الكتابة في زمن العهر السياسي

د. فؤاد الحاج

عندما عدنا عن قرار إغلاق المحرر قلنا بأن الهدف هو متابعة طريق النضال عبر الكلمة الحرة المعبرة عن ضمير الأغلبية الصامتة في كل مكان من بلاد العرب، وهؤلاء هم دافعنا الأساس، لأنهم هم المتضررون من سياسات أنظمة لم تقدم لهم ولنا سوى الذل والهوان، لذلك هاجر وهجّر الملايين من أبناء الأمة خارج وداخل الوطن من المحيط إلى الخليج، وفي بلاد الغربة والاغتراب ازداد يأس المهاجرين والمهجّرين كما في الداخل، ولكن مصيبة المهاجرين والمهجّرين خارج الوطن الأم ازدادت أضعافاً مضاعفة عن المقيم داخل الوطن وذلك لأسباب عديدة أهمها: فقد الروابط العائلية بين الأهل والوطن رغم أن الكثير من مهاجرين الجيل الأول حاولوا استمرار الروابط بأن قاموا بزيارات مع أبنائهم وأحفادهم للأهل والأقارب في الوطن الأم إلا أن ذلك تناقص بطريقة أو بأخرى مع الأجيال اللاحقة والكثير منهم فقد تلك العلاقة نهائياً، هذا مثال واحد من أمثلة تحتاج إلى مراكز بحوث ودراسات كي تفيها حقها من الكتابة حولها ومناقشتها ومعالجتها، ولكن هل يكفي ذلك؟!

قد يقول قائل بأن بعض الحكومات حاولت أن ترسي علاقة متينة وجيدة مع المغتربين كمن أبناء هذا القطر أو ذاك، حتى أن بعض الحكومات أقامت مديرية خاصة ضمن وزارة الخارجية أو أضافت وزارة خاصة للمغتربين وأصبح لديها وزير للمغتربين، نقول أن ذلك صحيح، ولكن هل نجحت تلك المديريات والوزارات في خططها، وما هو عدد المغتربين الذين ارتضوا أن تكون علاقتهم بوطنهم الأم من خل وزارة أو مديرية نسبة لعدد المغتربين من كل قطر عربي؟! كي نختصر الحديث حول ذلك نقول أن عدد كبير من الذين ارتضوا أن تكون علاقتهم بوطنهم الأم إنما فعلوا ذلك ليس حباً أو تقديراً لهذا الوزير أو ذلك المدير إنما كي يحصلوا على الحماية الرسمية ولو لفترة أيام لأنهم ملاحقون قانونياً لأسباب عديدة غير سياسية وهي كثيرة، وقسم أخر يقبل بالعودة الرسمية مؤقتاً كي يعود إلى بلده ليلتقي أهله وأقاربه قبل أن يمضي به قطار العمر وتدهمه الداهمة ليموت بعيداً دون أن ترى عيونه أرض آبائه وأجداده، والبعض الآخر وهم أقلية إنما يفعل ذلك لغرض في نفسه وهو مادي على الأكثر للحصول على بطاقة سفر رخيصة وتأشيرة خاصة تعفيه من دفع رسوم الدخول والمغادرة وأشياء أخرى، أما القسم الآخر من المهاجرين والمهجّرين لا يقبل بزيارة الوطن الأم لا بواسطة الوزارات ولا المديريات لأنهم بالأساس لا فرق عندهم إن زاروا بلدهم أو أهلهم إما لأنهم (من شجرة مقطوعة) كما يقول المثل، أو أنهم لا يريدون العودة ضمن وفد رسمي تابع للنظام الذي كان بالأساس هو سبب تهجيرهم وتشريدهم في أرض الله الواسعة، وضمن هؤلاء يأتي المعارضون الوطنيون والقوميون لسياسة هذا النظام أو ذاك، بالطبع لا أقصد هنا الذين سموا أنفسهم "معارضة" لأنهم حقيقة تنطبق عليهم صفة المعارضين الأغبياء لأنهم باعوا وطنهم وأهلهم وفروا خارج الوطن، أو من الذين كانوا بالأساس مهاجرين وليس مهجّرين ضاقت بهم سبل الحصول على لقمة العيش فالتحقوا ببعض الجهات الحزبية الدينية أو السياسية التي تطلق على نفسها صفة "معارضة في الخارج" وهم لا يعرفون بأن "قادة" تلك المعارضة إنما يحصلون على دعم سياسي وإعلامي من جهات استخبارية وأن البعض من "قيادات" تلك المعارضة يعتقد أنه شخصية مهمة عندما يستقبله وزير الخارجية أو رئيس قسم في وزارة ما في هذه الدولة الغربية أو تلك ويستمعون له ويدعمونه في الاستمرار في نشاطه لتحقيق "الديمقراطية" في بلده الأم!.

