصهاينة يرتعون اليوم في العراق بينما أهل العراق يهاجرون منه خوفاً من الديموقراطية الأمريكية الوافدة على ظهور الدبابات ومن تربوا على موائد الـ"سي آي أي".

 

9 - يريدون عراقاً معادياً إلا لـ"إسرائيل"، ليأتي المرابي الصهيوني ويفتح بنكاً في العراق ونرهن ما ظلّ من كرامتنا فيه حتى يقوم قائمهم، يريدون أن يكون العراق فقط خزاناً للنفط والعملاء.

 

10 - يريدون أن ننسخ من كتابنا كل الآيات التي تدعو إلى صون الكرامة والأرض والمعتقد، يريدون قرآناً آخر ينسخ ما قبله. يريدون أحد إسلاميْن: إما إسلاماً مزوّراً هم يرسلون عملاءهم باسمه ويقتلون الأبرياء ثم يقولون هذا تنظيم إسلامي إرهابي، أو إسلاماً لا جهاد فيه ولا رايات نظيفة يدافع عنها المجاهدون ويموتون تحتها.

 

11 - يريدون حكاماً يقولون نعم باستمرار، حكاماً من قياس واحد، ثوب واحد يصلح لهم جميعاً، مهمتهم الأولي تأمين انتقال الحكم إلى الذرية والأحفاد حتى يقضي الله أمراً كان مفعولا.

 

ماذا يريد العراق العراقي؟

إله بوش أمره بالمجيء إلى العراق لنشر الديموقراطية وتعليم الناس على وجبات "ماكدونالد" وإحراق المكتبات والمتاحف، وإحراق شارع المتنبي لأنه قال:

لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى حتى يراق على جوانبه الدمُ

وإله المقاومة العراقية يقول للمقاومين الأبطال أقتلوهم حيث ثقفتموهم فأي الإلهين نصدق، أن أعتقد أن المقاومة العراقية ستحسم الأمر بصدق إلهها العربي، إن المقاومة العراقية البطلة هي ما تبقّى لكم أيها العراقيون فاحتضنوها، وافتحوا لها بيوتكم وقلوبكم ووعيكم.

إنها والله هي كرامتكم وكرامتنا جميعا، ولولاها لكانت رؤوسنا معفرة بالذل والهوان. المقاومة تعرف هدفها جيدا، لا هدف لها إلا الاحتلال، ووحدة العراق وعودة العراق إلى أمته التي تحمله في حناياها، هذه المقاومة ستجعل بوش يقول في النهاية ما قاله ماكبث حصان، حصان، مملكتي مقابل حصان، إن مقاتل الأبرياء من المدنيين وغيرهم لا تصدر عن بندقية مؤمنة بهدفها، مقاومة في سبيل تحرير الأرض والعرض، لا علاقة للمقاومة بكل هذا القتل المشبوه إنه من صنع الاحتلال وأدواته ليسل لهم تطويع العراق.

 

إن المقاومة هي المحاور الوحيد للاحتلال لإخراجه من بلاد الرافدين بالبندقية المؤمنة الملتزمة بقضية الوطن والأمة، والمقاومة العراقية كالمقاومة اللبنانية والمقاومة الفلسطينية تهدف لطرد الاحتلال أولاً وثانياً وثالثاً.. ولذلك يجب النظر إلى المقاومات الثلاث بمنظار واحد فلا يجوز أن نكون مع المقاومة في مكان وضدها في مكان آخر، ولا بد من تحديد العدو الذي هو الاحتلال، وأمريكا ليست سيئة هنا وجيدة هناك.

نفس العدو مع نفس الأهداف، ولا يجوز أن نقول كما قال "بنو إسرائيل" لموسى إن البقر تشابه علينا بل علينا أن نقول كما قال الأنصار للرسول العربي الأعظم واللهِ لو جالدت بنا برك الغمام لجالدناه معك، ولا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون، وإنما نقول: اذهب أنت وربك فقاتلا إننا معكما مقاتلون.

المقاومة في العراق هي كلمة السر وهي المفتاح لذلك الكنز العظيم، وعلى الشعب العربي أن يتجاوز جبن حكامه، وأن يكون ظهيراً للمقاومة، المقاومة بحاجة للدعم المعنوي والمادي ولا يجوز الجلوس وراء الرابية في زمن المواجهة، الشعب العربي وحده يبكي وسط كل ما هو مهزوم كما يقول بابلو نيرودا..

من غرائب الأقدار أن الذين يتآمرون على المقاومة هم مستمرون بفضل تلك المقاومة، إذ لولا صمود المقاومة لكانت "خارطة الشرق الأوسط الجديد" قد انتقلت من الأوراق إلي الجغرافية، وحدها المقاومة هي التي أجبرت بريمر على التنحي، ومحاولة إيجاد حكام يقولون إنهم من عراقيي الجنسية، وحدها المقاومة هي التي هزت المجتمع الأمريكي وأعادت إلى ذاكرته الحرب الفيتنامية، وحدها المقاومة هي التي ترسل لبوش يومياً أكياس البلاستيك السوداء.

وحدها المقاومة هي التي أجبرت العالم على احترام الإنسان العربي، وحدها هي الحاضرة في كل الاجتماعات التي تنعقد، والحاضرون هم الغائبون باستمرار. وحدها المقاومة هي التي أجبرت بوش على التخلي عن صديقه الحميم دونالد رامسفيلد، وبولتون والحبل على الجرار، وحدها المقاومة هي التي ألجأت بوش للعودة إلى تقرير بيكر - هاملتون ولو مداورةً، وحدها المقاومة هي التي جعلت قوات الاحتلال كالجرذان التي تلاحق مسببات هلاكها، فإذا كانت السياسة عند بوش وزبانيته لا صلة لها بالأخلاق، وشأنها كبناء الجسور، فإنه لم يفلح حتى ببناء الجسور، سيضطر لقطع دجلة عوماً، فهل يتقن السباحة!! لقد هرب السفير الأمريكي في فيتنام من على سطح السفارة، وما أقرب اليوم من غد!!

إن المقاومة العراقية الآن متوازنة بعد أن كانت على طرف الهاوية فليعلم الجميع أنها وحدها المنقذ للجميع.

تحية للمقاومة العراقية في عامها الرابع، أما الاحتلال فهو أدرى أن عامه الرابع ليس كعامه الأول، تحية لشهداء الأمة الذين استشهدوا من أجل نفس الخبز ونفس الحرية ونفس الحلم.