انتبهوا أيها السادة

محمد علي الحلبي - سورية

حكايا الزمن المعاصر فاقت كل الحكايا القديمة في شطحاتها، وتفوقت عليها جميعها فهي نادرة من النوادر. قديماً يوم كان الرواة وكانت الليالي الشهرزادية وعلى الرغم من تشبع روايتهم بالخيالات والأماني والأحلام إلا أنها كانت تترك في النفس والوجدان متعة لبساطتها وقيمها، لكن في حكاية اليوم نجد أن الأمور قد تغيرت رأساً على عقب، وهذه الشقلبة واقعية حقيقية بكل تفاصيلها ودقائقها، والخيال لا يداخلها لكنها وبكليتها بعيدة البعد كله عن المنطق، والرواية هنا لـ "كين روجرت" أستاذ الاقتصاد بجامعة هارفارد يحكي كيف تسيّل وتسّير وتتدفق الأموال من الدول النامية الفقيرة إلى أغنى بلد في العالم (أمريكا) وذلك عكس ما تتوقعه كل النظريات الاقتصادية لأن الفقراء يرغبون في تمويل العجوز الأمريكية الضخمة فيشترون سندات على الخزانة الأمريكية وقد راكمت دولهم فائضاً بمبلغ 500 مليار دولار عام 2005وأستاذ الاقتصاد يعتبر ذلك أكبر برنامج مساعدات أجنبية في العالم.

وفي شرح مركز للأزمة الاقتصادية المالية يقول الدكتور"إيكارت فويرتز"نائب رئيس مؤسسة "سي أن سي" للأوراق المالية ومقرها دبي، وفي دراسة له تحت عنوان(دور الذهب في العملة الموحدة لدول مجلس التعاون الخليجي) يقول: إن ديون الولايات المتحدة المتراكمة خلال العقود الأخيرة تصل إلى مستويات يستعصي معها تسدديها بشكل فعلي إذ أنها أمام خيارين!إما أن تتخلف عن تسديد ديونها أو تصبح بارتفاع نسبة التضخم – والتضخم الذي قصده طباعة الدولار الورقي بدون تغطية ذهبية، ذلك بدأ عام 1970 ومازال مستمرا ومتزايدا - إلى حد يصبح معه من غير الممكن تسديدها وبالتالي فإن حالة الوهن التي تلازم النمو الاقتصادي في العالم والمعتمدة أساساً على استمرار حالة العجز أو حسابات الإنفاق الأمريكي من شأنهما أن يتسببا في خلق أزمة خطيرة تؤثر في النظم الاقتصادية خلال السنوات القليلة المقبلة.

إذاً الإفلاس بدأ يضرب أطنابه، وبدأت قواعده تتركز في أركان الدولة العظمى، وتترسخ ولم يبق إلا موعد الإعلان عنه بعد الإصرار على مضاعفة المديونية، وأتوقف قليلا ًويستوقفني رواد الكلمة العربية بحكمهم ونظراتهم الصائبة، وغريب أن نقرأ لابن العراق جعفر الحلي من أهل الحلة1860-1897وأعتقد بأن الله جلت قدرته كشف عن بصيرته قبل قرن ونيف ليرى إبداع وتورط القائد الأعلى للجيوش التي احتلت بلده فيقول:

منفق لو كنوز قارون يحوي / ما تخطى عن خطة الإفلاس

لكن الشاعر الإمام الشويكاني1760-1834من كبار علماء البحث ومن أهل صنعاء يبين تماثل الإفلاس في العقل مع نظيره الإفلاس المادي وكأنه ينبه إلى الخوف من اجتماع وتلاحم الإفلاسيين سوية فيقول:

إن أفلس الذهن فقسه على / من أثقل الديّن إذا أفلسا

والحل لنوعي الإفلاس يجده ويصفه أبو الهدى الصيادي 1849 – 1909 وهو من أهل خان شيحون في حلب سوريا والمعروف عنه والمشهور بهما ظرفه وتصوفه يقول في الشطر الثاني لبيت له:

