الشرق الأوسط وإمبراطورية أمريكا

منظومة القوى الصهيونية *

من هو ذاك الشيطان المارد الذي ظل دهره يتوارى وراء ستار، وامتطى اليوم صهوة الاستكبار العالمي، وتشبث بلجامه وقبض على زمامه وشدد عليه الخناق وراح يوجهه الوجهة التي يشاء ويسوق الناس بالعصا، ويصنفهم حسب هواه الى محاور من الأطهار البررة، وأخرى من الأشرار المجرمين الكفرة، ويؤلب الدنيا على الجهة الفلانية، ويحشد العالم ضد الفئة العلانية التي يدمغها بكل آثام الأنام على مشتهاه ويوقد الحروب هنا وهناك، ثم يجلس ليتلذذ وليعد العدة لهجمة استعلاء جديدة أشد غطرسة يدوس في حمأتها كل القيم وينتهك كل الحقوق ويتعدى على كل المقدسات؟

في هذه المقالة يتصدى البروفيسور جيمس بيتراس*، وهو أستاذ جامعي من أرباب الفكر والقلم، الثوار، على طريقتهم الخاصة، للإجابة عن هذا السؤال المهم عساه يميط اللثام عن الزمرة التي يطلق عليها اسم منظومة القوى الصهيونية الطاغية، ويصفها بأنها هي القوة الكبرى الفاعلة المقتدرة التي تحرك هذا التنين المخيف الذي يوشك أن يبسط سطوته على مشارق الأرض ومغاربها بما يحاول بثه من رعب وإرهاب يخيف به الشعوب والأمم بعد أن أرعب به الأنظمة حتى توافدت إليه خاشعة ضارعة، وها هو يدق طبول الحرب لضرب إيران.

 

الولايات المتحدة تستند إلى 4 محاور لفرض هيمنتها على المنطقة

جيمس بيتراس *

ترجمة: كمال حسين البيطار

لن يتسنى استيعاب أبعاد السياسة الامبريالية الأمريكية في الشرق الأوسط وفهم بواعثها ومنطلقاتها وغاياتها سوى بالقيام بتحليل تشخيص متأن يتمحور حول نقاط أربع.

1 - قوة ونفوذ "إسرائيل" ومنظومة الجبروت الصهيوني بكامل عناصرها التي تشكل إخطبوطا تطوق أذرعه المؤسسات السياسية الأمريكية (الكونجرس والفرع التنفيذي، والإعلام الجماهيري، والحزبان السياسيان الرئيسيان، والآليات والعمليات الانتخابية)، وتمارس نفوذها وسطوتها الاقتصادية على المؤسسات المالية والاستثمارية (صناديق تقاعد ومعاشات الدولة والاتحادات والنقابات التجارية، وبنوك الاستثمار)، وتخيم هيمنتها الثقافية على الصحف والمجلات، والأفلام والفنون بشتى ألوانها. وتتضافر قوى الصهيونية السياسية والاقتصادية والثقافية لتحقيق الغاية الكبرى، ألا وهي مؤازرة وتعزيز توسع "إسرائيل" العسكري والسياسي وبسط المزيد من الهيمنة الاقتصادية الطاغية في إرجاء الشرق الأوسط، حتى لو تضارب هذا التوجه مع المصالح الامبريالية الأمريكية الأخرى.

2 - القدرة الهائلة للإمبراطورية الأمريكية على إقامة دول شرق أوسطية تدور في فلكها، ومن ثم اتخاذ هذه الأنظمة كأدوات تستخدم لتنفيذ سياسات ومآرب الولايات المتحدة، وإنشاء قوات مرتزقة لتنفيذ السياسات الأمريكية، ولربما اشتملت أهم الأدوات الحالية وأكثرها خطورة على النظام المنصب في بغداد، ونظام كردستان العراق، و"منظمة مجاهدي خلق"، والزعامات العشائرية التي ترتضي مصانعة أمريكا وموالاتها، إضافة إلى "النظام" الصومالي الجديد المدعوم من قوات مرتزقة أثيوبية وأوغندية.

3 - التحالف مع دول في المنطقة تؤمن القواعد العسكرية والدعم الاستخباراتي والسياسي للاحتلال في العراق، ومساندة خطة تقسيم العراق ومناصرة خطط حصار ايران وفرض عقوبات عليها، بل وشن الحرب عليها إذا لزم الأمر، ومحاربة حركات المقاومة في فلسطين والعراق، وما أمر (حماس) ومع ما تتعرض له من حصار عنا ببعيد.

4 - القدرة على احتواء وقمع وتحجيم معارضة أغلبية الرأي العام الأمريكي، وأقلية في الكونجرس للحرب الدائرة الآن في العراق ولحرب قد تشن مستقبلاً على إيران، والمعضلة المحورية بالنسبة للامبريالية الأمريكية تتمثل في التشكيك بالمدنيين  ذوي الاتجاه العسكري في البيت الأبيض وإضعاف الثقة بهم ولجم نزعتهم المتزايدة إلى اللجوء "مغامرات" سياسية جديدة و"استفزازات" لاسترداد الدعم ولاستجماع السلطات والصلاحيات الديكتاتورية وتركيزها في مكتب الرئيس.

وهذه "القوى الموجهة" لسياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط تجابه تحديات متزايدة من الداخل والخارج، كما أنها تعاني من تناقضات حادة، وتتهددها احتمالات الإخفاق، ومع ذلك فـ"آلة" القوة الامبريالية ما زالت نشطة تعمل وتصوغ طبيعة السياسة الأمريكية الشرق أوسطية.

 

القسم الأول

"القوى الموجهة" لجبروت الولايات المتحدة في "الشرق الأوسط": منظومة القوى "الاسرائيلية" الصهيونية.

