جرحنا في العراق:

صبراً يا عراق فإن الاحتلال في النزع الأخير

محمود كعوش

في التاسع من شهر نيسان الجاري مرت الذكرى الرابعة لقيام الاستعمار الجديد، الذي لا يماثله استعمار آخر من حيث وحشيته وطغيانه غير الاستعمار الاستيطاني الصهيوني في فلسطين، بأسر واحدة من أهم العواصم العربية والإسلامية، ففي مثل هذا اليوم من نيسان 2003 مضى التحالف الأنغلو - أميركي في عدوانه الهمجي الذي بدأه في العشرين من آذار من ذات العام على العراق فاجتاحت قواته الغازية العاصمة العراقية بغداد في تحد صارخ للشرعية الدولية المتمثلة بمنظمة الأمم المتحدة وخرق سافر للقانون الدولي والمواثيق والمعاهدات التي تحكم العلاقات بين الدول، وكان هذا التحالف الشيطاني قد مهد لعدوانه بعملية تسويق مخادعة وتضليلية لجملة من المبررات والذرائع التي ما لبثت أن تساقطت وتداعت الواحدة بعد الأخرى، ليتأكد للقاصي والداني في العالم أخيراً أن ما حدث في العراق ليس إلا واحدة من أشنع وأرذل الجرائم اللاإنسانية واللاأخلاقية في التاريخ، إن لم تكن الأشنع والأرذل.

بين نيسان 2003 ونيسان 2007 أربع سنوات كانت الأسوأ في تاريخ العراق والعراقيين القديم والحديث. فإن كان العراق قد عرف على مدار تاريخه الكثير من الغزاة الطامعين بأرضه وخيراته وموقعه الإستراتيجي ومكانته العربية والإسلامية والدولية، إلا أن الغزاة الجدد الذين قدموا إليه هذه المرة من أقصى بقاع الشمال الغربي هم الأسوأ لما ارتكبوه من فضائع وكبائر بحقه وحق أبنائه تندى لها الإنسانية والأخلاق، هذا إن بقي للإنسانية والأخلاق مكان في هذا العالم بعدما اختطف "المحافظون الجدد" الإدارة الأميركية مع بلوغ الرئيس جورج بوش "البيت الأسود" في انتخابات الرئاسة الأميركية التي جرت عام 2000 وهيمنوا على المقدرات السياسية والاقتصادية والعسكرية الأميركية والدولية.

بين نيسان 2003 ونيسان 2007 عاش العراق أسوأ أربع سنوات في تاريخه تحت الاحتلال الأنغلو - أميركي وفي ظل العنف المحلي، لم يعرف أبناؤه خلالها غير السيارات المفخخة والقتل والسحل والذبح والتعذيب والفتك والتدمير والاغتصاب وهتك الأعراض وفقدان أبسط مقومات الحياة التي يتغنى بها سيد "البيت الأسود" في كل المناسبات "على اعتبار أنها ثمرات يانعة للديمقراطية الموعودة التي جلبها للعراق والمنطقة"!!

نعم عاش العراق أسوأ أربع سنوات دفع خلالها الغالي والرخيص لمجرد أن حفنة من أبنائه الخونة والعملاء المأجورين رغبوا في إشباع غريزتي الانتقام وحب السلطة المتأصلتين في نفوسهم المريضة !! نعم عاش العراق أسوأ أربع سنوات فقد خلالها مئات آلاف الضحايا البريئة، بعد ثلاثة عشر عاما من الحصار المرير الذي بدأ مع ما سُمي "حرب تحرير الكويت" في عام 1991 وخسر خلاله مئات الآلاف من أبنائه وبالأخص الأطفال والنساء والشيوخ.

وكما كانت السنوات الأربع المشؤومة هي الأسوأ في تاريخ العراق للأسباب التي أوردت وآلاف الأسباب الأخرى أيضاً، فقد كانت السنة الأخيرة 2006 أسوأ من السنوات الثلاث التي سبقتها بسبب أجواء الحرب الأهلية التي سادت فيه خلالها ولم تزل مستمرة.

إصرار سلطة الاحتلال الغاشمة وعملائها المحليين والمنتفعين والمستفيدين من استمرار وجودها العدواني وغير الشرعي في العراق على الإدعاء الكاذب بأن "تغيرات إيجابية كبيرة حدثت فيه بين نيسان 2003 ونيسان 2007" لا يلغي حقيقة الوقائع على الأرض. فهذه الحقيقة تصرخ بأعلى صوتها معترفة بأن السلبيات في عهد الاحتلال من فرط خطرها وكبر حجمها طغت على المشهد العراقي بجميع صعده ومستوياته دون استثناء.