إن التمني رأس المال المفلس

فالكارثة واقعة تسرّع الإدارة الأمريكية بوقوعها، وتزرع الطريق إليها أحلاماً كاذبة وأمنيات بالنصر والانتصار، وبضرورة الصبر أياماً بل سنين من أجل تمنٍٍّ لن يتحقق بل كارثة قد تكون عالمية ستقع والأكيد أنها لن تنتظر عقودا، ومثل هذه الحالة فالإفلاس الذهني يعجل بحتمية إفلاسها المالي، وهذا الأخير بدوره يزيد من التخبط والضياع وانعدام القدرة وإفلاسها، وتسمى حالته بالذهان، ووفق رأي السيوطي في كتابه"نظم العقبان في أعيان الأعيان" يقول:

فليس يصح في الذهان شيء / إذا احتاج النهار إلى دليل

وتفاقم هذه الحالة يسمى صاحبها في شرح المعجم "المحيط في اللغة" رجل مذهون وقد ذهن:أي فاته الذهن والعقل، ويدخل في مرحلة ما يسمى بالفترة وهي الانكسار والضعف ويفتر جسمه فتلين مفاصله وتضعف، ذلك هو التشخيص لهذه الحالة المرضية بإجماع أهل الرأي.

ما قلته عن الإفلاس الأمريكي، بل وحتميته وليد دراسات عديدة لمفكرين ومختصين وباحثين في الاقتصاد وعلومه ومناهجه، والمعروف أن الدراسات الاقتصادية تكتسب علميتها ودقتها من الأرقام الإحصائية الواردة فيها والتي تعتبر ثوابت تحليلية مرشدة للنتائج المستخلصة منها، فالخبير الاقتصادي الأمريكي "آلان فرام" وفي يوم 18 تشرين الثاني/نوفمبر 2004 قال في تصريح له: "أن الدين الأمريكي يتزايد دائماً وباستمرار عما كان عليه لكنه تسارع خاصة حين تسلم الرئيس بوش الابن زمام الرئاسة عام 2001" واستثنى من كل المراحل القديمة فترة ولاية الرئيس كلينتون إذ تحقق خلالها فائض قدره 223 مليار دولار في أواخر عهده.

والباحث العربي علي حسن باكير وفي دراسة له في مجلة ا لبيان يوضح الصورة القاتمة للاقتصاد الأمريكي متحدثاً عن الدين الإجمالي والدين الفيدرالي (الاتحادي)، والعجوز التجارية المتنامية، ومن ثم التبعات المالية المتزايدة والضغوط على الناتج القومي من خلال تصاعد خدمات القروض، ويصل إلى نتيجة أن الانهيار والإفلاس الأمريكيين قادمان والمسألة مسألة وقت، وبتفصيل شامل بين أن الدين الأمريكي يقترب من 65 تريليون دولار بينما الدين الفيدرالي ارتفع في عقد الثمانينات بشكل كبير وذلك بسبب العجز في الموازنات السنوية الفيدرالية، وفي تسعينات القرن الماضي تباطأ خاصة زمن كلينتون، بل توفر فائض في الموازنة عام 2000 ومنذ عام 2001 بدأ الدين العام الفيدرالي يرتفع بشكل حاد زمن الرئيس بوش فأصبح العجز في الميزانية 412 مليار دولار عام 2004 وفي عام 2005 بلغ مجموع الدين الفيدرالي 7.9 تريليون دولار، وفي عام 2006 ارتفع إلى 8 تريلون و198 مليار دولار وبذا تصبح حصة المواطن الأمريكي من الدين 27.475 دولار، كما ارتفعت الفوائد المترتبة على مبالغ الدين من 214 مليار دولار في السنة عام 1988 إلى 318 مليار دولار عام 2003، وبلغ مجموع الفوائد المترتبة على هذه الديون 5 تريليون دولار وهي تكفي لتغطية الضمان الاجتماعي لمدة 10 سنوات والصحي لمدة 20 سنة.