والقسم الأخير وهو الأغلبية الغالبة من المهاجرين والمهجّرين في ديار الله الواسعة الذين اضطروا لترك ديارهم وأهلهم وبلدهم سعياً للرزق والحرية لا ولن يقبلون بالعودة إلا مرغمين كما حصل مع المعارضين الوطنيين والقوميين الذين كانوا في عراق العروبة والحضارات قبل الغزو الصهيو-أمريكي-الإيراني، والكثير منهم وضع بما يمكن تشبيهه بـ"قيد الإقامة الجبرية" مع أنه حر في الذهاب والإياب ضمن منطقة محددة في هذا القطر أو ذاك، ولكن مع مراقبة دقيقة لكل تحركاته وتصرفاته، والبعض الآخر تم وضع كرسي على بعد خطوات من باب منزله ممنوع عليه تجاوزها، كما ممنوع عليه زيارة أحد أو دعوة أحد لزيارته إلا لعدد محدد ومسجل ضمن قائمة مع حارسين خاصين من الاستخبارات مكلفين بالتناوب لحراسته بحجة "حمايته وتأمين سلامته"! كذلك ممنوع عليه أن يكتب أي مقالات أو الإدلاء بأي تصريحات إعلامية، كما ممنوع عليه عقد لقاءات لأكثر من شخص في مكان إقامته، وممنوع عليه القيام بأي نشاط سياسي أو حضور تجمعات أو لقاءات سياسية لأي جهة كانت مع أن البعض منهم اخترق تلك الشروط التي لم يحاسبه عليها النظام أو أزلامه في ذلك القطر لأسباب عديدة أهمها أن النظام وأزلامه يستعملونها لغايات يراد منها القول بأنه توجد حرية في ذلك القطر، في الوقت الذي يعتقل كل من يريد أن يقوم بتظاهرة أو أي نشاط سياسي لكشف سياسة الكيان الصهيوني، أو لكشف حقيقة الدور الصهيو-أمريكي-ايراني في العراق وفلسطين ولبنان وسوريا أو في أي قطر عربي من مشرق الوطن العربي إلى مغربه!.

في ظل كل ما تقدم ترى ماذا يمكن أن نكتب أو نقول مع أننا نعرف بأن جهات كثيرة معروفة داخل الوطن العربي بحفظ كل ما نكتبه وننشره، في الوقت الذي تقوم جهات أخرى معروفة في "بلاد الديمقراطية" بترجمة حرفية لكل ما نكتبه وننشره بانتظار لحظة ما ليقدموا لنا كشف حساب وعقاب، ورغم ذلك نقول أنه من أقسى الأمور وأصعبها عند المؤمنين بوحدة الأمة والوطن، الكتابة في هذه الظروف، خاصة لأن ما يدور من قتال بين الأشقاء في فلسطين المحتلة حول المناصب وكرسي الرئاسة، وبين ما يجري في العراق من تطورات وأحداث دامية يقوم بها أعداء المقاومة الوطنية والقومية وأعداء وحدة العراق، في الوقت الذي لم تصدر فيه المقاومة الحقيقية الوطنية والقومية إلى الآن مع الأسف أي بيان توضيحي تفند فيه مجريات الأوضاع هناك، وفي الوقت نفسه يقوم أعداء الأمة وأعداء الإنسانية في عدد من الفضائيات بإبراز بعض الأشخاص والمنظمات الوهمية التي تقوم بتوجيه النقد والتجريح ضد نظام البعث ومقاومته الوطنية القومية، حتى وصل بالبعض إلى التجرؤ على إنكار وجود المقاومة الوطنية والقومية البعثية في عراق الحضارات والتاريخ، وهذه الفضائيات الناطقة بالعربية لم تبث أي بيان لحزب البعث لعربي الاشتراكي أو أي بيان للمقاومة الوطنية والقومية رغم قلة عددها لعملياتها ضد الغزاة والمحتلين، وفي الوقت الذي تتداعى أنظمة الذل والهوان الناطقة بالعربية عبر قممهم ولمتهم الأخيرة وعبر لجان ومؤتمرات لا تغني ولا تفيد لتكرس واقع الاحتلال والاعتراف بحكومة دمى الاحتلال، وأيضاً في الوقت نفسه يتداعى بعض رؤساء تلك الأنظمة بين الفينة والأخرى ليطالب علناً بالإبقاء على الاحتلال بحجة "الخوف من الفوضى في حال خروج المحتلين من أرض الرافدين"!، فيا لها من رجولة في زمن العهر السياسي.