ولعل أهم تلك السلبيات يتمثل بتفشي العنف الذي استشرى والذي يحصد أرواح عشرات بل مئات المواطنين الأبرياء يوميا، وارتفاع معدلات البطالة وانتشار الفساد المالي والإداري، إضافة إلى بروز ظاهرة العنف الطائفي التي تسببت في اندلاع حرب أهلية حقيقية تم الإعلان عنها بشكل صريح من قبل سلطة الاحتلال الغاصبة وعملائها في حكومة الخونة والجواسيس التي يرأسها مصاص الدماء نوري المالكي مراراً وتكراراً.

وفيما يستمر "العراقيون الجدد" – نسبة إلى أسيادهم في واشنطن - في خلافاتهم حول "الكعكة السامة" وتقسيم المكاسب والمغانم الاقتصادية والسياسية ومواقع النفوذ السلطوية، تتواصل معاناة العراقيين مع انعدام الأمن والأمان وغياب الاستقرار، ويتواصل معها ارتفاع معدل البطالة والفقر والفساد الإداري والمالي وانعدام الخدمات المدنية كالماء والكهرباء والوقود وغير ذلك من مقومات الحياة الأساسية.

وفيما ينشغل "العراقيون الجدد" في خطب ود سلطة الاحتلال من خلال إظهار ولائهم الكامل لها ويتلهون بخلافتهم حول النفوذ والمكاسب والمغانم الخاصة، تتزايد الجهات التي تمارس العنف والإجرام من ميليشيات تابعة للأحزاب المدعومة من قبل هذه السلطة الجائرة وملالي إيران الطامعين على مدى التاريخ بالعراق، وأصبح العثور على الجثث الملقاة في أماكن مختلفة من بلاد الرافدين أو الإعلان عنها في وسائل الإعلام أمرا عاديا ومألوفا، ومشرحة بغداد المركزية تشهد على وحشية ذلك، ناهيك عن حالات الاختطاف التي يتعرض لها أجانب وعمليات القتل والاغتيال التي يتعرض لها الأكاديميون والعلماء العراقيون والتي أدت إلى  هجرة إجبارية للكفاءات العلمية بعد مقتل العديد منهم، إذ أشرت الإحصائيات إلى مقتل أكثر من 300 شخصية علمية من أطباء ومهندسين وأساتذة جامعات وكوادر متخصصة، إضافة إلى مقتل عشرات بل مئات آلاف المدنيين الأبرياء كما سبق لي أن أشرت.

و"العراقيون الجدد" من أركان حكومة نوري المالكي العميلة والمعينة من قبل سلطة الاحتلال والمدعومة من قبل سلطة الملالي الذين كانوا ولا زالوا جزءاً رئيسياً من سبب مأساة العراق يعترفون اليوم وبعد فوات الأوان بأنه يواجه منذ أكثر من سنتين حرباً أهلية حقيقية وخطيرة . كما يعترفون بأن هذه الحرب توقع يومياً عشرات بل مئات الضحايا في صفوف جميع الطوائف والمذاهب والأعراق العراقية، وتستهدف جميع دور العبادة دون تفريق أو تمييز، ولعل هذه هي المرة الألف التي يعترف فيها "العراقيون الجدد" من أركان الحكومة العميلة بذلك ولا يعملون على إطفاء جذوتها !! و"المحافظون الجدد" في واشنطن وسيدهم في "البيت الأسود" يعترفون بتفجر الحرب الأهلية في العراق إلا أنهم لا يعملون على إطفاء جذوتها، وكيف يفعلون ذلك وهم الذين فجروها!!

لكن تبقى "الحقيقة العارية" التي لم يعد ممكناً ستر عورتها، وهي أنه بين نيسان 2003 ونيسان 2007 أربع سنوات تضاعف خلالها المأزق الأميركي في العراق آلاف المرات، بحيث بات معه من الصعب على الإدارة الأسوأ في تاريخ الولايات المتحدة إيجاد مخرج لسحب قواتها منه بشكل يحفظ ماء وجهها أمام الفوز العظيم لمشروع المقاومة العراقية الباسلة، لأنه لم يبق أمامها غير مخرج الإقرار بالهزيمة والهروب، طال الانتظار، لكن لحظة التحرير قد أزفت، فصبراً، صبراً يا عراق إن الاحتلال في النزع الأخير وإن النصر آت.

الدنمارك - نيسان 2007

kawashmahmoud@hotmail.com

kawashmahmoud@yahoo.co.uk