حول مفهوم صراع الحضارات

في حوار للناشط السياسي الأردني الدكتور هشام البستاني مع صحيفة الراية القطرية:

 

- خطاب صراع الحضارات وهمي ومزور والفرز القائم على الدين تضليلي.

- حوار الأديان محاولة أخرى لتوجيه الأنظار بعيداً عن التناقضات الأساسية مع الإمبريالية.

- مشكلة الغرب هي مع الإسلام المقاوم لأن أي صيغة أخرى للإسلام مقبولة.

- هدف الإمبريالية النهب والهيمنة وهي تسحق أي مقاومة لتحقيق ذلك مهما كان محتواها الأيديولوجي.

 

أجرى الحوار - أسعد العزوني

اكد الباحث السياسي الأردني الناشط الدكتور هشام البستاني أن صراع الحضارات مفهوم صاغه منظر اليمين الأمريكي صموئيل هنتنغتون لتضليل العالم بأسره بما فيه الشعب الأمريكي. وقال البستاني لـ "الراية" أنه حال ان تم القضاء على المنظومة الاشتراكية، تخلت الرأسمالية عن تمويل دولة الرفاه. مضيفا أن العديد من الدول الغربية تشهد حاليا صراعات داخلية بسبب ذلك.

وتاليا النص الكامل للحوار الذي تجدوه أيضا على الرابط:

http://www.raya.com/site/topics/article.asp?cu_no=2&item_no=237554&version=1&template_id=43&parent_id=42

 

س: بالنظر إلى ما يحدث حولنا في العالم الآن، هل نستطيع القول أننا نعيش "صدام الحضارات"؟ وما الذي أوصل العالم "المتحضر" لهذه المرحلة؟

- برأيي أننا يجب أن نسأل أولاً: هل صدام الحضارات موضوع حقيقي أم مفبرك؟ هل هو موضوع قائم بذاته أم أنه غطاء لصراع ذو طبيعة أخرى؟

الحق أن "صدام الحضارات" هو مفهوم صاغه أحد أهم منظري "المحافظين الجدد" في الولايات المتحدة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي والمعسكر الاشتراكي وانتهاء الحرب الباردة: صامويل هنتنغتون.

في تلك اللحظة التاريخية، خرج منظران اثنان للتعبير عن الدعاية الرأسمالية لتلك المرحلة:

أولهما هو فرانسيس فوكوياما الذي تحدث عن "نهاية التاريخ"، أي الانتصار النهائي للرأسمالية واستتبابها كنظام اجتماعي/اقتصادي شمولي وأوحد للبشرية، منهية بذلك الصراعات، ويستقر المجتمع البشري إلى ما لانهاية بصيغة ما بعد الحرب الباردة. فوكوياما وعبر هذه الأطروحة حسم محصلة قانون وحدة وصراع الأضداد الماركسي في فهم حركة التاريخ والمجتمعات باتجاه انتصار الرأسمالية في مرحلتها "المعولمة" انتصارا نهائيا، وعليه ينظر فوكوياما إلى أن الليبرالية الرأسمالية هي الوحيدة القادرة على إنهاء الصراعات وتحقيق السعادة للبشرية، وسنعود لاحقا لنقاش أطروحة فوكوياما هذه التي تخلى هو نفسه عنها مؤخرا بالمناسبة.

المنظر الثاني هو صامويل هنتنغتون، صاحب عبارة "صراع الحضارات"، والذي (بعكس فوكوياما) لم ير نهاية للتاريخ في انتصار الرأسمالية على المعسكر الاشتراكي، بل على العكس، وجد فيه بداية أو تبلورا لصراع آخر: صراع "الحضارة" اليهو/مسيحية (اليهودية المسيحية) في مواجهة "الحضارات" الشرقية: الإسلام والبوذية وغيرها. بالنسبة لهنتغتون إذا، ما زال تاريخ الصراع مفتوحا، وما زالت الرأسمالية "متوترة" ولم تنجز استقرارها الكامل.

من الواضح أن المفهومين متناقضين: ففوكوياما عبر عن أيديولوجيا ليبرالية مثالية وميتافيزيقية، واستلهم نموذج دولة "القيم والمؤسسات، الديمقراطية، الحريات الفردية، حكم القانون، والازدهار المؤسس على الحرية الاقتصادية"، و"دولة الرفاه الاجتماعي" الرأسمالية، (حيث وفرت الدولة ضمانا اجتماعيا وتأمينا صحيا وتعليما مجانيا لمواطنيها، إضافة إلى ضمانات عمالية جيدة) على أساس أن هذا هو النموذج الذي سيستمر مقدما الرفاه والسعادة للبشر. نسي فوكوياما (أو ربما لم تسعفه مثاليته) إن رأس المال هدفه الأول هو تعظيم أرباحه بغض النظر عن أية اعتبارات أخرى. ولم تكن دولة الرفاه الاجتماعي التي أنجزها سوى ثمن اضطرت الرأسمالية لدفعه درءا "للخطر الشيوعي" الذي كان يعد بمساواة وتوزيع عادل للثروة بين جميع الناس، وعليه، كان لا بد للرأسمالية من أن تدفع جزءا قليلا من أرباحها للوقوف في وجه النموذج الأكثر عدالة منها، في جانب هام، كانت دولة الرفاه الاجتماعي اقل كلفة بكثير من مواجهة ثورات عمالية داخل الدول الرأسمالية نفسها.