 

والجهات المقرضة للإدارة الأمريكية:

- صناديق الائتمان الحكومية والصندوق التقاعدي، وحجم قروضها 3.3 تريليون دولار، والديون المملوكة من قبل الجمهور تبلغ 4.6 تريليون دولار، ومصطلح الجمهور يضم الدول الخارجية التي تمتلك 44% من هذا الدين، وتأتي في مقدمتهم اليابان 1.2 تريليون دولار حتى عام 2005، ثم الصين 223.5 مليار.

وعن التجارة الخارجية فأمريكا تستورد أكثر مما تصدر مما جعلها تقع تحت عجز ميزانها التجاري، والعجز بدأ من عام 1971 ووصل في عام 2005 ووفق إحصاءات رسمية أمريكية 723.616 مليار دولار بزيادة 25% عن العجز المتحقق عام 2004، وبالمقابل فاليابان وألمانيا حققتا فائضاً تجارياً بمبلغ 125 مليار 199 مليار على التوالي كان ذلك في عام 2004، والفوائد الهائلة التي يزداد تراكمها خدمة للدين العام عولجت بخطأ أكبر فمنذ عام 1970 بدأت الإدارة بطبع الدولار الورقي الذي لا غطاء له، وشراء ما يتم استيراده بأوراق لا يغطيها الذهب أو الإنتاج المتطور لذا عمدت إلى بيع الدول الأجنبية سندات على الخزينة بضغط سياسي، والضغط يتجاوز مسألة السندات ليصبح ملزماً لبعض الدول التابعة لشراء الأسلحة ناهيك عن نصب الأفخاخ لنهب الثروات النفطية، وخير دليل ما يطرح اليوم في العراق على شكل مشروع قانون لاستثمار النفط وتطوير آباره المنتجة حالياً وبذا يفسح المجال أمام شركات دولة الاحتلال للسيطرة على هذه الثروة ونهب ما بوسعها نهبه منها تحت مسميات عدة بعد أن أمم استثمار النفط سابقاً وعادت جميع مداخيله إلى الشعب العراقي.

وفي تشخيص للحالة غير السوية للاقتصاد الأمريكي يقول د. محمد إبراهيم الرميثي في "وجهات نظر" مقدماً لتعريف الناتج المحلي الإجمالي لأية دولة الذي يعتبر مجمع الجهاز العصبي ومرآة تعكس النمو الاقتصادي الحقيقي، ويكمل دراسته معتمداً إحصائيات صندوق النقد الدولي مبيناً معدلات النمو السنوية للناتج المحلي الإجمالي وبمقارنة بين الدول التي يطلق عليها اسم دول المقدمة، ففي أمريكا، وفي عام 2001 بلغ المعدل 0.3% مقارنة بحوالي 1% في الدول الصناعية مجتمعة، وبحوالي 1.5% في منطقة اليورو و2.1% في بريطانيا، وحوالي 3.1% في كوريا، وحوالي 7.5 في الصين، وحوالي 4.2 في الهند، وحوالي 5.8 في دول آسيا الصناعية مجتمعة وبنظرة سريعة تأتي في المقدمة الصين وفي نهاية السلسلة أمريكا.

