بعد شهر على القمة قرروا تسويق تسويق المبادرة بانتظار تفعيل تفعيلها.. والناس تتساءل:
هل يسلك خادم الحرمين طريق السادات إلى القدس
لـ "يُصلِّي" في المسجد الأقصى؟!
نبيل أبو جعفر
لماذا
نزلت "المؤتمرات الثلاثة" التي تدّعي تمثيل مئات الأحزاب والنقابات والشخصيات إلى
دون سقف القمة ووجهت إليها رسالة مليئة بعبارات الرجاء المأمول؟!
بعد شهر على انعقاد قمة الرياض، قرر وزراء الخارجية العرب بالأمس /18 نيسان / تشكيل لجنة لتسويق "مبادرة السلام" التي لم يلق تسويقها الشهر الماضي سوقا رائجة لدى الكيان الصهيوني ! وكُلّفت كل من مصر والأردن - نظرا لوجود علاقات رسمية لهما مع (اسرائيل) - الاتصال بها لحثّها على التعاطي الإيجابي مع هذه المبادرة و"التلطّف" بالإجابة عليها!!
هذا كل ما استطاعت إنجازه قمة الرياض حتى الآن، ولن تستطيع أكثر غير المزيد من الاستجداء، رغم كل ما وفرته السعودية لها من تهويل إعلامي جُند له جيش من "الكتبة" والصحف والفضائيات من اجل تصويرها على أنها أكثر القمم تميزا وجديّة من سابقاتها، إلى درجة أن كل الملوك والرؤساء والأمراء لم يخرجوا عن "النص الرسمي" الذي توافقوا عليه، ولم يُلق أحد منهم كلمته ارتجالياً كما كان يجري في السابق، بل التزموا بقراءة كلماتهم "المدروسة" والمختصرة والتي لا تثير أدنى خلاف أو حتى اختلاف. وكان وصف الأمير سعود الفيصل دقيقاً لهذه الحال بقوله أن القادة العرب لم يختلفوا على أي بند طُرح، ولاسيما "المبادرة العربية"!
أما "شهادة" أمير "دولة الكويت العظمى" فقد جاءت لتحسم الموقف من حقيقة "تميّز" هذه القمة وحال الأمّة بأكملها، حين قال "إنها من أنجح القمم العربية وأفضلها"! مؤكداّ على "الإدارة الحاسمة لخادم الحرمين التي لم تسمح بأن يكون هناك أي مجال للدخول في الجدل (يعني الحوار!) خلال جلساتها، فيما يتعلق بالمواضيع المطروحة على القادة، وخاصة مبادرة السلام العربية!!
إذا كان هذا الوجه الظاهر والمفضوح من القمة كما أفصح عنه أمير دولة الكويت، فما هو الوجه المخفي؟ ماذا جرى في الكواليس، ولأي هدف أبعد من حدود "التفعيل والتسويق" جاء اتفاق الحكام، وهل اختلفت هذه القمة عن سواها من مسلسل القمم السابق؟
هوان مذل!
إذا استثنينا قمتي الخرطوم 1968، وبغداد 1981، فإن سائر القمم الأخرى من انشاص إلى الرياض كانت مسلسلاً من العجز والتراجع. فقمة الخرطوم مثلت الاستثناء الأول باتخاذها قرار اللاءات الثلاث الرافضة للصلح والتفاوض والاعتراف بدفعٍ من مصر عبد الناصر رداً على هزيمة حزيران. وقمة بغداد مثّلت الاستثناء الثاني في اتخاذ القرار الحاسم بمحاسبة من خرج عن هذه اللاءات. عندما قررت مقاطعة نظام السادات وعدم الاعتراف بكامب ديفيد وإفرازاته، ونقلت مقرّ الجامعة العربية من القاهرة إلى تونس، مع التأكيد على ضرورة التمييز بين مصر الرسمية ومصر الشعب، وكان ذلك بدفع من عراق صدام حسين، ومعسكر "الصمود والتصدّي" الذي أفرزته خطوة السادات بزيارة (إسرائيل) وما تلاها من خطوات.