وبحسب (قانون العلة والمعلول) الشهير، فما أن تنتفي العلة (وهي هنا المنظومة الاشتراكية) حتى تتخلى الرأسمالية عن تمويل دولة الرفاه، بل تتخلى حتى عن دولة القانون، ونشهد تحولها الأيديولوجي المتسارع من الليبرالية إلى النيولبرالية، وهو التحول الموضوعي الذي فشل فوكوياما في استقراءه، فسحبت الرأسمالية مساهماتها في السياق الاجتماعي: فعدلت برامج الضمان الاجتماعي والتأمين الصحي بما يقلل بشكل كبير مكتسبات الناس في الدول الصناعية، إضافة إلى سحب حقوق العمال (قانون العمل المقترح في فرنسا قبل سنة مثلا، والذي أثار مظاهرات كبرى هناك)، والتخلي عن مجانية التعليم (الصراع الكبير الدائر حاليا في اليونان بين الحكومة والمعارضة حول إدخال تعديلات دستورية تسمح بإنشاء جامعات خاصة)، إضافة إلى ابتزاز عمال الدول الصناعية بعمال العالم الثالث (الاستغلال المزدوج وألعوبة الرأسمالية لوضع العمال في مواجهة بعضهم بدلا من مواجهتها).

وأخيرا، كان لا بد للقطب الأوحد المتبقي (الإمبريالية الأمريكية) من الخروج لغزو العالم ونهب ثرواته وبسط الهيمنة عليه بشكل واضح ومباشر: من جهة لضبط القوى الاقتصادية الأخرى الصاعدة (أوروبا، الصين، اليابان) ومحاولة إبقائها تحت العباءة الأمريكية، ومن جهة ثانية للقضاء على أية مشاريع مناقضة أو أية أشكال مسلحة مقاومة ضدها.

هذا يجيب على السؤال حول السبب الذي أوصل العالم "المتحضر" إلى هذه المرحلة: هو لم يصل "إلى هذه المرحلة"، بل أن هذه المرحلة كامنة في البنية العضوية للرأسمالية وتنتظر فقط الظرف الموضوعي الملائم لتتجلى.

هكذا أصبح فوكوياما خارج السياق: فلا التاريخ انتهى، ولا الصراعات، ولا استتب الأمر للرأسمالية، لا بأيديولوجيتها الليبرالية ولا النيولبرالية، فصار لزاما عليه أن يعلن فشل قراءته، ومعارضته لمشروع المحافظين الجدد (النيوليبراليين) وهو ما فعله أخيرا.

س: هل يعني هذا أن طروحات صامويل هنتنغتون الأكثر يمينية هي الأكثر دقة؟

- هنتنغتون في جانب منه أكثر مادية من فوكوياما، فهو يعي أن التاريخ والصراعات داخله ما زالت مفتوحة، ولكنه كفوكوياما: ميتافيزيقي، ويطرح خطابا مضللا من حيث تعريفه لأس الصراع على انه "حضاري".

أيديولوجيا هنتنغتون (أيديولوجيا صراع الحضارات) هي أيديولوجيا تضليلية وتبريرية في آن، تحمل جوانب دقيقة وصحيحة (استمرارية التاريخ والصراع وعدم تحقيق الانتصار النهائي للرأسمالية)، ولكنها تشكل الأرضية المثالية للدعائية للنيولبرالية في الداخل والخارج، من حيث ان عدوان الامبريالية على الآخرين هو ضروري ومبرر للحفاظ بالمعنى الوجودي على "الحضارة اليهو/مسيحية" في وجه الآخرين من "الهمج". كما تشكل الأرضية لتزوير الصراع عند المستهدفين من "شعوب العالم الثالث" من صراع على موارد وبشر وجغرافيا سياسية (صراع مادي) إلى صراع على أديان وحضارات (صراع ميتافيزيقي).