لأول مرة في تاريخ الإمبراطوريات التي تتغلف فتبسط هيمنتها على العالم تتمكن أقلية عرقية  دينية ضئيلة العدد لا تشكل سوى أقل من 2% من عدد السكان من رسم كل تصورات ومحاور سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، بخطوطها العريضة وبتفاصيلها، وذلك لخدمة المصالح الاستعمارية لبلد أجنبي هو "اسرائيل"، التي تكون أقل من 1% من مجموع سكان "الشرق الأوسط"، وتستطيع منظومة القوى الصهيونية المهيمنة في الولايات المتحدة التي تضم في صفوفها مئات الألوف من النشطاء المتعصبين المنبثين في إرجاء البلاد، حشد وتعبئة وتجنيد 98% من أعضاء الكونجرس الأمريكي وضمان مناصرتهم لأي تشريع يحابي "إسرائيل"، حتى وان كانت موافقتهم تجحف بحق شركات نفط أمريكية كبرى متعددة الجنسيات. وعلى سبيل المثال، تصوغ "ايباك" (اللجنة الأمريكية  "الاسرائيلية" للشؤون السياسية) التي يزيد عدد أعضائها على مائة ألف عضو ويعمل معها بنظام التفرغ والدوام الكامل مائة عميل وتذبح كل عام أكثر من 100 نص تشريعي في الكونجرس لها تأثير بالغ في التجارة الأمريكية، والعون العسكري وسياسة الحظر وسياسات العقوبات التي تصب في مصلحة "إسرائيل". ففي مارس/ آذار من عام 2007 حضر زعماء الحزبين السياسيين كليهما، وزعماء وأعضاء الكونجرس ومجلس الشيوخ، وما يزيد على 50% من إجمالي أعضاء الكونجرس أحدث مؤتمر عقدته "ايباك" في واشنطن مؤخرا وتعاهدوا على الإخلاص لـ"دولة إسرائيل" والولاء لها. حدث هذا كله على الرغم من حقيقة أن اثنين من زعماء "ايباك" يخضعان حالياً للمحاكمة لتجسسهما لمصلحة "إسرائيل" ويواجهان عقوبة تصل غالى 20 سنة في السجن.

 

"ايباك" جرم ضئيل ليس إلا

وقد يعجب بعض القراء غير المطلعين من أن "إيباك" بكل سطوتها وجبروتها وما تنهض به من دور وتقوم به من مهام ما هي إلا جرم تابع صغير يدور في فلك منظومة القوى الصهيونية التي تضم حشدا كبيرا من أمثال مجموعة "ايباك الضاغطة".

ففي غمرة التحضير لغزو العراق هيمن الصهاينة على مكتب نائب الرئيس، وكان من بين إفراد هذه الزمرة المجرم المدان ايرفينج "سكوتر" ليبي، والبنتاجون وعملياته "الاستخباراتية" (وولفويتز، وفيث وتشومسكي)، واحتل البعض منهم مراكز استراتيجية في البيت الأبيض، وفي مجلس الأمن القومي فرام، مؤلف خطاب بوش الذي رسخ فيه مصطلح ومفهوم "محور الشر"، وابرامز، المجرم، المعفو عنه، والمتورط في فضيحة ايران كونترا، والذي عهد اليه اليوم بإدارة ملف سياسة الشرق الأوسط، وآري فليشر (الناطق الرسمي باسم الرئيس بوش) ويهيمن الصهاينة على الصفحات الرئيسية والمقالات الافتتاحية وصفحات الرأي في كبريات الصحف (جرائد "الوول ستريت جورنال" و"الواشنطن بوست" و"النيويورك تايمز") وكبريات الشبكات التلفزيونية وهوليوود، وتتدخل مئات الاتحادات اليهودية، بشتى مشاربها ومواطنها، من الإقليمية إلى الأمريكية والمحلية للحيلولة دون نيل "إسرائيل" بأي انتقاد مهما كان واهياً خفيفاً، حيث تشن هجوماً ضارباً على أي منتقد، وتهاجم الاجتماعات والمنتديات وأي إنتاج سينمائي أو مسرحي وتفلح في إلغاء كافة هذه النشاطات التي تشتم منها أدنى رائحة لانتقاد "إسرائيل".

وكان السلطان والنفوذ الجبروتي الذي بلغته المنظومة الصهيونية وهيمنتها على مقاليده هو القوة المتحكمة الدافعة التي تحرك خطط الحرب الأمريكية والعقوبات ضد إيران. وألقت هذه المنظومة المستبدة بمراكز القوى ومواقع صنع القرار في الولايات المتحدة بكل ثقلها وراء بوش ودعمته في غزوه للعراق، كما ضمنت هذه المنظومة الصهيونية مؤازرة الولايات المتحدة لهجوم "اسرائيل" الدموي الوحشي على لبنان ومساندتها الكاملة لهذا العدوان الذي سدد طعنة نجلاء لحكومة رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة المنتخبة شرعياً وأضعف موقفها وأحدث انقساماً داخل المجتمع اللبناني. وحاكت هذه الزمرة الصهيونية المتسلطة على كل بؤر التأثير في السياسة الأمريكية ثوب تشريع الكونجرس الذي يوصد الأبواب أمام أي اتصال بحكومة الوحدة الفلسطينية وحشدت هذه المنظومة بنجاح دعم الكونجرس الأمريكي للحصار الجائر الوحشي للشعب الفلسطيني والعقوبات البالغة القسوة التي تستهدف تجويع هذا الشعب وتركيعه والتي ألقت خلال الأشهر العشرين الماضية بهذا الشعب في الضفة والقطاع في هوة الفقر المدقع والعوز ورفعت معدلات البطالة إلى مستويات جنونية، وتتعدى هيمنة القوى الصهيونية على "السياسة الأمريكية الشرق أوسطية" نطاق التأثير في "الرأي العام"، فهي تخترق أهم المؤسسات المحورية وترسم السياسات وتضغط بكل جبروتها لتنفيذ هذه السياسات وتحرض على شن الحروب، التي لا يستفيد منها سوى "إسرائيل".

وبإيجاز شديد نقول انه تأكد بيقين وببراهين دامغة لا يتطرق إليها شك أن ولاء منظومة النفوذ الصهيوني المهيمن الحقيقي إنما هو لـ"دولة إسرائيل"، وقد رسمت سياسة هذه المنظومة وحيكت مخططاتها ليتسنى لها الهيمنة المطلقة على الكونجرس الأمريكي وشتى مواقع صناعة القرار في مؤسسات الإدارة الأمريكية ولتسخير هذا كله لخدمة مصالح "البلد الأم"، "إسرائيل" وتأمين الدعم الكامل لها.