هذه حقائق لا يمكن تجاهلها من قبل أي منصف، ومع ذلك، خرجت علينا في الأيام الأخيرة مجموعة من صحافيي البرميل الأسود تُنظّر بأسلوب نفاقيّ مدفوع الثمن حول تميز قمة الرياض قبل انعقادها، لمجرد أنها تُعقد في الرياض "!" فمنهم من رآها قمة التعقّل والحكمة، ومنهم من اعتبرها قمة الاعتدال والتواضع في المطالب والمواقف، ومنهم من وصفها بقمّة الجرأة، كما ورد على لسان وزير إعلام عربي سابق في الشرق الأوسط السعودية، الذي ذهب إلى ابعد من ذلك بكثير بعد أن "قلّب" رأيه المتقّلب حسب مردود البرميل، فقال بالنص (لاحظوا موضوعية بعض وزرائنا ودقّتهم): "رئيس الوزراء (الإسرائيلي) شعر بالخطر الحقيقي الذي بدأ يتهدّد (إسرائيل) في ضوء ما أنجزته قمة الرياض. والحقيقة أن ما أصاب (إسرائيل) بالرعب جعل رئيس وزرائها يهرول للإعلان عن نقاط ايجابية في المبادرة"!
طبعاً لم يخل الأمر من شرفاء، فنفاق الوزير السابق قابله رأي لـِ "صحافي عادي" في صحيفة أخرى لم يرَ الرعب ولا الهرولة، بل لخّصه بالقول:" إن الغزل (الإسرائيلي) – الكلامي- للسعودية بديل عن القبول بالمبادرة العربية، لأن ما يّهم (إسرائيل) فيها إلغاء حق العودة".
ظاهرة الأُجراء
هذا التناقض الحاد في التعبير عن حدث لا يحتمل جهداً كبيراً في تقييمه إذا تخلّينا عن هوى المصالح، عرّى بشكل أكثر انفضاحاً من الماضي حقيقة أن الرأي في بلادنا لم يعد تعبيراً عن التزام بموقف أو مبدأ- إلا في النادر القليل-، بل تعبيراً عن ولاء "الأجير" لولي نعمته، سواء أكان "صاحب" فضائية، أم صحيفة، أم موقعاً الكترونياً، تتساوى في ذلك قناة "الحّرة" مع العربية، مع صحيفة عكاظ فالسياسة و"الشرق الأوسط".. إلى آخر منتجات البرميل الأسود.
والمصيبة أن هذه الحالة المؤسفة في الانحدار الإعلامي لا تعكس إلا الجانب الرسمي المتمثّل بعلاقة المستأجر بالأجير، أما الجانب الآخر منها – وهو الأكثر خطراً - فلا يعكسه هؤلاء الأجراء والعبيد وحدهم، بل نخبة من المثقفين الذين يتظاهرون بالموضوعية، ويسعون إلى التوفيق بين القاتل والضحية، ومصالحة الحاكم المرتبط مع شعبه المكبّل، كما قرأنا على ألسنة البعض، وكان من بينهم- مع الأسف- ما سمي بـ "المؤتمرات الثلاث" التي وجهت إلى القمة رسالة مثقلة بعبارات التطلع والرجاء المأمول من "أصحاب الجلاله والسيادة الملوك والرؤساء العرب"، وقد وقعّها كل من الأمين العام للمؤتمر القومي العربي/ خالد السفياني، والمنسّق العام للمؤتمر القومي- الإسلامي/ منير شفيق، والأمين العام للأحزاب العربية/ عبد العزيز السيد.
نقول مع الأسف، لأن الموقعين على هذه الرسالة شخصيات معروفة ومحترمة، وقد بدأوها بقولهم أنهم يمثلون مئات المنظمات والأحزاب والشخصيات والنقابات وفعاليات المجتمع المدني.. الخ!، ومع ذلك لم تجد هذه "الأرضية الشعبية العريضة!" مطالب تعلو عن السقف الأدنى للأنظمة كي توجهها للقمة، باستثناء طلب عدم الضغط على الفلسطينيين لتقديم تنازلات مجانية.
