في الذكرى الرابعة لاحتلال العراق
بقلم: محمد حسن الجبوري
تحت ذريعة اسمها "حرية العراق" والبحث عن أسلحة الدمار الشامل والمحافظة على أمن الجيران، بل الأمن والسلم في العالم على حد زعمهم، وفي التاسع عشر من آذار عام 2003 شنت الإمبريالية العالمية بزعامة أمريكا ومعها حلفاءها من البريطانيين وغيرهم من المنضوين تحت خيمتها وبدفع من الصهيونية العالمية حربها القذرة والغادرة ضد العراق وشعبه المسالم والمحاصر واندفعت جيوش الغزو والعدوان لتدخل بعد ثلاثة أسابيع إلى بغداد عاصمة الرشيد في التاسع من نيسان عام 2003. والآن وبعد مضي أربع سنوات على احتلال بلدنا أخذت تتضح وتتجسد أكثر فأكثر براهين ووقائع جديدة تدل على أن القوى الغازية المحتلة التي افتعلت الحرب وأسبابها وأرادت لها أفظع النتائج وأسوأها ليس على العراق وشعبه فحسب وإنما على المنطقة العربية بأسرها، فالصهيونية العالمية وأميركا ودول الغرب الاستعمارية إضافة إلى أنظمة الردة الرجعية العربية العميلة قد تضامنوا جميعاً في تخطيط إستراتيجية الحرب ضد العراق وفي تنفيذها وقيادة وقائعها ومجرياتها كل حسب ما أنيط به من دور مرسوم له بعناية كما هو واضح منذ بدايتها فان هذه القوى قد خططت لإنجاز جملة أهداف أساسية وعملية من خلالها كفلت الإدارة الأمريكية اليمينية المتصهينة البدء بها والانتقال إلى مراحل أكثر تطوراً وخطورة ً تتمثل في السيطرة على النفط العراقي والإبادة والدمار الشامل والتام للعراق وإنهاء الدولة العراقية بكل مؤسساتها السياسية والعسكرية والاقتصادية وحل الجيش العراقي، وزرع بذور الفتنة الطائفية والعرقية وخلخلة النسيج الاجتماعي والتهيئة للحرب الأهلية ونشر الفوضى لتطال كل مفاصل الحياة. لقد اتسمت الحرب العدوانية منذ تفجر وقائعها بأسس ومنطلقات فسرت وتفسر الآن امتداداتها وكل التطورات اللاحقة التي أعقبتها والتي تحكم استقراء حقيقة أهدافها في الغزو والاحتلال، لقد كان غزو العراق واحتلاله إرادة صهيونية إمبريالية رجعية خططت لها بالتضامن كل القوى الطامعة بثروات العراق والمعادية لمصالح الشعب العراقي والأمة العربية، كما كانت أسباب الغزو والاحتلال حالة مفتعلة لا سند ولا أساس ولا شرعية دولية لها تبررها وكان بالإمكان تجنبها عن طريق المفاوضات والبحث عن الحلول الدبلوماسية لولا تعنت الإدارة الأمريكية التي أصرت على نهجها العدواني ضد العراق وتعطشها للسيطرة على مقدرات الشعوب ونهب ثرواتها الوطنية مدفوعة ً بأفكار اليمين المتصهين المسيطر على مركز القرار فيها، وكذلك بناءً على نصيحة عملائها من عرب الردة والتقارير المفبركة والكاذبة عن أسلحة الدمار الشامل التي قدمها عملاؤها العراقيين والعرب وغيرها من الأباطيل والحجج الواهية، والقوى التي نفذتها إنما أرادت إسـكات النهوض العربي وكتم كل صوت يطالب بحل عادل لقضية العرب المركزية " قضية فلسطين".
كانت الرجعية العربية ممثلة ببعض دول الخليج وعلى رأسها النظام الكويتي ودول عربية أخرى الأداة الرئيسية لافتعالها وتنفيذها بما خلقته من إشكالات وإختلاطات بدعوى تهديد أمنها وحدودها من قبل العراق وطلب الحماية من أميركا ودول أخرى للدفاع عن أراضيها التي ما لبثت أن وضعتها في خدمة دول التحالف العدواني ضد العراق، وقد جرى ذلك بالتنسيق بين هذه الدول وأركان الإدارة الأميركية، هدف آخر أيضاً هو إنهاء القدرة العسكرية العراقية بهدف إبعاد العراق عن الساحة الحقيقية في مواجهة الاستغلال والنهب الإمبريالي والعدوان الصهيوني، لقد كان توقيت الغزو والاحتلال بالتزامن مع تحريك العملاء من الرجعية العربية مجسدة ً بنظم الخليج كما أسلفنا وفي مقدمتها النظام الكويتي التي جسدت وكرست الانقسام العربي عن طريق الاشتراك في الحرب وتقديم التسهيلات لجيوش الغزو إنما أعطى من الدلائل ما يكفي لمعرفة أهدافها والذي يأتي في مقدمتها هدف ضرب قدرة العراق العسكرية وإخراجه من المعركة القومية ضد العدو الصهيوني بغية إعطاء المبرر للأنظمة العربية المتخاذلة للبدء بالتطبيع مع الصهاينة.