وثمة 30 عضو كونجرس ما هم في الحقيقة إلا خواتم بيد الصهاينة، وهناك أيضاً 13 من الشيوخ ولاؤهم المطلق لـ"إسرائيل"، كما يقود الصهاينة بعضاً من أهم وأخطر اللجان في الكونجرس. ويترأس مؤتمر الحزب الديمقراطي الحزبي رام ايمانويل، وهو عضو سابق في القيادة العسكرية "الاسرائيلية" وضابط في جيشها. وكان ايمانويل أداة التحرك النشط الأنجع والأشد تأثيراً في حمل أغلبية الحزب الديمقراطي في الكونجرس على شطب فقرة رئيسية في مشروع قانون يتعلق بمخصصات الحرب، كان يمكن أن تحول بين بوش وشن الحرب على إيران من دون استشارة الكونجرس، وضمنت منظومة القوى الصهيونية دعم جميع المرشحين الرئاسيين المطلق غير المشروط لـ"إسرائيل" ولترويجها "خيار الحرب" ضد ايران، ونجحت هذه المنظومة في دفع الولايات المتحدة لشن الحرب على العراق، إلا أنها لم تفلح في الحيلولة دون انقلاب الأغلبية الساحقة من الأمريكيين على فكرة الحرب في العراق وتحولهم إلى موقف الرافض لهذه الحرب الساعي لإيقافها.

ولم يعد يخفى على العامة، فضلاً عن الخاصة، في الولايات المتحدة مدى طغيان نفوذ منظومة قوى الصهيونية وتغلغل سلطانها في كل مرافق الحياة في أمريكا وهيمنتها الوقحة والعلنية على سياسة "الشرق الأوسط"، ومن هنا بدأت التوجسات تكبر، وحرّض هذا التخوف، ولأول مرة معارضة واسعة النطاق في أوساط القوميين الوطنيين ضمن دائرة المسؤولين العسكريين الأمريكان وبين المحافظين، إضافة إلى عدد متزايد من أساتذة الجامعات والمفكرين. وللمرة الأولى تشرّع الأبواب أمام نقاش كبير يدور حول قضية ما إذا كانت "إسرائيل" تشكل "ثروة استراتيجية نفيسة" أم "عبئاً استراتيجياً" يعيق بلورة وازدهار مصالح الولايات المتحدة الامبريالية.

ويشمل تيار معارضة منظومة القوى الصهيونية الفئة المناصرة للإمبراطورية، وتلك المناوئة لها كليهما. ويجادل نقاد "إسرائيل" المؤيدون للإمبراطورية ويبسطون حججهم التي يستهلونها بحقيقة أن "إسرائيل" التهمت ما يزيد على 110 مليارات دولار من المنح والقروض التي تستلم أموالها فوراً، وأن لها خطوة استثنائية في حيازة ما تشاء من تقنيات الأسلحة الأمريكية، وأنها تتنافس مع صناعة الأسلحة في الولايات المتحدة. وينكر هؤلاء على "إسرائيل" القهر الاستعماري والقمع والاضطهاد الذي تمارسه في فلسطين ويرون أن هذا النهج هو الذي يخلق التوتر ويؤزم الأوضاع ويشعل فتيل الصراعات التي تلحق بصناعة النفط الأمريكية ضرراً بالغاً. ويجادل هذا الفريق كذلك في أن سياسات الحرب "الاسرائيلية" التي تساندها الصهيونية في "الشرق الأوسط" تنسف ركائز توسع المصالح النفطية والمالية الأمريكية المتحالفة مع "دول نفطية" عربية.

وأما خصوم الإمبراطورية الذين يعارضون هيمنة الصهيونية على سياسة "الشرق الأوسط" فيحتجون بأن غزو العراق أدى إلى قتل وجرح ملايين العراقيين وقتل وجرح عشرات الآلاف من الجنود الأمريكيين، وكلف ما يزيد على 500 مليار دولار، وقاد إلى تدمير الأسيجة الحمائية الدستورية الأمريكية التي تصون الحريات المدنية وتحول دون انتهاكها. ويدعو هؤلاء إلى انسحاب فوري للقوات الأمريكية ويطالبون بتجريد "الشرق الأوسط" من الأسلحة النووية، والبدء بنزع الأسلحة النووية "الاسرائيلية"، وفيما ينصرف الصهاينة إلى سوق الكونجرس من أنفه صاغراً لجر الولايات المتحدة إلى هوة حرب كبرى أخرى ضد إيران هذه المرة (الخيار العسكري)، ينبغي عليهم مواجهة مقاومة متنامية في أرجاء العالم.

ويتجلى تطرف منظومة القوى الصهيونية المتعصب في دعمه لـ"إسرائيل" في تلهفهم حتى على المقامرة بالسلم العالمي والمخاطرة بإيقاد حرب عالمية والتسبب في كساد عالمي دفاعاً عن أطماع تل أبيب وطموحاتها في الهيمنة المطلقة على الشرق الأوسط وتدمير إيران، هذا البلد الكبير الذي يزيد تعداده على 80 مليون نسمة.

 

مرتزقة حسب الطلب

ولكن المد الامبريالي الأمريكي ما كان له أن يطمع بموطئ قدم في المنطقة، يؤسس، انطلاقاً منه، لوثبة كبرى ينقض بها على شعوبها ويستولي على ثرواتها لو لم يعثر على ضالته لتنفيذ مآربه في أرض خصبة وأدوات نشطة لها تأثير بالغ تكفيه مؤونة القتال وتكبد الخسائر على كثير من الجبهات.

ولا شك أن أمريكا تدرك ضخامة الكلفة السياسية والاقتصادية لتورط القوات الأمريكية المسلحة الشامل والواسع النطاق طويل الأمد في حروب استعمارية. وحملها إدراكها هذا لفداحة الثمن الذي ينبغي دفعه في هذا المعترك على التفتيش عن وكلاء يقومون ببعض المهام عوضاً عنها، لذا زادت واشنطن من اعتمادها على بعض الأنظمة والزعامات النافذة المسموعة الكلمة المرهوبة الجانب والمنظمات الإرهابية التي تمد الآلة العسكرية الأمريكية بالعسكر المرتزقة وبقوات الاستخبارات، وثمة أمثلة وافرة على هذا النهج، لعل أبرزها الميليشيات التي تحولت إلى فرق للموت في العراق تعيث في الأرض فساداً وتخرّب البلاد وتهلك وتهجر العباد.

