بغداد تصنع بالرصاص زمانها

بقلم: فهد الريماوي – رئيس تحرير (المجد) الأردنية

بغداد.. ما صلبوها ولا اجتاحوها في التاسع من نيسان، ولكن شُبه لهم.. فها هي بعد أربع سنوات تبتلعهم زرافات ووحداناً، وتجترهم ليلاً ونهاراً، وتتقيأهم في صورة توابيت طائرة وعاهات مستديمة.

بغداد.. ما قتلوها ولا احتلوها قبل أربع سنوات، ولكن أنفسهم كانوا يخدعون.. فها هي بغداد تقاتلهم عند كل منعطف، وتحاصرهم من كل جانب، وتضعهم أمام الخيار صفر حيث لا قدرة لهم على الانتصار المأمول، ولا فرصة أمامهم للانسحاب المضمون.

بغداد ما سقطت بأيدي الغزاة، ولكنهم تساقطوا تحت أقدامها.. بغداد ما رضخت لشروط المحتلين، ولكنهم خضعوا لشروطها، وأذعنوا لاملاءاتها، وامتثلوا لإرادتها، وحسبوا ألف حساب لمجاهديها ومقاومتها، وندموا أشد الندم على تهورهم في غزوها واحتلالها.

أين جورج بوش المهزوم والمأزوم هذا الأوان، من جورج بوش الذي أعلن من على ظهر حاملة طائرات أمريكية "انتهاء المهمة"، وانتزاع النصر، يوم الأول من شهر أيار عام 2003؟؟

أين دونالد رامسفيلد الخرف والمنبوذ هذا الأوان، من ذلك الرامسفيلد المتعجرف والمغرور الذي هبط كالطاووس على أرض الرافدين بعد بضعة أسابيع من غزوها واستباحتها؟؟

أين ديك تشيني وعصابة المحافظين الجدد، وعملاؤهم في "المعارضة" العراقية هذا الأوان، مما كان عليه حالهم وبالهم وآمالهم ومخططاتهم قبل أربع سنوات؟؟

صحيح أن العراق قد دفع ثمناً غالياً لهذا العدوان الإجرامي الأثيم، ولكن الصحيح أيضاً أن أمريكا المرزوءة برعونة جورج بوش، وأحقاد العنصر اليهودي، قد دفعت وما تزال تدفع ثمناً باهظاً من دم جنودها، ومكانة قيادتها، ووحدة شعبها، ومليارات دولاراتها، ومستقبل نفوذها في العالم·· وإلا كيف يمكن أن نفهم قول هنري كيسنجر ما غيره، بان الحرب الأمريكية على العراق أشد خطراً وضرراً من مثيلتها على فيتنام؟؟

لو عرفتم الغيب لاخترتم الحاضر، ولو علم الأرعن بوش بما ينتظره في العراق، لما اندفع بكل هذه العنجهية الغبية للتورط في حرب ظالمة ومجانية لا مبرر سياسياً، أو عسكرياً، أو أخلاقياً لها، بعد أن كان قد اتضح له مسبقاً، وقبل إطلاق أية رصاصة، أن العراق لا يمتلك أسلحة دمار شامل، وأن نظامه لا يتعاون، أو يتعامل قط مع تنظيم القاعدة.

إنها لا تعمى العيون، ولكن تعمى القلوب التي في الصدور.. القلوب المعبأة بالحقد الصليبي، والتحريض اليهودي، والغطرسة الغوغائية.. فلو تفكر هذا الرئيس الضليل قليلاً، ولو احتكم إلى الحساب السياسي السليم، ولو أصم أذنيه أمام "نصائح" المحافظين الجدد شأن ما فعل من قبله الرئيس كلنتون، لما استنزف بلاده في حروب خاسرة بالعراق وأفغانستان، ولما جعل أمريكا محل كراهية شعوب العالم، ولما خذل حزبه الجمهوري المرشح للهزيمة والغياب، ولما دخل التاريخ من أبوابه الخلفية والجهنمية.

على أن "اللعنة العراقية" لا يجوز أن تهبط على بوش وحده، فهناك الكثير من الشركاء الأشرار الذين يتعين أن يقاسموه اللعنة، وأن يشاطروه الحساب والعقاب.. هناك المجرم طوني بلير، سليل الإجرام الاستعماري البريطاني منذ مئات السنين، وهناك البرادعي وبليكس وكوفي أنان الذين وضعوا الأمم المتحدة في خدمة العدوان على العراق، وهناك المعارضة العراقية العميلة التي شكلت للمعتدين "حصان طروادة"، وهناك بعض الحكام العرب الذين خانوا عروبتهم حين فتحوا أراضيهم وأجواءهم لعبور وتموضع القوات الأجنبية الغازية.