وسأفصل فيما يلي التضليل الذي يطرحه هنتنغتون:

فهو موجه للداخل لإقناع شعوب الدول الرأسمالية الغربية تحديدا بان هناك خطرا ماحقا يتهددهم، وأنه لا بد من الخروج لسحق هذا التهديد وفي مكانه قبل انتقاله إليهم، وان هذا الخطر لا يطال جزئيات متفرقة بل هو شامل لكل مكونات الحياة كما يعرفونها (خطر ضد "الحضارة" نفسها) لذلك فالمعركة معه معركة حياة أو موت.

هكذا تتم إعادة إنتاج "إمبراطورية الشر" (الاسم المبتكر للاتحاد السوفيتي في حينه) بشكل جديد، أكثر تجريدا هذه المرة، وأكثر صعوبة في التحديد. إنه العدو المثالي للنيولبرالية: شبحي، ولا يمكن إمساكه حقا، وقابل للتشكيل وإعادة التشكيل كل مرة.

كما لا يجب أن يخفى علينا المحتوى العنصري في خطاب هنتنغتون حين يضع الأوروبيين والأمريكيين "المتحضرين" من الجنس الأبيض، في مواجهة الملونين "الهمج" من العرب والأفارقة وشعوب الصين وجنوب شرق آسيا (من المسلمين والبوذيين وغيرهم). والخطاب العنصري هذا قادم من الماضي الكولونيالي للرأسمالية، ومن مراحل ابعد في التاريخ (نتذكر ديمقراطيات الإغريق العنصرية التي يعتبرها هنتنغتون وفوكوياما دليلا على ديمقراطية المجتمعات الغربية)، وما زال هذا الخطاب حاضرا ومؤثرا بقوة في لا وعي (وحتى وعي) المواطن الأوروبي/الأمريكي. فمثلا: دعمت الحركات التقدمية الأوروبية بقوة المظاهرات الفرنسية من أجل إلغاء قانون العمل المجحف الذي قدمته الحكومة قبل سنة، في حين أنها لم تنبس ببنت شفة إزاء أحداث الضواحي في فرنسا نفسها قبل مدة قليلة من موضوع قانون العمل، السبب؟ لأن مظاهرات قانون العمل كانت بيضاء، في حين كانت أحداث الضواحي ملونة، وهو تحليل يشاركني به العديد من التقدميين الأوروبيين.

أما الاستهلاك الخارجي، فيتمثل في تضليل الشعوب المعتدى عليها من حيث فهم طبيعة الصراع الذي نواجهه، ودعم ترويج خطاب ميتافيزيقي متطابق مع الدعاية الامبريالية. فتصبح محاولات الهيمنة على البشر والموارد لاستغلالهم في البنية الرأسمالية للامبريالية حروبا "صليبية" ذات طابع ديني (أي حضاري، حيث لا يمكن الفصل بين الديني والحضاري في العقل العربي وفي خطاب هنتنغتون على حد سواء)، ويصبح العدوان من أجل السيطرة على احتياطيات النفط وتأمين الأسواق والعمال العبيد حربا على الإسلام، حربا على "الحضارة"، حربا دينية، ويخرج هنتنغتون نهاية عام 2001 وبعد أحداث 11 سبتمبر بمقال في مجلة "نيوزويك" الأمريكية ذو عنوان صارخ: "The Age of Muslim Wars - عصر الحروب الإسلامية"، فيما يكتب فوكوياما وفي نفس العدد (صدفة؟!) مقالا تحت عنوان أكثر وضوحا: "Today's New Fascists – فاشيو المرحلة الحالية الجدد"، وهي عبارة وجدت طريقها إلى جورج بوش نفسه عام 2006. (راجع مجلة نيوزويك، ديسمبر 2001 – فبراير 2002، الإصدار الخاص بمؤتمر دافوس).

المأساة أننا كشعوب مضطهدة، انطلت علينا هذه الألعوبة، ووصلنا إلى تبني نفس المنظومة الدعائية التي تروج لها النيولبرالية، وصرنا نقول أن هناك حربا على الإسلام والمسلمين تماما كما يقول هنتغتون، وأصبحت تيارات الإسلام السياسي شريكة في ترويج هذه الأطروحة لأنها تجذب إليها الجماهير أو على الأقل تضمن تعاطفا جماهيريا كبيرا، وأصبحت كلمات بوش الابن حول "حروبه الصليبية" في العراق واتصاله المستمر مع الله هي الأكثر التصاقا بالذاكرة. أما نهب النفط العراقي واستحواذ الشركات الأمريكية مثل "بكتل" على مليارات الدولارات من أموال الشعب العراقي على شكل عقود لإنشاء بنى تحتية تخدم الاحتلال، وممارسات مثل الحماية الحديدية التي قدمتها الولايات المتحدة لوزارة النفط العراقية في حين تركت باقي البلد بوزاراته وجامعاته ومتاحفه عرضة للنهب المنظم، كل ذلك يصبح لا معنى له في ظل حرب بوش على الإسلام!!