والتمويل الأمريكي الهائل لقوات الأمن “العراقية” كي تحل في نهاية المطاف محل القوات البرية الأمريكية باعتبارها قوة الدفاع الرئيسية عن نظام نصبته الولايات المتحدة فصار يحتار كيف يستجدي رضاها في الوقت ذاته الذي ينزلف فيه إلى الميليشيات التي تنشر الموت الزؤام وتملأ دروب العراق وطرقه المدمرة بالجثث المجهولة الهوية التي تظهر عليها آثار التعذيب بعد أن غصت مياه دجلة بأمثال هذه الجثث التي تحولت إلى نبع لا ينضب أغرق العراق بالدم المراق.

 

شبح تقسيم العراق

وبالطبع ستتولى هذه القوى الرديفة لقوى الغزو والاستعمار مهمة الدفاع عن القواعد الأمريكية اذا دعت الحاجة، ومهمة مقارعة فصائل المقاومة التي تنهض لقتال المحتل. وتدريب واشنطن "إسرائيل" للأكراد في شمال العراق وإمدادهم بالمشورة والمال وتعزيز التعاون العسكري والاستخباراتي معهم إنما هو مثال آخر وغيض من فيض الأدلة والشواهد على أن الولايات المتحدة اتخذت من هذه الأنظمة والفئات سلماً ترتقي درجاته لبلوغ غاياتها وتنفيذ مخططاتها، وتحقق واشنطن بتسخيرها للمرتزقة المحليين واستغلالهم بصفتهم "أدوات" عدة أهداف سياسية ودعائية.

ففي المقام الأول يخلق استخدام قوات المرتزقة المحلية وإيكال المهام إليها وهما خادعاً يوحي بأن واشنطن آخذة "بتسليم" السلطة إلى النظام "المحلي" بشكل متدرج يخدر بعض الناس.

وثانياً، يترك هذا النهج الذي تتبعه الإدارة الأمريكية انطباعاً بأن النظام الصنيعة قادر على حكم البلاد وتسيير الأمور وسياسة العباد.

وثالثاً يمكن لهذا التوجه أن ينفخ في أبواق الدعاية الصاخبة لتنبري جوقتها لتمجيد وتلميع أسطورة لا تستند إلا إلى الزيف المحض إذ تزعم قيام جيش قادر "يمكن الاعتماد عليه" و"مستقر" يستطيع فرض الأمن وإشاعة الاستقرار، جيش يتكون من أهل العراق أنفسهم.

ورابعاً وأخيراً، يخلق نشوء ميليشيات المرتزقة المحلية خرافة موغلة في الدجل تذهب إلى أن الصراع في جوهره ما هو إلا “حرب أهلية” نشبت بين هذه الفئة من العراقيين وتلك، عوضاً عن إسباغ الوصف الحقيقي عليها، هو صراع التحرير الوطني الذي يخوض حرباً شرسة ضد قوة استعمارية غازية تبذل كل وسعها لوصم المقاومة العراقية بالإرهاب.

ويخدم الاستخدام الامبريالي لأكراد شمال العراق أهدافاً امبريالية أمريكية استراتيجية بسبل شتى، فأولاً، يتم تسخير الأكراد لقمع المعارضة العربية والتركمانية التي تبلورت خلال السنوات الأربع الماضية وتجسدت وتجلت في قوى منتشرة في جميع إرجاء العراق لاسيما في الشمال، حيث يلقى العرب بوجه خاص عنتاً شديداً ويواجهون التهجير والترهيب والترويع بسبب مناهضتهم للقوى الاستعمارية وتصديهم لمطامع الأكراد. ويتمثل الطريق الثاني لبلورة الغايات الاستراتيجية التي تصبو الامبريالية الأمريكية إلى تحقيقها في مشروع شرذمة الجمهورية العراقية وتقسيمها إلى ثلاثة أقاليم أو أكثر، وهو المشروع الذي تؤازره بكل قوة الحركة الانفصالية الكردية وتعززه وتقوي شوكته عمليات الاستيلاء على حقول النفط الغنية في المناطق التي تقطنها عدة أعراق أو تمتزج فيها فئات السكان من طوائف أو مذاهب مختلفة حيث راجت سياسة التهجير والتقتيل والتنكيل التي أفرزت دفقاً هائلاً من النزوح الجماعي الذي تجاوز معدله الشهري 30 ألف شخص. وكذلك منح عقود التنقيب عن النفط واستخراجه إلى شركات متعددة الجنسيات أجنبية لن تدع لأهل العراق سوى الفتات من خيرات بلدهم (عدد 23 مارس/ آذار 2007 من مجلة "الفايننشال تايمز" ص 50). وكانت الولايات المتحدة قد أوعزت إلى الحكومة العراقية كي تسمح للأكراد بالقيام بعمليات تطهير عرقي واسعة النطاق لطرد العرب بوجه خاص والتركمان أحياناً، حين تأمن البشمركة بطش تركيا في الآونة الراهنة. وبلغت حملات التطهير أوجها وأشرس طرقها في كركوك وغيرها من المدن المختلطة الأعرق في الشمال العراقي. ويقوم النظام الكردي الموالي للولايات المتحدة في شمال العراق بدوره كذلك بصفته قاعدة عمليات للانفصاليين الأكراد ووحدات الكوماندوز التي تناوش إيران وتتحرش بسوريا وتركيا رغم نفي الولايات المتحدة لهذه المعلومات.

