"المؤتمر القومي العربي" في دورته الثامنة عشرة..
عوني فرسخ
في
ابريل/ نيسان 1990 جرى تأسيس "المؤتمر القومي العربي"، ليكون مرجعية فكرية وأداة
حركية يلتقي في إطارها المهتمون بحاضر الأمة ومستقبلها من مختلف ألوان الطيف
السياسي والفكري الذين يؤمنون بالعروبة منطلقا والديمقراطية سبيلاً، وبحيث يعمل على
صعيد شعبي مستقل عن أنظمة الحكم، وقد حددت أهداف المؤتمر في: الوحدة العربية،
والديمقراطية، والتنمية المستقلة، والعدالة الاجتماعية، والاستقلال الوطني والقومي،
والتجدد الحضاري. ومن خلال الحوار والتفاعل الإيجابي شارك في عضوية المؤتمر مفكرون
ونشطاء من التيارات: الإسلامي والليبرالي والماركسي، وبحيث غدا مصطلح "القومي
العربي" يشمل كل ملتزم بالأهداف الستة وعامل على تحقيقها، بصرف النظر عن خلفيته
الفكرية والنضالية، وبهذا شهد الفكر والعمل القومي نقلة نوعية عما انتهى إليه في
ستينات القرن الماضي.
وعلى مدى السنوات السبع عشرة الماضية واصل المؤتمر نموه وتطوره، بتوالي اتساع إطار عضويته وإغنائها بدماء وأفكار جديدة، ففي الدورة الأخيرة فاقت نسبة من يمكن اعتبارهم شباباً قياساً بالنخبة المؤسسة للمؤتمر، وتنامى دورهم في إعداد أدبياته وإدارته، مما يؤشر لحيوية وتطور المؤتمر، كما الفكر والعمل القومي العربي، واتساع دائرة المدركين أنه الأقدر على تقديم الاستجابة الفاعلة لما تواجهه الأمة من تحديات داخلية وخارجية.
وما بين 28 30 ابريل/ نيسان الماضي عقد المؤتمر دورته الثامنة عشرة في المنامة، وقد تميزت عن الدورات السابقة بكثافة ومستوى الحضور، دلالة الشعور بمسؤولية المؤتمر التاريخية في الظرف الراهن، إذ حضرها 288 عضواً من 16 قطراً والمهجر الأوروبي والأمريكي، بينهم 86 من حملة الدكتوراة، و26 سيدة وآنسة، وثلاثة رؤساء تحرير صحف عربية متميزة باستقلال الإرادة وجرأة الطرح، وعدد غير يسير من الكتاب والمحللين السياسيين والإعلاميين وأساتذة الجامعات، وإلى جانب حضور د. سليم الحص، رئيس وزراء لبنان الأسبق، ومحمد فائق أمين عام المنظمة العربية لحقوق الإنسان، كان بين الأعضاء الحضور عدد من الوزراء والنواب والسفراء وكبار الضباط السابقين من أحد عشر قطراً عربياً.
وفي الجلسة الافتتاحية خاطب المؤتمر كلاً من: د. سليم الحص، ومحمد فائق، ود. حارث الضاري، والمطران د. عطا الله حنا، ومنير شفيق المنسق العام "للمؤتمر القومي الإسلامي"، وخالد السفياني أمين عام "المؤتمر القومي العربي"، ثم جرى استعراض "تقرير حال الأمة 2006 – 2007، الذي أعده تسعة من علماء السياسة والاجتماع والاقتصاد أعضاء المؤتمر، كما ناقش مسودته عدد آخر من المفكرين والكتاب المعروفين، ويقع التقرير في 225 صفحة من القطع الكبير تناولت تسع قضايا: السياق العالمي، ومحنة النظام العربي، ومعضلة الديمقراطية في الوطن العربي، وتطور القضية الفلسطينية، واحتمالات الحوار والحرب في لبنان، وسياسات الوحدة والانقسام في العراق، ورهان الدولة الوطنية في السودان، وتحولات المسألة الصومالية، وأداء الاقتصاديات العربية عام 2006، وبرغم وضوح تحفظ غير يسير من الأعضاء على ما تضمنه التقرير شارك في مناقشته معظم الأعضاء، في حوار ديمقراطي، مما يعني ارتقاء مستوى الحوار السياسي العربي بقبول الرأي الآخر، وكان د. عزمي بشارة قد خاطب المؤتمر في مستهل الجلسة الثانية في يومه الأول.
