"يا أيها الكرز المنسي"
بقلم: انصاف قلعجي *
نسي أهل المدن الفارهة طعم الحنين، طعم التمر والمن السلوى، نكهة الرائحة النشوة، حين شجرات النخيل الباسقة تتعانق بحميمية مع ماء دجلة.. نسوا سواعد الرجال الذين بنوا مجد أمة حجرا حجرا، حرفا حرفا، ليكونوا شوكة في حلق الغزاة.. نسوا بأن أرض الرافدين المقدسة قد شاركتهم لقمة العيش وقطرة الدم وقالت بأنها أرض لكل الأمة، خير العراق لأبناء الأمة.. ماء العراق كي لا يعطشون، نفط العراق كي لا يبردون، كبرياء العراق كي يصمدوا في وجه الطامعين.. كم أنهم ينسون.. وها هي سواعد الرجال، أبطال المقاومة العراقية، تسقي التراب بدمائها من أجل كبرياء الأمة، والكل عنهم غافلون يعلكون كلامهم فقاعات في جوف هواء فاسد مليء برائحة التآمر، غير معنيين بجدران عازلة تحيط بالأمة من أقصاها لأقصاها.. كم أنهم يعمهون..
وفي البال قصة زكريا تامر "يا أيها الكرز المنسي"..
"شهقت ضيعتنا مدهوشة لما علمت أن عمر القاسم قد صار وزيرا، وها هي ضيعتنا يا عمر كما تركتها وردة من طين وعشبا أصفر ونهرا من الأطفال الحفاة"، وعمر القاسم قد جاء من المدينة معلما للقرية النائية، وحين فجأة صار عمر وزيرا، احتار أهل الضيعة في نوع الهدية التي عليهم إرسالها لعمر في المدينة، وهم الفقراء المعدمون، واندفع أحد الرجال يقول: أفضل هدية هي سلّة من كرز ضيعتنا، أتذكرون كم كان عمر يحب كرز ضيعتنا ويقول عن لونه الأحمر إنه تعبنا ودمنا.. ويحل المساء بأهل القرية ينتظرون الباص العائد من المدينة يحمل أبا فياض وسلّة الكرز، وعاد أبو فياض مهموما ليضع سلة الكرز على الأرض وينادي أطفال القرية: تعالوا وكلوا الكرز وعندما تكبرون لا تنسوا طعمه..
كم أنهم ينسون.. وقد بات ظهر الأمة مكشوفا وخيمتها مهتوكة..
فيا سيد الرجال، وسيد الشهداء.. وفي ذكرى ميلادك نقول: نحن لا ننسى، فالنبض نبضك والتاريخ تاريخك والرجال الأبطال الذين يعيدون مجد العراق بقيادة شيخ المجاهدين عزت إبراهيم الدوري هم رجالك، رجال خرجوا من رحم النخيل وتعفروا بتراب العراق واستقوا المجد من مياه الرافدين.. وذكراك تنحت في أيامنا، في أعمارنا، حتى تبرق الدنيا بحريق الفجر الجديد..
ويا سيد الرجال.. نحن لا ننسى.
وكما هو على منبر العراق الحر الثائر، نردد:
"محال أن تموت وأنت حي
فكيف يموت ميلاد وجيل
* عن (المجد) الأردنية