 

الشرق الأوسط وإمبراطورية أمريكا

منظومة القوى الصهيونية ... (2 - 2)

من هو ذاك الشيطان المارد الذي ظل دهره يتوارى وراء ستار، وامتطى اليوم صهوة الاستكبار العالمي، وتشبث بلجامه وقبض على زمامه وشدد عليه الخناق وراح يوجهه الوجهة التي يشاء ويسوق الناس بالعصا، ويصنفهم حسب هواه الى محاور من الأطهار البررة، وأخرى من الأشرار المجرمين الكفرة، ويؤلب الدنيا على الجهة الفلانية، ويحشد العالم ضد الفئة العلانية التي يدمغها بكل آثام الأنام على مشتهاه ويوقد الحروب هنا وهناك، ثم يجلس ليتلذذ وليعد العدة لهجمة استعلاء جديدة أشد غطرسة يدوس في حمأتها كل القيم وينتهك كل الحقوق ويتعدى على كل المقدسات؟

في هذه المقالة يتصدى البروفيسور جيمس بيتراس *، وهو أستاذ جامعي من أرباب الفكر والقلم، الثوار، على طريقتهم الخاصة، للإجابة عن هذا السؤال المهم عساه يميط اللثام عن الزمرة التي يطلق عليها اسم منظومة القوى الصهيونية الطاغية، ويصفها بأنها هي القوة الكبرى الفاعلة المقتدرة التي تحرك هذا التنين المخيف الذي يوشك ان يبسط سطوته على مشارق الأرض ومغاربها بما يحاول بثه من رعب وإرهاب يخيف به الشعوب والأمم بعد أن أرعب به الأنظمة حتى توافدت إليه خاشعة ضارعة. وها هو يدق طبول الحرب لضرب إيران.

 

المقاومة والممانعة تضعفان الهيمنة الأمريكية على الشرق الأوسط

جيمس بيتراس *

ترجمة: كمال حسين البيطار

لا تتورع بعض الدول شرق الأوسطية التي تخشى الغضبة الأمريكية عن تقديم خدمات جلى للولايات المتحدة، حيث تزودها بالمعلومات الاستخباراتية التي تشاء وتسمح بإقامة سجون ومعسكرات تعذيب يكتظ في زنازينها الضحايا الذين تعتقلهم أجهزة استخبارات الولايات المتحدة، سواء أكانوا سياسيين أم سجناء لهم صفة عسكرية لاسيما من أوساط المقاومتين الأفغانية والعراقية، وتختطفهم وترحلهم سراً وبطرق غير شرعية إلى هذه البلدان. وها هي أفغانستان وقد نصب الأمريكان فيها حكومة الرئيس حامد قرضاي، التي تتحالف مع كبار أمراء الحرب الأفغان من تجار المخدرات الذين ينتجون أكثر من 80% من الهيرويين الذي يباع في أوروبا وبقية أنحاء العالم. ولا يفوتنا هنا أن نستذكر كيف دعمت الولايات المتحدة ووجهت دكتاتور اثيوبيا ميليس زيناوي فدخلت قواته في الصومال واستخدمت كل جبروتها العسكري للإطاحة بحكومة المحاكم الإسلامية المستقلة، وتنصيب محمد يوسف مكانها. وأعقب ذلك إرسال فرقة جديدة من المرتزقة الأفارقة بعث بها دكتاتور أوغندا الموالي لأمريكا يوري موسيفني لدعم نظام يوسف، الذي فرضته اثيوبيا بإيعاز من أمريكا، في مواجهة المقاومة المسلحة واسعة النطاق التي رفع لواءها التمرد الصومالي المناوئ للإمبريالية والذي ينزع نحو التحرر.

 

حزب الله يلقّن "إسرائيل" درساً

ويكشف التحليل المستقصي الدقيق لتطبيقات وأداء سياسة الولايات المتحدة في الاعتماد على أنظمة موالية لها وعلى قوات المرتزقة عن إخفاقات عديدة وعن انحسار في الدعم في هذا المضمار. فمعدل الهروب من الجيش العراقي الذي أنشأته القوى الغازية المحتلة عال جداً، كما أن الشعور الوطني والولاء للعراق باعتباره وطناً لكل العراقيين اضمحل حتى كاد أن ينعدم، فشطر كبير من هذا الجيش يواصل لعب “دور مزدوج”، فهو يخدم الولايات المتحدة ويأتمر بأمرها، إلا أنه يزود الميليشيات بالمعلومات الاستخباراتية والأسلحة، بل يشارك في بعض عملياتها والأهم من ذلك ما مني به المخطط الأمريكي من إخفاق في استخدامه للمرتزقة العراقيين لدحر قوى المقاومة، حيث تجلى هذا الإخفاق في زيادة واشنطن لعدد القوات الميدانية الأمريكية المقاتلة في العراق بعد خمس سنوات من الحرب في ربيع 2007 من 140 ألفاً إلى 170 ألف جندي.

والحصار الوحشي الأمريكي  “الإسرائيلي” والمجازر البشعة في فلسطين (في غزة والضفة الغربية بوجه خاص) منذ انتخاب حكومة حماس، وجر دول أوروبا لتحذو حذو بريطانيا والولايات المتحدة في إحكام الحصار على الفلسطينيين أخفق هو الآخر في كسر شوكة صراع التحرر الوطني الفلسطيني، إلا أنهم أحرزوا بعض النجاح في إشعال فتيل نزاع أهلي مصغر. وأما في لبنان فقد لقّن "حزب الله" "إسرائيل" درساً لن تنساه فأوقع في صفوف جندها خسائر فادحة في حرب يوليو/تموز عام 2006.