إذا كانت هذه هي المنطلقات والأسس التي بنت عليها الإدارة الأمريكية ومعها البريطانية و(إسرائيل) خططها في غزو العراق واحتلاله وأدت من خلال الوقائع والنتائج إلى الوضع المأساوي الخطير الذي وقع على الشعب العراقي والأضرار الناجمة عنه إنما أريد من خلاله تحقيق العديد من الأهداف في مقدمتها:
رهن المنطقة "العراق والجزيرة العربية ودول الخليج" بكل ما فيها من ثروات اقتصادية لمصالح الاحتكارات النفطية العالمية من خلال السيطرة المباشرة على هذه المنطقة والتحكم بعمليات استثمار وتصنيع هذه الثروات وصولاً للتحكم بالحالة الاقتصادية لشعوب العالم أجمع من خلال ذلك، وخلق المناخ السياسي والعملي الكفيل بتهيئة مؤامرة الاستسلام بمشاريعها وتفرعاتها بأصلها الأمريكي - الصهيوني ونسختها العربية المصممة لهذا الغرض تحت غطاء وأدوات عراقية وعربية وصولاً لإيجاد المبررات للأنظمة العربية الحاكمة للانسحاب من تحمل المسؤولية القومية في مسألة الصراع العربي الصهيوني وتوفير الغطاء السياسي والعسكري المناسب لهذه الأنظمة، الأمر الذي يسهم في النهاية إلى إضعاف وتفتيت الجهد القومي للشعب العربي بأجمعه ووضعه أمام خيارات صعبة كما تخطط تلك الأنظمة لذلك وهي التي كانت تزاود وحتى وقت قصير بالقضية الفلسطينية وترفع شعار العداء للإمبريالية و(إسرائيل).
لقد بات واضحاً أن أهداف الغزو والاحتلال لا تقف بتشعباتها وخطورتها عند حد أو مستوى معين والعنوان المركز لفهم مجمل أهدافه هو كون هذا الاحتلال مرحلة في المؤامرة الكبرى على الأمة العربية وعلى المنطقة عامة تبتدئ بالعراق لتصنع منه نموذجاً لما تريده الإمبريالية العالمية للمنطقة مستقبلاً.. ومن هنا فإن وقائع الغزو والاحتلال ونتائجه على الأرض رصدت لتتطور وتصبح أكثر تعقيداً.. إن المرحلة الجديدة من نتائج الغزو والاحتلال تنصب في إطار تهيئة الفرص والمبررات الكافية لتحرك الإمبريالية الأمريكية والصهيونية وإطلاق يدها في المنطقة وهو ما يفسر الآن السلوك العسكري والسياسي الأمريكي الذي يدل بصورة واضحة على أن واشنطن قد أعدت العدة للإبقاء على قواتها وآلتها العسكرية بصورة دائمة في المنطقة وهو ما يهدف إلى السيطرة الثابتة والانتقال بحالة الوجود البحري لها عبر السفن والأساطيل والقواعد المتنقلة إلى حالة الاحتلال المباشر على الأرض وما تعنيه هذه الحالة وتسفر عنه من بناء للقواعد الجوية والمطارات وتشكيل المواقع الأمنية الثابتة كما يجري الآن في العراق ودول الخليج العربية، إضافة إلى توسيع دائرة الدمار والخراب والافناء سياسياً واقتصادياً وبشرياً بحيث يشمل بالتأثير والمدى ليس العراق فحسب وإنما كافة دول المنطقة وبحيث يصبح الحل لجملة المصالح المتشابكة في العراق والمنطقة هو في استبقاء القوات الأمريكية والحليفة كما يدعونها ومنحها كافة الشروط التي تؤمن الغطاء لوجود واستمرار تلك القوات وبطلب من حكام المنطقة أنفسهم، الأمر الذي يمنح الفرصة التاريخية للإمبريالية الأمريكية لتنظيم سيطرتها على منطقة الخليج وإلى الأبد، ثم بروز خطر مستقبلي كبير ومرسوم بعناية قبل بدء الغزو والاحتلال للعراق ومعدة أدواته سلفاً بالتعاون الاستراتيجي والتكتيكي الوثيق بين جميع الجهات المستفيدة من الاحتلال، إنه خطر القضاء على العراق ككيان ونظام ودولة ومؤسسات وتفتيت كيانه وإنهاء وجوده عن طريق العمل على تقسيم أرضه إلى كيانات مصطنعة وإنشاء دول طائفية وعرقية لتكون بؤراً جديدة تزرعها الإمبريالية في أرض العراق العربي وقد تجسد ذلك بطروحات بعض الأطراف العراقية مع الأسف بالدعوة إلى تبني الفيدرالية لتقسيم البلد الواحد تمشياً مع المخطط الصهيوني - الأمريكي لتقسيم العراق والدول العربية الأخرى إلى كانتونات وكيانات هزيلة على أسس طائفية وعرقية بغيضة.