أقول يا لها من رجولة في زمن العهر السياسي أن نرى أنظمة تنطق بالعربية تصرف ملايين ومليارات الدولارات على شراء الأسلحة والمعدات العسكرية الأخرى لتستعمل فقط ضد أبناء الأمة الذين يتظاهرون ضد ما يحدث في فلسطين الجريحة وفي العراق الذبيح، وأما الأسلحة الأخرى مثل الطائرات والدبابات والصواريخ والبعيدة والمتوسطة المدى التي من المفترض أنها ستستعمل ضد "العدوان على الأمة" كما يقولون أو "للدفاع عن حدود الوطن وأجوائه" فأنها تتلف بعد تعرضها الصدأ، مع العلم بأن قسم من تلك الأسلحة والمعدات العسكرية الأخرى لا تصل إلى هذا القطر أو ذاك بل يذهب ثمنها وعمولتها إلى جيوب بعض المتنفذين مثل فضيحة "صفقة اليمامة" كما يذهب قسم من كبير من تلك الأسلحة إلى جهات أخرى في دول أخرى مثل جنوب السودان حيث دفعت دولة في الجزيرة العربية ثمنها وذهبت الأسلحة إلى جماعة المنشقين الذين لا زالوا حتى الآن يريدون الانفصال عن السودان وقيام "الفيدرالية"، وكذلك مثلما حدث في لبنان خلال أيام الحرب المؤامرة التي دامت ستة عشر عاماً حيث كانت الأسلحة التي كانت تحمل شعار السيفين واللون الأخضر وكلمة لا... تذهب إلى قوى اليمن اللبناني!. وحالياً ترعى هذه الدولة حماية جماعة "المستقبل" وفي مقدمهم السنيورة وسعد وكل تيار جنبلاط الديمقراطي يضاف لهم قوات جعجع وكل دمى ما يسمى "الديمقراطية" بحجة "الحكمة والتعقل" لذلك أطلقت عليهم السنيورة رايس صفة "المعتدلين"!

على الرغم من ذلك ولأن أوراقنا بيدنا وليست بيد الآخرين كما أوراق بعض الكتبة الفريسيين وأوراق أنظمة الذل والهوان الناطقة بالعربية بيد محافل الشر الدولية، فأننا سنبقى نكتب رغم كل حملات التشويه والتشهير وحلقات التآمر التي تتعرض لها الأمة ابتداء من التطويق المسلح وقيام القواعد الأمريكية في بلاد العرب من المحيط إلى الخليج، وانتهاء بالهجوم المسلح والاحتلال الصهيو-أمريكي-الإيراني لعراق التاريخ والحضارات، وصولاً إلى الهيمنة والسيطرة الاقتصادية والسياسية وتغيير المناهج التعليمية والاختراق الإعلامي بكل اللغات ومحاولة محو الثقافة العربية والإلغاء المبرمج لتاريخ العرب وحضارتهم، ونؤكد بأننا لن نفقد أعصابنا ولن نكفر بأمتنا، ولن نتخلى عن دورنا الذي اختاره لنا القدر ورضينا به لنكون طليعة متقدمة في جبهة الصراع مع أعداء الإنسانية في كل مكان، كما أننا لن نفرط في مبادئنا، ولن نسكت عن قول كلمة حق في وجه سلطان جائر، ولأن إيماننا بدور الأمة العربية وبعثها من جديد يتضاعف يوماً بعد يوم مهما طال ليل الظلم فأننا نرى بأنه لا بد أن تبزغ شمس يوم جديد يعيد الوجه المشرق للأمة العربية وسنبقى نردد:

إنا لقوم أبت أخلاقنا شرفاً

أن نبتدي بالأذى من ليس يؤذينا

بيض صنائعنا، سود مواقعنا

خضر مرابعنا ، حمر مواضينا

وعلى الباغي تدور الدوائر، وأن غداً لناظره قريب.