 

شطط يقلق الحلفاء

أثار دعم الولايات المتحدة لنظام “الحكم الذاتي” الكردي في الشمال العراقي ومناصرتها لدعواهم التوسعية ومطالبتهم وتخطيطهم لإنشاء “كردستان العظمى”، التي تضم أصقاعاً واسعة من تركيا وايران والعراق وسوريا، هواجس مفزعة لدى “حلفائها” الأتراك، وفجّر هذا التواطؤ الخفي والمعلن تناقضات حادة وتوتراً شديداً، فقيام دولة كردية جديدة تتكون من مناطق شاسعة تنتزع من شمال العراق سيشكل منصة انطلاق لهجمات تعبر الحدود لتقتحم اناضوليا، لاسيما من قبل حزب العمال الكردستاني، مدعومة من قبل النخبة الكردية العراقية الحاكمة. ويمكن أن يؤدي هذا الى غزو تركي لشمال العراق لتدمير قواعد حزب العمال الكردستاني. وقد يقود هذا بدوره لحرب تركية  كردية واسعة النطاق ويضعف إلى حد بعيد الاستراتيجية الأمريكية المتعلقة بالمرتزقة في العراق ويضعضع البنيان الهش لتحالفها الذي يديم هيمنة أمريكا على الشرق الأوسط. والاستراتيجية الأمريكية "الإسرائيلية" الرامية إلى شرذمة المقاومة الفلسطينية وزرع الفرقة بين فصائلها وإثارة الأحقاد فيما بينها تمهيداً لتدميرها باللجوء إلى وسائل عدة منها العقوبات والمقاطعة الاقتصادية، هذه الاستراتيجية آخذة بالانهيار فمنذ اتفاقيات مكة المكرمة بين حماس والسلطة الفلسطينية فتح كثير من البلدان الأوروبية والعربية باب المفاوضات واستأنف بعضهم تقديم العون الاقتصادي والتجاري واعترف بشرعية الائتلاف الذي تقوده "حماس".

ومن الجلي أيضا أن الولايات المتحدة قد اضمحل نفوذها في لبنان، في حين تتنامى قوة حزب الله ويتمتن تحالفه مع ايران في الوقت الذي ترفض فيه قوات الأمم المتحدة نزع أسلحته.

وضاعت سدى جهود الولايات المتحدة الحثيثة لتشكيل "تحالف دولي شرق أوسطي" يعينها على بلوغ غاياتها، ويكمن السبب الرئيسي في خيبة الأمل هذه في أطماع “إسرائيل” الاستعمارية في فلسطين وفي تهديداتها العسكرية لكل البلدان "المسلمة".

وجعل الغزو "الإسرائيلي" المدمر للبنان الأنظمة العربية تعارض السياسات الأمريكية "الإسرائيلية"، وأدى رفض "إسرائيل" لاتفاق مكة الفلسطيني، وقدرة "ايباك" والجبروت الذي وظفته لإرغام واشنطن على أن تحذو حذو "إسرائيل" إلى جفوة عميقة مع العديد من الحلفاء الأوروبيين، وبالطبع، فقد ساء السعودية رفض الولايات المتحدة لاقتراح السلام الذي دعمته المملكة وأقرته جامعة الدول العربية، ولربما كان هذا هو ما دفع السعوديين إلى انتقاد احتلال الولايات المتحدة للعراق والإعراب عن قلقهم ورفضهم للتهديدات الموجهة إلى إيران، بل سارعت دول خليجية أخرى إلى الإعلان عن رفضها لأي هجوم عسكري أمريكي على إيران، وتشير معارضة دول الخليج للتوجهات العسكرية الأمريكية في المنطقة في الآونة الأخيرة إلى اضمحلال نفوذ وهيمنة الولايات المتحدة وإلى إخفاق سياساتها المناصرة ل “إسرائيل” والمتحيزة لها تحيزا تاما، ولا يمكن استدامة علاقة وطيدة مستقرة بين الامبريالية الأمريكية والدول شرق الأوسطية  في ظل هيمنة السياسات الاستعمارية اليهودية التوسعية وتنامي الروح المتعصبة في "إسرائيل" التي تسعى لالتهام المزيد من الأرض والمزيد من استعباد الشعوب وقهرها بالجبروت العسكري والاقتصادي.

وتتضاءل في هذه الفترة قوة الاستراتيجية الأمريكية القائمة على ركيزة "اصطناع الأدوات" المحلية وابتداع وتكوين جيوش مرتزقة تضطلع بدور شرطي منطقة الشرق الأوسط خدمة لمصالح الإمبراطورية الأمريكية ويعتريها الوهن وتمنى بالإخفاق يوماً بعد يوم في الظروف الراهنة.

وثمة "طابور خامس "إسرائيلي"" متجبّر يتغلغل في كافة مفاصل صنع القرار في أمريكا، ويمسك بمقاليد حق النقض “الفيتو” الذي تحول إلى سلاح من أمضى الأسلحة وأفتكها للانقضاض على أي نية أو توجه أو محاولة لإحداث توازن في سياسة أمريكا تجاه "الشرق الأوسط" والتخفيف من انحياز الولايات المتحدة المطلق إلى "إسرائيل"، ويتمثل هذا الطابور الخامس "الإسرائيلي" في منظومة القوى الصهيونية الضاغطة ويتجلى في هيمنتها على الكونجرس الأمريكي وقوتها الهائلة في الفرع التنفيذي، ونتيجة لهذا رفضت واشنطن الاقتراح السعودي القائم على مبدأ "الأرض مقابل السلام والاعتراف"، كما رفضت اتفاقية مكة التي رعتها السعودية والتي أثمرت قيام حكومة فلسطينية موحدة، ورفضت كذلك الاقتراحات المقدمة من كل من دول الخليج العربية وسوريا والعراق والسعودية وروسيا والصين لإجراء مفاوضات دبلوماسية مع إيران وسوريا.

 

خيبات أمريكا وإخفاقاتها

وأخفقت الولايات المتحدة إخفاقاً تاماً في إقامة تحالف "مشاركة في القوة" على نمط "حلف الناتو" في "الشرق الأوسط" (باستثناء الحلف مع تركيا و"إسرائيل") نتيجة أسباب عديدة: أولها رفض الأغلبية الساحقة من السكان العرب (الذين تتراوح نسبتهم بين 85 إلى 95%) لمثل هذا الاتفاق، كما أن الأنظمة العربية ترفضه بدورها لأنه يحرجها أمام شعوبها ويقوض البقية الباقية من هيبتها. وثانياً، لا تعرض الولايات المتحدة شيئاً يشكّل تعويضاً مقابل الدعم العربي الذي يراد استنهاضه للدفاع عن الهيمنة الامبريالية الأمريكية، بل تضن واشنطن حتى بضغط لطيف على "إسرائيل" للتخلي عن بعض الأراضي شبه الجرداء في الضفة الغربية للفلسطينيين. والسبب الثالث هو أن التركيب البنيوي لقوة "التحالف الأمريكي شرق الأوسطي" غير متناسقة البتة وتفتقر إلى أدنى مقومات الانسجام، فميزان القوة يرجح كفة واشنطن بصورة مرعبة لا يمكن تصورها، فلا ندية على الإطلاق بينها وبين من تبتغي التحالف معهم، وتكاد أسس التفاوض والمشاركة في الغُرم والغُنم والتكاليف والمنافع أن تكون منعدمة كلّية، لذا فليس ثمة من حافز يزين لهذه الأنظمة مسألة اقتحام هذه المجازفة التي ترى في ثناياها مخاطر كبرى.