فعدا عن أسلوبها السردي التاريخي الممل ومقدمتها الإنشائية المطّاطة، وتفاصيلها الأكثر من معروفة، والمعادة على السنة الأمّيين، اكتفت رسالة الذين يمثلون "مئات المنظمات الجماهيرية" بعد ذلك مباشرة بدعوة القّمة إلى إنجاح مساعي السعودية في الحوار اللبناني- اللبناني، بعد أن شجعهم على ذلك "تلك الخطوات الناجحة التي بادرت إليها المملكة العربية السعودية"!". ثم دعوتها ثانياً إلى الاحتكام لصناديق الاقتراع في العراق بين أحزاب تمثل الشعب كله وليس على أساس طائفي وتقسيمي، بعد رحيل الاحتلال، وهي عبارة مطاطة الإطار والمعنى، في ظل الوضع الذي يحاول الاحتلال تكريسه حتى بعد رحيله. وفي ظل نكران أي طرف انه يقوم على أساس طائفي أو عرقي أو تقسيمي لها بدءاً من حزب "الدعوة" وميليشياته وانتهاء بالحزبين الكرديين مروراً بالجلبي ومقتدى الصدر وغيرهم.
وتتضمن الرسالة الموجهة إلى القمة بعد ذلك "مناشدات أقلّ أهمية" حول مشاكل السودان والصومال والصراعات المذهبية والطائفية..، وصولاً إلى مناشدة الأنظمة المشاركة في القمة تحقيق المصالحة مع شعوبها.. والعمل – أخيراً- على "تحقيق الأمن القومي العربي الذي هو شرط لتحقيق الأمن لكل قطر".
تناقض "المؤتمرات" مع نفسها
وقبل أن ندخل في تفاصيل ما صدر عن القمة بعد ذلك، وهو معروف، نطمئنكم أن "مئات هذه المنظمات التي تمثلها المؤتمرات الثلاثة لم تطلب من القادة في الأساس أكثر مما قرّروا. لم تحاول رفع سقف مطالبهم ولو قدر بوصة واحدة، بل نزلت بهم ومعهم إلى أدنى من المعتاد في القمم التراجعية السابقة، إلى درجة أنها تناقضت مع نفسها وأطروحاتها السياسية وتحليلها للوضع العربي القائم من مختلف وجوهه.
ولعلّ أبرز مثل يمكن إيراده على هذا التناقض مقارنة موقف المنسق العام للمؤتمر القومي الإسلامي منير شفيق، أحد الموقعين على هذه الرسالة الإنشائية المهذبة التي تدعو لتحقيق الأمن القومي العربي مع موقف مساعده الأول اللواء طلعت مسلم، فيما يتعلق بالتحذير من الخرق القائم الآن للأمن القومي العربي.
ففي رسالة وجّهها مسلم إلى أعضاء المؤتمر الإسلامي في 15 نيسان الماضي 2006، لفت الرجل بكلام محدّد وغير عمومي ولا التفافي انتباه رفاقه إلى ما حصل في "مؤتمر حوار المتوسط" - وهو المنبثق عن حلف شمال الأطلسي - الذي عقد في مدينة الرباط بين 6و7 نيسان الماضي، حيث طلبت كل من الجزائر والمغرب والكيان الصهيوني - كما يقول مسلم بالحرف - المشاركة فيما يسمى بعملية " السعي النشيط" (الأميركية- الأطلسية) وهي خطوة جديدة في الابتعاد عن الأمن القومي واللحاق بأمن الآخرين.
أي بعبارة أخرى: إدارة الظهر رسمياً لمعاهدة الدفاع العربي المشترك، والتوجّه نحو الانضمام إلى تنظيم دفاعي آخر على النقيض منه في الأهداف والتوجهات، وهو ما عبّر عنه في تلك اللحظة - والكلام للواء مسلم أيضا - وجود ممثلين عن الكيان الصهيوني في صدارة الجالسين مع ممثلي ست دول عربية في العاصمة المغربية! ولفت الانتباه في الرسالة نفسها إلى انخراط أربع دول خليجية في اتفاقية تهدف إلى تحقيق أعلى مستوى من التعاون بين حلف شمال الأطلسي ودول "الشرق الأوسط الكبير"، الذي كان الحديث عنه الشغل الشاغل لحكامنا وسياسيينا.