وعن البطالة المقارنة نسبياً بقوة العمل وليس كنسبة من إجمالي عدد السكان فقد بلغ هذا المعدل في الولايات المتحدة في عام 2001 حوالي 4.8% مقارنة بحوالي 5.9% في الدول الصناعية المتقدمة مجتمعة ما لبث أن نما إلى حوالي 5.8 في الولايات المتحدة في عام 2002 مقارنة بحوالي 6.4 في الدول الصناعية المتقدمة، ويكمل الباحث دراسته مشملاً لها تنامي العجز المزمن في الموازنة العامة لأمريكا والذي يتم تمويل نسبة كبيرة بطباعة نقود ورقية لا يقابلها غطاء نقدي من الذهب والفضة، ويعلل ذلك بتنامي الإنفاق العام وعدم تناسبه مع الموارد المالية للدولة يضاف إلى ذلك الزيادات المستمرة والعجز المزمن أيضاً في الميزان التجاري، ورغم كل الجهود والضغوط السياسية على بلدان الشراء فأرقام استيرادهم أعلى من أرقام التصدير، وقد دفع ذلك بالسلطات النقدية إلى تخفيض قيمة الدولار زيادة عن الهبوط في قيمته الناجمة عن العوامل التي ذكرناها، وكانت الغاية من ذلك تنشيط الصادرات في محاولات لخفض رقم العجز التجاري والخلاصة المستنتجة أن الاقتصاد الأمريكي دخل في نطاق الحلقة الجهنمية أو لنقل بين فكي كماشة، فإما أن يتابع قياديوه إصدار العملات الورقية بدون غطاء لتغطية النفقات المتمادية والتي زادت بعد حروبها الأخيرة لا سيما في العراق، ومداولات والمناقشات في مجلس الشيوخ والنواب تشير بوضوح إلى ذلك، والاستمرار في الإصدار الورقي يشكل ضغوطاً تضخيمية تؤدي إلى خلل في كل الظروف الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والنتائج العاجلة لهذه السياسة زيادة البطالة وارتفاع الأسعار، وتلك المؤشرات التي تسبق الانهيار، والحل الثاني لتغطية الإنفاق يكون عن طريق رفع نسبة الضرائب والتي يقدر نسبتها الضرورية أستاذ الأنثروبولوجيا في مركز الدراسات العليا لجامعة نيويورك بزيادة فورية مقدارها 78% على الضرائب الفيدرالية لتتمكن من تغطية العجز في خزينة الدولة، والأخذ بهذا الرأي سيضيف صعوبات جلى أمام عمليات التصدير للزيادة في قيمة منتجاتها بعد رفع الضرائب والرسوم، ومن ثم إلى عجوز أكبر في الميزان التجاري ومن ثم الانهيار، والإدارة الحالية تسير باتجاه تخفيضها وزيادة طبع العملة الورقية.

 

          إنه التضخم الاقتصادي ومن أسوأ أنواعه التضخم النقدي أي الإفراط في خلق الأرصدة النقدية، وكل التضخمات تؤدي إلى زيادة حجم الطلب النقدي يصاحبه عرض ثابت من السلع والخدمات مما يؤدي إلى رفع الأسعار، ويؤدي إلى عدم التوازن بين الادخار والاستثمار، بحيث ينخفض الاستثمار وتقل العمالة وتكثر البطالة ويقل الدخل، ويميل الناس إلى الاكتناز ويتراكم المخزون لدى أرباب العمل، ولأن هذا الواقع لدى دولة عظمى عملتها سائدة في جميع أنحاء العالم فالخطر على اقتصاديات العالم وعملاته أكبر من أن يوصف أو يحدد، بهذا يقول الكاتب(مارتن وولف) وينبه العالم إلى قيام الحكومة الأمريكية بالمغامرة بالاحتياطي العالمي مما يسبب حسب رأي الخبراء ليس فقط في انهيار الاقتصاد الأمريكي بل والعالمي أيضاً، وفي مقال له نشر في "الفايننشال تايمز" يدق ناقوس الخطر ثانية وحتمية الخراب ويقول: "إن الولايات المتحدة الأمريكية تعبر حالياً في الممر المريح نحو الخراب"، والمضارب الأمريكي جورج سورس اليهودي ومن أصل هنغاري والذي اعترف بالتسبب في أزمة النمور الآسيوية وما أصاب اقتصادياتها من خلل هو المطالب بل والمساهم في الرسم لاستراتيجيات أمريكا لقربه من مواقع القرارات العليا فهو ينادي بتطوير القدرات التكنولوجية العسكرية لتكريس زعامة الولايات المتحدة، وأن تكون علاقاتها في الاتجاه الذي يخدم مصالحها حتى ولو أدى ذلك إلى تغييرات استراتيجية واسعة النطاق.

إذاً فالمصالح فوق أية اعتبارات إنسانية وجميع الطرق غير الأخلاقية مباحة لها، وهو ذاته وفي رد له على سؤال وجه له في المنتدى الاقتصادي في جدة حول مستقبل الدولار الأمريكي في الاقتصاد العالمي فأجاب: "أنه في حال حدوث تدهور كبير في قيمة العملة الأمريكية فسيؤثر ذلك في استقرار السوق العالمية".