 

الحلف الأمريكي  "الإسرائيلي"

وأما تحالف الولايات المتحدة مع "إسرائيل" فيقوم على صنف مختلف من النفوذ والتأثير غير المتناسق والمزايا والفوائد، فنظراً لطغيان النفوذ "الإسرائيلي" - الصهيوني وهيمنته على المؤسسات السياسية الأمريكية، لا تملك الولايات المتحدة سوى أن تنتهج سياسات تراعي المصالح الاستراتيجية "الإسرائيلية" في الشرق الأوسط وتحابيها. ويتبدى بوضوح الافتقار إلى التماثل في ما يتعلق بميزان القوى الذي يحكم العلاقات "الاسرائيلية" الأمريكية في كلفة ومنافع العلاقات الاقتصادية والعسكرية والسياسية والدبلوماسية، فالولايات المتحدة تدفع لـ"إسرائيل" "إتاوة" سنوية تزيد على 3 مليارات دولار (معظمها على شكل منح فورية مباشرة). و"إسرائيل" هذه التي تنفق عليها أمريكا بمثل هذا السخاء الحاتمي يبلغ معدّل الدخل الفردي السنوي فيها 25 ألف دولار (اعتباراً من 2006)، أي أعلى بنسبة 25% من الدخل الفردي السنوي في الولايات المتحدة التي تغدق عليها كل هذا الإغداق!

كما تحظى "اسرائيل" بدخول حر ميسر إلى أسواق الولايات المتحدة، إضافة إلى امتيازات مطلقة لا تعترضها أي عوائق في موضوع الهجرة لمن شاء من يهودها إلى أمريكا، حيث فتحت أبواب هذه الهجرة من دون حدود أو قيود، وعلاوة على ذلك فثمة إعفاءات ضريبية على مشتريات "اسرائيل" من السندات ومن العتاد التقني العسكري الأحدث والأكثر تطورا في ترسانة الولايات المتحدة، وهذا هو السر الذي مكن "اسرائيل" من إحراز نجاح باهر في حلبة "التنافس" مع المجمع الصناعي العسكري الأمريكي فاكتسحت أسواق السلاح الكبرى، وما صفقة مبيعات الأسلحة بمليار دولار إلى الهند عنا ببعيد، وهناك سوق القارة السمراء أيضا، بل قد اجتاحت مبيعات الأسلحة "الاسرائيلية" حتى سوق الولايات المتحدة ذاته، وثمة إخطبوط نفوذ صهيوني مهيمن بمائة ألف ذراع  أو يزيدون يشكلون أعضاء جماعة الضغط الصهيونية التي تمسك بتلابيب المؤسسات السياسية في أمريكا وتؤثر وتهيمن على سياسة الولايات المتحدة: وفي المقابل، ليس هناك لواشنطن شخصية واحدة موالية للولايات المتحدة تضطلع بمهام التأثير في السياسة "الاسرائيلية" والضغط عليها بما يخدم المصالح الأمريكية في المنطقة.

 

التحالف التركي  الأمريكي.. نشاز

حلف تركيا أمريكا أبعد ما يكون عن التناغم بل يمكن اعتباره من أغرب التحالفات: فتركيا تمد الولايات المتحدة بالقواعد العسكرية وتربط نفسها بحلف مع "اسرائيل" ينطوي على مفارقة كبرى "رغم أن الأغلبية الساحقة من الأتراك تعارض هذا التوجه"، وتدعم حرب الولايات المتحدة على العراق مع تكبدها لخسائر فادحة جراء هذا الدعم، سواء في خسارتها الكبرى في القطاع التجاري ومداخيل الضرائب أو في نقمة بعض فئات الشعب العراقي على سياستها، وربما يصح القول ها هنا أن تركيا نالت في العراق جزاء سنمار، فهي تواجه اليوم دولة كردية انفصالية ترعاها الولايات المتحدة وتبسط عليها حمايتها، وتنظر تركيا بقلق بالغ إلى المخاطر الكامنة، فهذه الدولة التي مازالت في الطور الجنيني وتواصل نموها بوتائر سريعة وتمتن علاقاتها مع "اسرائيل" باتت تشكل خطراً مستقبلياً يحدق بها على التخوم التي تفصل بينها وبين العراق، إذ تسمح هذه التخوم للمتمردين المسلحين الأكراد بشن هجمات عبر الحدود، هذا وقد أولى صناع السياسة الأمريكان مسألة استرضاء الأكراد واستمالتهم وتلبية مطالبهم المتعلقة بحيازة بعض المناطق التي تتسم، نظرا لموقعها الاستراتيجي وثرائها النفطي الواسع، بأهمية بالغة، والتي ظلت عبر القرون مناطق عراقية خالصة أبعد ما يكون عن نطاق الهيمنة الديموغرافية الكردية، مثل كركوك وغيرها من المدن التي يتحرق الأكراد على ضمها لمشروع دولتهم، وبالطبع، فإن الأمريكان في سياستهم هذه يسخرون آلية تلبية مطالب الأكراد لضمان دعم البشمركة العسكرية الذي لا يستهان به في سحق المقاومة العربية الوطنية العراقية وكسر شوكتها.