إن أهداف الاحتلال أكبر مما نتصور وكل يوم يمر يظهر جزء من مسلسلها الرهيب، فأمريكا وحلفاؤها يريدون السيطرة الكلية والمباشرة على منابع النفط والثروة العراقية والعربية والصهاينة يريدون تحقيق أحلامهم التوراتية في توسيع دولتهم وتوطين المزيد من المهاجرين اليهود، والرجعية العربية وأنظمة العمالة تريد البقاء على كراسي الحكم المهزوزة ولو على حساب الكرامة والشرف الذي أضاعوه، أما العراقيون فيطالبون برحيل الاحتلال عن أرض العراق العربي الواحد الموحد ولا يرغبون بالحرية والديمقراطية المستوردة التي وعدهم بها بوش وأركان نظامه لأنها جلبت لهم المصائب والويلات والخراب الذي أدخل الخوف والرعب لبيوتهم وأغرق العراق ببحر من الدماء، القتل والخطف والتفجيرات والمفخخات التي تداهم المواطنين غفلة في عتمة الليل ووضح النهار والوضع المعاشي المتردي والمتفاقم لا يستطيعون السيطرة عليه أو تجاهله، ونعمة التحرير الذي يحتفل البعض بها هذه الأيام نتج عنها تدمير البشر والشجر ولوثت الماء والهواء ويتمت الأطفال ورملت النساء في ما يطلق عليه تسمية العراق الجديد... نعم إنه غير العراق القديم الذي دمرت قدراته ونهبت ثرواته وسرقت متاحفه وبيعت مصانعه وقحلت أرضه ويبست مزارعه وبساتينه، العراق الجديد كما يريده الأمريكيون وعملاؤهم المنتفعون نموذجاً يعممونه على المنطقة العربية وركيزة للبدء بتشكيل (الشرق الأوسط الكبير) بعد أن يتم تنفيذ ورسم خرائط (سايس بيكو) جديدة لخدمة أطماعهم وتحقيق حلم (إسرائيل) في إقامة دولتها الكبرى من الفرات إلى النيل وتمكينها من التحكم بمقدرات العرب أجمعين، وبعد ذلك يأتي دور بقية الأقطار العربية الأخرى، ما يجري في العراق الآن يمثل أعلى وأحدث مراحل الاستعمار الجديد، فالغزاة الجدد بعد أن تمكنوا من احتلال العراق حاولوا جهد إمكانهم إيجاد وخلق أحزاب وجماعات مؤيدة للاحتلال ومرحبة به، وبغية إنجاز هذا الأمر عملت آلة الحرب النفسية لتسويغ ما فعلته آلة الحرب العسكرية وإخفاء نشاطها الإجرامي المتمثل في عمليات التدمير الشامل والقتل الجماعي حيث عمد المحتلون إلى إخفائها والتعتيم الكامل عليها. لقد جاهد الاحتلال على خلق حالة من الاسترخاء النفسي العراقي (والعربي) لتدجين النفوس وانتزاع عوامل الكراهية فيها للأمريكان وقد وصل الأمر بالبعض إلى حد تجاهل عشرات الآلاف من أطنان القنابل التي صبتها الآلة العسكرية الأمريكية والبريطانية على بغداد وكل المدن العراقية، واختفاء عشرات القرى والمدن العراقية التي دمرها الغزاة على رؤوس ساكنيها، هذه الفظائع والمجازر كلها ليست ذات أهمية بالنسبة لهؤلاء، المهم هو إشغال الناس بالتفكير بكيفية املاء الفراغ الذي حدث بعد الاحتلال، والمعروف أن الغاية من افتعال ضجة الانتخابات وكتابة الدستور و(إجتثاث البعث) الذي أصدره برايمر كانت لغرض صرف الأنظار عن وجود الاحتلال الأمريكي للبلد، وكذلك تمرير من رشحهم الاحتلال لعضوية ما أسموه بالمجلس النيابي الذي سيعهد إليهم طبعا مهمة إكمال ما عجز المحتلون عن تنفيذه حتى الآن في العراق عن طريق تشريع القوانين وتمريرها كقانون الأقاليم سيء الصيت وما يعد الآن