لماذا تراجعت القمة؟
وبالعودة إلى مؤتمر القمة والموضوع الأساس الذي كان مطروحاً عليه، وهو تغيير "المبادرة العربية للسلام" أو تعديلها، وفق ما تم الاتّفاق عليه بين إدارة بوش والسعودية ممثلة بالأمير بندر بن سلطان، فقد فوجئت القمة قبل انعقادها بفترة أن النهج الرافض لهذه المبادرة من أساسها قد اكتسب أنصاراً جدداً له تمثّلوا بكل الذين أعلنوا رفضهم القاطع لتغييرها أو تعديلها، بعد أن وصلتهم أنباء مؤكدة عن لقاءات وتحركات الأمير السعودي – الأميركي تنفيذاً لهذه المهمة، ولم تقم المملكة ولا هو شخصياً بنفيها أو الردّ عليها.
وللأسف الشديد – مرة أخرى - فإن مئات الأحزاب والمنظمات والشخصيات المشاركة في المؤتمرات الثلاثة وأمثالها من التي تحرص على بقاء شعرة معاوية مع الأنظمة بشكل خاص، لم تكن بين الذين وقفوا بصلابة ووضوح من هذه القضية، ولم تعلن رفضها للتغيير أو التبديل!
ولكن الموقف الشعبي العربي الحقيقي غير الممثل بقيادات "بارومترية"، والأقلام المتشنجة – من أمثالنا – خلقا جوّاً استبق "مفاجأة" القمة، وكشف سرّها الأساس قبل انعقادها، فكان لزاماً على "طوال العمر" اعتماد اخراج جديد للمشروع التسووي العربي، بتنسيق لا شك فيه مع الدولة الأكبر.
وفي هذا السياق لا خارجه جاء كلام الملك عبد الله الواضح هذه المرة عن وقوع العراق تحت الاحتلال الأجنبي، وإن لم يطالب " الأصدقاء الأمريكان" بضرورة وضع جدول زمني لانسحابهم الموعود منذ زمن، كما جاء قرار القمة برفض تغيير المبادرة أو تعديلها قبل أن تجيب عليها (اسرائيل)، باعتبارها المعنيّة الأساسية بالموضوع. أي أن السبب الوحيد الكامن وراء عدم تنفيذها "الإجراء المطلوب" يعود إلى عدم ردّ (اسرائيل) عليها!
وباختصار أكثر: إذا ردّت (اسرائيل) فسيردّ العرب وسيتعاملون مع مطالبها بايجابية طبعاً. وانطلاقاً من هذه النقطة فقد جاء قرار الحكام منسجماً مع مقولة "الرفض في معرض القبول"، وجاء حديث بعض المسؤولين مضحكاً حول ضرورة تفعيل المبادرة عن طريق تثبيتها في وثائق الأمم المتحدة بعد مضي خمس سنوات على إلقائها في سلة المهملات (الاسرائيلية)، وكأن هذه المنظمة ومعها كل الشرعية الدولية القائمة في هذه الأيام يُمكن أن تحرّك شعرة في الموقف الأميركي – (الاسرائيلي)، أو كأن لهذه الشرعية أي احترام لدى "الطرف الآخر" الذي لم يعبأ بعشرات القرارات الدولية التي صدرت بحقه!
هل يذهب "خادم الحرمين" إلى القدس؟!
إلى هنا انتهت صفحة، وفتحت صفحة أخرى تحتوي الكثير من التوقعات والتساؤلات التي يطرحها الأذكياء والخبثاء معاً: هل يأتي أولمرت – الذي رأى قرارات القمة خطوة إلى الأمام لا أكثر – إلى الرياض لتفعيل قراراتها؟ أم يلتقي بخادم الحرمين في شرم الشيخ؟
هل يذهب "طال عمره" إلى القدس "على طريقة السادات"، كما "نصحه" بذلك الكاتب الأميركي الأشهر في عالم المخابرات والخيوط المتشابكة توماس فريدمان في آخر مقال له تعليقا على القمة، تحت ستار الصلاة في المسجد الأقصى؟، وليس نزولاً عند رغبة هذا الصحافي الوحيد الذي خصّه الملك – يوم كان ولياً للعهد - بسرّ المبادرة" قبل الإعلان عنها، أم يُكلّف الأمير الديناميكي بهذه المهمة العربية - الأميركية – (الإسرائيلية)؟
هذا ما سنعالجه في المقال القادم، أيّاً كانت "المفاجآت" وحتى لو نفت المملكة ذلك، أو نفاه الأمير.. ولن ينفيا شيئاً بكل تأكيد...!