 

نواقيس الخطر تقرع مجلجلة في أنحاء العالم منبهة إلى خطر داهم وقادم لا محالة فكل الآراء والدراسات والأرقام ومعطياتها تشير وتؤكد ذلك، ونحن في عالمنا العربي بشكل عام وفي دول النفط بشكل خاص وجميعها تربط عملاتها المحلية بالدولار إلا سوريا وقد غيرت الرابط إلى اليورو في تعاملاتها التجارية وإيداعاتها النقدية، أصبح لزاما عليها كلها الانتباه إلى هذه التحولات والعمل على إيجاد الحلول السريعة لها.

هذا لا يعني أن سوريا انفردت عن جميع بلدان العالم لكن نفس الإجراء اتخذته إيران وعدد من الدول في أمريكا اللاتينية، وفي هذا الصدد ذاته يقول مدير صندوق النقد العالمي (رودريغو دي رانو) أن المصارف الأمريكية بدأت تسحب دعمها للدولار بعدما طبعت كميات هائلة منه، ولإيجاد الحل يعمد الإفلاس الذهني والإجرامي ليرى من خلاله بول وولفوفيتز المحافظ المتشدد مدير البنك الدولي حالياً وكان قبلا ًمعاوناً لوزير الدفاع الحل بقوله: "ليس لدينا من خيار من الحرب على العراق، إنه يعوم على بحر من النفط"!! كان سباقاً للرئيس بوش في تحديد تفاصيل الاستراتيجية الأمريكية الباحثة عن المصالح ولا شيء غيرها.

ولإلقاء نظرة على الواقع العربي ومشاكله الناجمة عن خلل في تركيب بنيانه النقدي تنشر جريدة "الاتحاد" الإماراتية في عددها 23 كانون الثاني 2007 مقالاً اقتصادياً تتحدث فيه عن علاقة الدرهم الإماراتي وربما العملات الخليجية جميعها بالدولار الأمريكي لتعيد مجدداً ما يطرح على جميع المستويات حول خطورة هذا الربط مبينة أزمة الدرهم التي سيواجهها خلال المرحلة المقبلة بعد أن سجل تراجعاً أمام العملات العالمية ومنها الجنيه الإسترليني واليورو، وإلى الانخفاض الآلي المباشر في قيمة الدرهم في حال انخفاض قيمة الدولار، ويبين الكاتب إلى أن واردات الإمارات من السوق الأمريكية تزايدت في العام الماضي بنسبة 50% تقريباً إلى نحو 45 مليار بينما لم تتجاوز صادراتها إلى السوق الأمريكية 6 مليارات درهم فقط.

وجريدة "الشرق" القطرية وفي عددها بتاريخ 30 آذار 2007 تتحدث في دراسة لها تبين أن ازدياد تكاليف المعيشة في الخليج العربي بمعدل مرة ونصف المرة عن متوسط الرواتب يلقي بعض المهتمين بالتضخم، وخبراء اقتصاديون جزءاً من اللائمة في ازدياد تكاليف المعيشة على المصارف المركزية المحلية باعتبارها تتبع خطوات المصرف الفيدرالي الأمريكي سواء كانت تناسب المنطقة أولا تناسبها، ومحلل اقتصادي مقتصراً حديثه على النفط السعودي وفي موقع"بوابة العرب"يكتب محذراً ومنبهاً إلى أنه في حالة انخفاض الدولار يكون من الأفضل من الناحية الاقتصادية النظرية البحتة تسعير النفط بسلة عملات متحركة مع إدارة يومية ومستمرة لهذه السلة من قبل مؤسسة النقد العربي السعودي ووفق هامش محدد وتسمى بسلة عملات غير قابلة للثقب لأن انخفاض الدولار سيقابل بارتفاع اليورو في السلة، وهكذا باقي العملات.