على الباغي سوف تدور الدوائر، فبغداد مازالت تقاتل، ولسوف تبقى في رباط إلى يوم التحرير الذي بات منظوراً بالعين المجردة، ومادام فيها قائد مقدام من طراز المجاهد عزت الدوري فلا خوف عليها، ومادام فيها حزب مناضل مثل حزب البعث فلا مناص من انتصارها، ومادام في ثراها شهيد خالد يلهمها ويعلمها مثل صدام حسين فلابد أن تستعيد قريباً وحدتها الوطنية، وهويتها العربية، ورسالتها القومية.

كان المفترض أن يهب العالم لنصرة بغداد المعتدى عليها زوراً وبهتاناً وبدعاوى اتضح أنها زائفة، ولكن الحاصل أن بغداد هي التي انتصرت للعالم ونصرته، فلولا مقاومتها الباسلة والمتواصلة منذ أربع سنوات لتغير وجه "الشرق الأوسط"، وتوارى المشروع النووي الإيراني، وانكمشت الروح الثورية في أمريكا اللاتينية، وأطبقت القبضة الأمريكية الحديدية على سائر أرجاء العالم.

لو أن العالم محكوم بمعايير العدالة وليس النذالة، ومسكون بقيم النزاهة وليس التفاهة، ومنحاز لحقوق الإنسان وليس طغيان الأمريكان، لما أُرسل صدام حسين إلى المشنقة، ولما أُعيد العراق إلى العصر الحجري، ولما شارك في العدوان أكثر من ثلاثين دولة، ولما لاذت دول العالم بالصمت الخسيس بعد أن اتضح بكل جلاء، وبشهادة الأمريكان أنفسهم، أن العراق كان خالياً من أسلحة الدمار الشامل، وبعيداً عن التعامل مع تنظيم القاعدة وسائر الحركات الإرهابية.

ولكن هذه هي إنسانية العالم الرأسمالي، وهذه هي عدالة النظام العالمي الجديد، وهذه هي رسالة الأمم المتحدة، وهذه هي قيم وأخلاق العولمة التي يريدونها بديلاً للهوية الوطنية والقومية، وهذه هي سوية قادة القرن الحادي والعشرين من أمثال شيراك وميركل ويوشنكو وبيرلسكوني وبرويز مشرف.

هو، على أية حال، وضع عالمي أناني وسخيف ومأزوم سياسياً وبيئياً وأخلاقياً.. فمادام قد أذعن - طوعاً أو كرهاً - لقيادة اليانكي الأمريكي الموبوء بالدهاء اليهودي، فليس لهذا العالم البائس أن ينتظر عدلاً، أو يستبشر خيراً، أو يتوقع الرشاد والسداد في أية قضية.

وعليه.. ففي خضم عالم تائه يراوح بين الأعجوبة والأكذوبة، كان حرياً ببغداد أن تعتمد على ذاتها، وأن تستنفر قواها وإمكاناتها، وأن تقاتل بالطريقة التي تناسبها ولا تناسب أعداءها، وأن تستغني عن الأقارب قبل الأباعد، وعن الأشقاء قبل الأصدقاء.. فبغداد كائن عبقري يصنع زمانه، ويقود تاريخه، ويرسم مستقبله، ويخلق مقاومة أسطورية واستثنائية ليس لها من حليف غير الشعب، وليس لها من نصير سوى الله.

بغداد لا تنتظر العالم كي يحررها، بل هي التي ستحرر العالم من الطغيان الأمريكي.. بغداد لا تنتظر العرب كي يعيدوا وحدتها الوطنية، بل هي التي ستقرب العرب من وحدتهم القومية.. بغداد لا تنتظر المسلمين كي يهبوا إلى نجدتها، بل هي التي ستنصر المسلمين وتهب إلى نجدتهم.. بغداد لا تنتظر المعجزات كي تخفف عنها البلاء، بل هي التي ستصنع المعجزات والبطولات الخارقة وفق ما ألهمها وأوصاها شهيد العيد، ونزيل التاريخ المجيد.. صدام حسين.