ومن هنا أطلق الأمريكان أيدي الطالباني والبرزاني لتنفيذ الجزء الأخطر من استراتيجيتهما وغضوا الطرف عن حملات التهجير الضخمة لطرد السكان العرب من المناطق المختلطة من الناحية السكانية العرقية، وتجاهل الأمريكان المطالب التركية الملحة التي كانت تلتمس من الولايات المتحدة أن تكبح جماع المزاعم التوسعية الكردية لاسيما في ما يتعلق بطمع الأكراد في أناضوليا، وتعتقد واشنطن أن الحكومة التركية سوف تستكين للأمر الواقع وتسلم بتحالف الولايات المتحدة مع الأكراد، واستبعد البيت الأبيض جدية تهديدات تركيا بغزو "كردستان"، القائمة بالفعل واعتبرها غير ذات صلة بالموضوع ولا ينبغي إعارتها أية أهمية، فإذا أخذنا بالحسبان تلهف الحكومة التركية على نيل رضى الغرب وسعيها الحثيث للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي نخلص بنتيجة فحواها أن واشنطن مطمئنة وتعتقد أن أنقرة سوف تمتنع عن أي تدخل عسكري يتوغل في الشمال العراقي.

 

تجربة القرن 21

لابد لأي تحليل جاد ورصين يتصدى لدراسة استراتيجية بناء الإمبراطورية الأمريكية أن يأخذ بعين الاعتبار التكتيكات المتغيرة من جهة، والغايات الاستراتيجية الصلبة التي لا تعتريها التغيرات بل تظل ثابتة في كل الظروف من الجهة الأخرى، فالولايات المتحدة شنت هجومها على العراق وغزته بصورة أحادية وبعون استراتيجي من بريطانيا لتجابه بمقاومة شرسة يشتد عودها وبأسها يوما بعد يوم، وبعد أن اكتوت بضراوة هذه المقاومة التي تفجرت في مناطق العرب السّنة وبدأت تئن تحت ضرباتها التفتت تلتمس العون الجماعي من كل حلف قائم أو مرتجى، وانطلقت لتأمين هذا الدعم الذي أحست بضرورته من الأنظمة الرخوة في العالم الثالث والحكومات الهشة، التي تضغط عليها أمريكا كي تمدها بالقوات المرتزقة، ومن حلفائها الأوروبيين، وفيما اشتد بأس قوات التحرر التي ترفع لواء المقاومة في العراق وبدأت تحكم سيطرتها على البلاد جندت واشنطن أفواجاً ضخمة يقدر عددها بأكثر من 50 ألف جندي من المرتزقة المحترفين وراء البحار ومن نحو 200 ألف متعاون عراقي، في البداية أتت واشنطن بالسياسيين العراقيين المنفيين لتشكيل حكومة دمية ونظام يفصل حسب المقاسات الأمريكية، ومن ثم جاءت المرحلة الثانية فقام الأمريكان بدعم زعماء الأحزاب والميليشيات الشيعية، ثم جندت أعداداً كبيرة من الأكراد وفيما أخذت "التكتيكات" الإمبريالية تخفق الواحدة منها تلو الأخرى وأحست واشنطن بعجزها عن دحر المقاومة زادت من عدد فرقها العسكرية وجنودها وعززت قوى جيشها المحتل، كما عززت قوات الجيش العراقي الذي اصطنعته. إلا أن كل تصعيد عسكري من هذا القبيل كان يؤجج المزيد من السخط الشعبي ويزيد من قوة المقاومة المحلية والمعارضة لسياسة الولايات المتحدة، وكان كل تحالف تكتيكي جديد يثير المزيد من عداوة أهل السنة في العراق ويؤجج معارضة البعثيين والتركمان أيضا، وبدأ القلق يساور الحلفاء العسكريين الكبار لأمريكا في العراق وبدأت الأنظمة "المستزلمة" بسحب قواتها من تحت مظلة "التحالف" الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة بعد أن شعرت ببوادر الهزيمة الحتمية التي تواجه أمريكا في العراق.

وفي مواجهة عزلتها العسكرية المتزايدة وخسائرها في العراق وانحسار التأييد الشعبي لها في الولايات المتحدة، كانت استجابة واشنطن تتمثل في زيادة انغماسها العسكري في الشرق الأوسط وفي الجنوح بصورة متنامية نحو المجابهة العسكرية في هذه المنطقة وفي التحضير لحرب جديدة تشنها ضد إيران هذه المرة، وتعتقد واشنطن أن الهجوم على إيران من شأنه حشد جبروت منظومة القوى الصهيونية بقضه وقضيضه (من مئات الاتحادات اليهودية المحلية إلى جماعات الضغط في واشنطن) الذي سيحكم هيمنته على سلوك الكونجرس وكافة تصرفاته، وعلى الحزبين الجمهوري والديمقراطي (لاسيما على الديمقراطيين) وعلى الإعلام الجماهيري المتحكم بالرأي العام، ويعتقد البيت الأبيض أن الهجوم على إيران سيقوم بدور رئيسي في حشد تأييد الشعب الأمريكي ليناصر بوش من جديد، إذ سيؤجج الحماس والتعصب الشوفينيني ويزيد من شعبية بوش، ويعتقد البيت الأبيض أن بمقدوره خوض حرب جوية وبحرية تتمكن القوات الجوية الأمريكية خلالها من تدمير دفاعات إيران دون تكبد خسائر كبيرة في الأرواح في صفوف الأمريكان، وتعتقد واشنطن أن بإمكانها عزل الصراع وقصره على إيران، وأن في وسعها في أعقاب ذلك مهاجمة سوريا وتعبيد الطريق وإزالة العوائق أمام "الحل الأخير"، "الاسرائيلي" للقضية الفلسطينية بعد تصفية "حماس".

وسياسة واشنطن القائمة على إشهار السيف وشن حروب دائمة لا تنتهي ما هي إلا مقامرة جامحة في جنونها تتصاغر إزاءها مغامرة هتلر الحمقاء حين هاجم روسيا في أعقاب غزوه لبولندا وأجزاء من أوروبا الغربية، وإشعال حروب جديدة، ولما تضع الحروب الخائبة بعد أوزارها لا يمكن أن يقود سوى إلى هزائم اكبر وطامات عظمى وإلى تمرد جماهيري أعظم وإلى اندلاع حروب أوسع نطاقا وأشد ضراوة.

* استاذ فخري لعلم الاجتماع في جامعة بنجامتون في نيويورك وأستاذ مساعد في جامعة سانت ماري في هاليفاكس في كندا.

* نقلاً عن صحيفة (الخليج) الإماراتية 25 – 26/4/2007