وخطورة أخرى تتبدى في الأفق فالتقارير الاقتصادية تشير إلى أن حجم استثمارات السعوديين في الخارج يتجاوز750مليار دولار منها 30% في دول أوروبية و10% في دول متفرقة والستون في المائة الباقية في أمريكا، وهي مؤثرة بالتأكيد على الاقتصاد الأمريكي إلا أنها ومن المؤسف حقاً أنها استثمارات (غير عملية)- والرأي هنا لكاتب الدراسة على موقع يوميات العرب-فأغلب رؤوس الأموال السعودية المهاجرة تجدها في البنوك وأسواق المال وغيرها من المجالات التي قد تحقق ربحاً وافراً إلا أنه قصير المدى والسؤال لماذا لم يتجه المستثمر في الخارج إلى مجالات الصناعة والتكنولوجيا والإعلام والبحث العلمي التي تحقق أرباحاً بعيدة المدى وتمنح أصحابها مفاتيح النهضة والتقدم؟!...... يجيب الكاتب موضحا مجالات الاستثمارات الذكية حيث اتجهت رؤوس الأموال الصهيونية في الغرب فهي وإن هاجرت ونجحت فخيرها يعم على دولتها المزعومة وقضاياها الجائرة، والأمر إذاً يتجاوز نقل الأموال من هنا وهناك إلى رؤى استثمارية شاملة لها أبعادها، وفي رأينا "أن الاستثمارات العربية الذكية" مجالها ومرتع عبقرياتها الوطن العربي ففيه الضمانة وفيه الريعية المثلى، وفيه عوامل التكامل الاقتصادي العربي، وخلق القوة المالية لابد أن تلحق بها جميع القوى الاجتماعية والعسكرية ففي ذلك خروج من النفق المظلم الذي تعيش فيه هذه الأمة لهجرة ثرواتها المالية وحتى البشرية العلمية، وللإنصاف والموضوعية فهناك أسباب عربية داخلية نابذة للرأسمال العربي وليست جاذبة له وتتلخص بأن التسهيلات الموجودة في الغرب لا تتوفر في الأقطار العربية، والبيروقراطية الرهيبة المهيمنة على كل حراك في الوطن كبر أم صغر إضافة إلى الفساد الموجود والذي يجعل الخوف متأصلا ًلدى المستثمر العربي من مشاركة المتنفذين له في أمواله وإلا تم الحجر عليها.

والنتائج الواقعية لكل ما مر أجراس للخطر تقرع.... عجوز متنامية في موازنات الأمريكية وفي ميزانها التجاري المزيد من طبع لعملات بلا غطاء لها، والإفلاس القريب لهذا القطب يتوقعه الكثيرون من رواد الفكر الاقتصادي مقابل آراء محلية عربية تراوح مكانها في الوطن العربي موضحة وعن سوء أو حسن نية محاسن ربط العملات العربية بالدولار بينما أصوات تتعالى في كل الأرجاء منبهة للخطر القادم وإلى ضرورة ربط العملات المحلية بسلة عملات تجنبها الدمار والضياع.

إن بقاء الأوضاع على ما هي يعني أن هبوط قيمة الدولار سواء أكان ناجماً عن عوامل اقتصادية بحتة أو بفعل قرارات بهدف إنعاش الصادرات سيؤثر أولا ًعلى مداخيل الدول النفطية التي ستخسر من المبالغ المدفوعة لها بالدولار العملة الوحيدة لسعره نسبة تعادل هبوط سعره، وفي عام 2004 هبطت قيمته 14% عن أسعاره السابقة، هذا يعني أن المداخيل النفطية هبطت بذات النسبة، وبحسبة بسيطة ووفق رأي ودراسة نشرت في جريدة "الاقتصادية" العربية في 30/3/2007 تشير إلى أن دول مجلس التعاون الخليجي الست ارتفعت إيراداتها من 100 مليار دولار في عام 2002 إلى 325 مليار دولار نهاية عام 2006 على خلفية زيادة أسعار النفط، وإذا حذفنا من المبلغ الأخير نسبة 14% هبوط قيمة الدولار إن لم يزدد أكثر كان ذلك يعني أن 45.5 مليار دولار ضاعت جراء تسعير النفط بالدولار، وقد كسبها مستوردو النفط وفي طليعتهم الولايات المتحدة الأمريكية حيث حصلت على هبة تتجاوز 25 مليار دولار حتماً لأنها المستورد الأكبر للنفط العربي، وبحسبة بسيطة فهذا المبلغ وعلى افتراض أن الفقير العربي يحتاج ليقيم أوده إلى 4 دولارات باليوم هو بحاجة إلى 1460 دولار سنوياً، وبقسمة مبلغ الخسارة 45.5 مليار على رقم الحاجة نجد أن أكثر من 31 مليون عربي جائع - وهم كثر في أرجاء الوطن العربي - سيمتنعون عن مدّ أيدي الحاجة وحتماً وفي المستقبل العاجل سينضم العديد منهم إلى الفئات المنتجة.