وفي جلسة اليوم الأول المسائية جرى استعراض المسودة الثالثة للمشروع النهضوي الحضاري العربي، التي تقع في 50 صفحة من القطع الكبير، تناولت المسائل التالية: ضرورة النهضة، التجدد الحضاري، الوحدة، الديمقراطية، التنمية المستقلة، العدالة الاجتماعية، الاستقلال الوطني والقومي، آليات تحقيق المشروع النهضوي العربي، وبعد استعراض مسودة المشروع النهضوي توزع الأعضاء على ثماني لجان عمل للبحث في القضايا التي تضمنها وتطوير عمل المؤتمر، وفي صباح اليوم الثاني من أيام المؤتمر انخرط أعضاء كل لجنة في حوار ديمقراطي حول القضية التي اختاروا مناقشتها والوصول إلى توصيات بشأنها، وفي اليوم الثالث عقد المؤتمر جلسات عامة لمناقشة تقارير اللجان الثمانية، ثم رفعت توصيات اللجان للجنة الصياغة، ليصار إلى إصدار المسودة الرابعة للمشروع، وقد تقرر توزيعها على مائتي مفكر وباحث عربي من مختلف ألوان الطيف السياسي والفكري للاستئناس بآرائهم حول المشروع قبل إصداره في صورته النهائية.
وفي مناقشات تقرير حال الأمة، ومسودة المشروع النهضوي الحضاري العربي، وتقارير لجان العمل الثمانية، بدا جلياً إدراك العديد من أعضاء المؤتمر عمق تردي أداء النظام الرسمي العربي، وعجزه عن توظيف انجازات المقاومة في العراق ولبنان وفلسطين التي وضعت إدارة الرئيس بوش وحكومتي بلير وأولمرت على حافة الانهيار، إذ بدت بشكل صارخ استجابة النظام العربي للإملاءات الأمريكية والاشتراطات الأوروبية والصهيونية.
ففي موضوع فلسطين حذر البيان من توظيف "مبادرة" القمة في انتشال العدو الصهيوني من نكسته، ودعا لرفع الحصار عن الشعب الفلسطيني، ورفض التنازل عن حق العودة والقدس وكل أشكال التطبيع، كما طالب بإعطاء الفلسطينيين في الأقطار العربية كامل الحقوق المدنية والإنسانية، وفي موضوع العراق أدان المحاكمات الصورية، ودعا لمقاطعة حكومة الاحتلال، وطالب بدعم المقاومة وإنهاء الاحتلال، وإذ أكد حق إيران في امتلاك الطاقة الذرية للأغراض السلمية سجل اعتراضه على سياساتها في العراق، ودعاها لدعم المقاومة الوطنية العراقية وتعميق الحوار حول المصالح المشتركة، كما أكد حق لبنان في المقاومة ورفض التدخل الأجنبي، والتمسك باتفاق الطائف، واستعادة الحوار الوطني وفتح قنواته مع سوريا، كما عبر البيان عن قلق المؤتمر تجاه ما يتهدد النسيج الاجتماعي والهوية العربية لدول مجلس التعاون الخليجي، وأكد وقوفه إلى جانب السودان في مواجهة الهجمة الامبريالية المتجددة عليه، وأدان العدوان الأثيوبي على الصومال، فيما أكد دعم وحدة المغرب العربي، وإلى تعزيز اللغة والثقافة العربية التي تتعرض لهجمة شرسة باعتبارها أهم عناصر وحدة الأمة وأسباب مناعتها.