من قوانين لمصادرة الثروة العراقية ونهب المال العام وأحدها هو قانون النفط والغاز المزمع إقراره وتقديمه منحة للاحتلال، وسير الأحداث يؤكد ذلك، حيث من المتوقع أن يوافق أولئك الذين قيمتهم القوى الوطنية العراقية هم من جاءوا على ظهور الدبابات الأمريكية كممثلين للغزاة وصنائع لهم، وأجمعت غالبية الفعاليات السياسية العراقية الرافضة للاحتلال والمقاومة له على أن هؤلاء غير قادرين على التعبير عن المصالح الحقيقية الوطنية والقومية للعراق ولشعبه وأخذوا يعملون على تمزيق البلد وتقطيع أوصاله وتحولوا إلى أداة للتآمر على شعبهم وإيذائه وتأجيج حملات العداء والفرقة والطائفية بين أبنائه، ولم نسمع في التاريخ أن أشخاصا قد سهلوا مهمة المحتلين الغزاة يمكن ان يكونوا مؤهلين لقيادة البلد، فبدلاً من تجسيد وحدة العراق شرعنوا الفيدرالية وأذكوا الطائفية وبدلاً من دعم وإبراز وجه العراق العربي عملوا على عزله عن محيطه العربي وبدلاً من النضال ضد الغزاة المحتلين وتحرير الوطن من نير الاحتلال وطرده والعمل على استقلال البلاد نراهم يجهدون في تكبيله بقوانين ومشاريع تمكن القوات الغازية من البقاء جاثمة على أرض الوطن للأبد، ويطالبون بعدم رحيلها وحتى بعدم جدولة انسحابه من العراق ونراهم قد فاقوا حتى على الأمريكيين أنفسهم في هذا المجال، من يقودون العراق الآن ما هم إلا حفنة من المنتفعين والانتهازيين والعملاء ارتضوا أن يكونوا أدوات للاحتلال الأمريكي كما يشكلون خطرا على العراق وشعب العراق، وبقاؤهم يعني تعميق الطائفية وتهديد مستقبل الاتجاه الوطني القومي التقدمي في العراق وأمركة وصهينة هذا القطر العربي، ويعني أيضاَ إشعال المزيد من الحروب الأهلية والطائفية في العراق.
ها هو جنوب وفراته الأوسط ينتفض ويرد على دعاة الفيدرالية والطائفية والإنعزال حيث فتيان المقاومة أبطال المعاناة والحياة اليومية القاسية التي جلبها الاحتلال، يدافعون ويحمون الأحياء والمناطق، يحمون الأزقة الشوارع والبيوت، ويذودون عن الأهل والسكان بأرواحهم ويبذلون ما استطاعوا من أجل عراقهم الواحد الموحد، هؤلاء لابد لهم ان يكونوا نواة العمل الوطني المقاوم والرافض للاحتلال وأعوانه وهم الأمل المرجى لإيقاف عجلة التردي العراقي وخطط المحتلين الغزاة.
المقاومون المجاهدون هم الذين حجموا قوات الاحتلال وأذاقوها كأس الهزيمة والهوان وأذلوا أسلحته المهانة والمقاومون هم الذين سيعاقبون السياسيين المارقين المرتدين الذين باعوا أنفسهم للشيطان وارتضوا لأنفسهم أن يكونوا مطايا وعبيد للغزو والاحتلال.
إننا نرى المقاومون الشجعان وقد أخذوا يوحدون جهودهم في جبهة مقاومة عراقية واحدة لطرد الاحتلال وأعوانه الذين جاءوا على ظهور دباباته، فنحن على يقين من أن النصـر حليف المقاومة وقد لا حت بوادره في الأفق، فالنصر للشـعوب دومـاً والاندحار لقوى الغزو والاحتلال البغيض.
والنصر الأكيد للمقاومة العراقية البطلة وكل المجاهدين على أرض الرافدين والمجد والخلود للشهداء الأبرار الذين جادوا بأنفسهم من أجل الشعب والوطن، والخزي والعار لعملاء الاحتلال وخدمه بائعي الوطن والمفرطين بمصلحة الشعب والأمة.