إنها عملية اقتصادية بحتة لكنها تحوي قيمة إنسانية

إنها الأخطار والزوابع العاتية المحيطة بنا وبالعالم إن بقينا مستسلمين للأوهام وللإملاءات والضغوط السياسية، والمقاومة الاقتصادية هنا تعادل المقاومة المسلحة إن أحسن استخدام أدواتها وتنهيجها.

إن ربط عملاتنا بسلة عملات وتدعيم احتياطياتها الذهبية، والسعودية وكما هو معروف فاحتياطياتها ومدخراتها بعملتها المحلية الريال مغطاة بالذهب والغطاء الذهبي يحد من آثار الصدمات والكوارث التي بدأت، ومؤتمر سيعقد لمحافظي البنوك المركزية في دول الخليج هذا الشهر نتمنى عليهم باسم العروبة والمصالح أن يجدوا حلاً لما سيأتي ولابد لهم من أن يدعموا بقرار سياسي يعطيهم الحرية في إبداع الحلول المتوائمة مع الواقعين الاقتصادي المحلي والعالمي ومع الوقائع السياسية لكن يبقى الهدف الحفاظ على مصالح الشعب العربي.

لربما تناول الحديث دول الخليج العربي ولم نتعرض لباقي الأقطار لكن الكارثة ستصيبها جميعاً وسيصاب الأغنى منها أكثر.

وباحث اقتصادي عربي ينبه إلى خطر إضافي جديد ويبين أن الكلفة الشهرية للحرب على العراق 6 مليار دولار، وإعصار كاترينا كلف الولايات المتحدة حوالي 130 مليار دولار، والأزمات تتفاقم وبنتيجتها تتزايد الصراعات وليكن الجميع على ثقة بأن أي مشاكل كبيرة قد تحصل بين أي دولة من الدول التي تستثمر في أمريكا أو أوروبا تستدعي سؤالا يطرحه ماذا سوف تكون النتائج؟!.... سوف تصادر أموالها ويستولي عليها وتجمدها إلى مالا نهاية، ولن تراها مرة أخرى إلا بعد إذلال ومهانة أكبر وتنازلات أكبر، ويخلص إلى القول نحن الخاسرون في البداية والنهاية.

 

نداء يوجهه جميع المؤمنين بمعتقدهم الديني وبأمتهم وبأوطانهم أن يعمد المسؤولون إلى فك تدريجي لربط عملاتهم بالدولار، وإلى سحب موازٍ للأموال والاستثمارات المودعة في أسواق المال وتثميرها في الأرض العربية الخصبة المعطاءة المتمنية أن ترى الصناعات والزراعات والتقنيات لتعيد لها الروح مجدداً، وتسهم في الحضارة الإنسانية، ونداء آخر إلى المحتاجين للتنمية والكل محتاج لها..... ابدؤوا ومنذ اليوم بوضع الدراسات والتسهيلات وإيقاف الفساد، وتحصين الرساميل العربية لتعود لكم وإليكم حاملة معها بشرى غد مشرق تتمنونه ونتمناه جميعنا.

ودعاء من القلب لله جلت قدرته أن يرشد الجميع إلى صوابهم، وصوابهم في تنمية هذا الوطن وهو قمة التحدي للاستراتيجيات الاستعمارية والصهيونية المعادية ودون ذلك صعاب ومتاعب ونضالات لابد من تحملها.

هذا النداء ليس الأول فلقد سبقني الكثيرون وأتمنى أن أكون الأخير فانتبهوا أيها السادة.