س: هذا يعني أن حرب أميركا على العراق لم تأت في سياق "حرب صليبية" كما قال بوش نفسه!..

- من البسيط جدا إثبات أن نيولبراليي الولايات المتحدة لم يأتوا للتبشير بالمسيحية الصهيونية في المنطقة العربية، كما لم يأتوا للتبشير بالحداثة التي يضعها كلا هنتنغتون وفوكوياما نقيضا للإسلام والمسلمين، لم تلحق بالجيوش الجرارة التي أرسلها الأمريكان أرتال البعثات الدينية وكتائب ترويج الحداثة والديمقراطية، بل لحقهم رجال "البزنس" من كبرى الشركات الأمريكية، بينما قاموا على الأرض بأكبر الفظائع التي تثبت كذب دعايتهم من القتل والدمار والتعذيب والاغتصاب (كذبة الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان) إلى تمكين ودعم الطائفية والمذهبية والإثنية (كذبة الحداثة).

تزوير الصراع، وتضليل المضطهدين بجعلهم يتبنون دعاية النيولبراليين على أنها استراتيجيتهم الحقيقية، سيؤدي إلى أن يقوم المقاومون باجتراح آليات مقاومة غير قادرة على تحقيق النصر في مواجهة العدوان، لأنهم من جانب يحاربون وهما أو شبحا دعائيا مبتعدين عن الأسس الموضوعية للصراع، إضافة إلى أنهم سيساهمون بتمكين الامبريالية  ودعايتها من خلال تبنيهم لها بالمقلوب (الضدان يوجدان معا في وحدة موضوعية وصراع وهمي).

س: لماذا اعتبر الإسلام هدفا للغرب بعد انهيار الشيوعية؟

- الإسلام ليس هدفا بحد ذاته، الهدف هو الموارد والأسواق والثروات، وأياً كانت العقبة أمام الاستحواذ على هذه الأمور، فهي تتحول إلى هدف من منظور الامبريالية، فالحزب الشيوعي الفليبيني والقوات المسلحة الثورية الكولومبية وكوبا وفنزويلا وبوليفيا ليست مسلمة أو إسلامية، ولكنها أيضا مستهدفة من قبل الامبريالية لأنها عقبة في طريق تحقيق الهيمنة على الموارد والأسواق والثروات، لكن "المعالجات" الامبريالية لكل عقبة تحكمها عدة أسس يأتي على رأسها حجم الثروات والجغرافيا السياسية التي تحتويها وقوة المقاومة وحجمها، فاحتياطيات النفط والغاز الموجودة في المشرق العربي وآسيا الوسطى، ووجود مراكز محتملة لمشاريع غير خاضعة للامبريالية (مصر عبد الناصر، عراق صدام حسين، إيران)، جعلها "قوس الأزمات" المفضل (بحسب تعبير برجنسكي) ومنطقة العمليات الرئيسية، وكون أغلبية قاطني هذه المنطقة من المسلمين لا يعني أن حرب النهب والاستغلال هي حرب على الإسلام – أي حرب دينية.

مسألة أخرى: إن قارة بكاملها هي أفريقيا، تنهب ثرواتها من الذهب والماس والنفط وغيرها، ويذبح أبناؤها يوميا بمئات الآلاف بواسطة الحروب الأهلية والمجاعة والايدز والتدخل العسكري المباشر، ويرتكب بحق أبنائها فظائع أكبر بكثير مما يرتكب بحقنا كعرب أو كمسلمين، ولكننا (بحكم تغييبهم عن الإعلام العالمي) لا نراهم ونعتقد أننا المضطهدون الوحيدون على هذه الأرض، فهل ما يرتكب بأفريقيا مثلا هو حرب على الإسلام؟ وكيف تتسق مقولة "الحرب على الإسلام" مع الحالة الأفريقية؟ إن هذا دليل واضح على أن المسألة هي حروب نهب وهيمنة واستغلال لا حروبا دينية أو حربا على الإسلام.

مسألة ثالثة: الامبريالية ليست عندها مشكلة مع الإسلام، حتى هنتنغتون يقول بأن "طبيعة العقائد والتعاليم الإسلامية، والتي يمكن لمعتنقيها استعمالها لتبرير الحرب أو السلام على حد سواء، مثلها مثل التعاليم المسيحية" ليست من أسباب عصر الحروب الإسلامية، فيما يذهب فوكوياما إلى ما هو أبعد من ذلك حيث يرى أملا في بروز إسلام "ليبرالي" يعزل ويزيل الشرعية عن "الإسلام الراديكالي".

إذاً المشكلة ليست مع الإسلام، وإنما مع الإسلام المقاوم، ولنكون أكثر تحديدا، فالمشكلة هي مع "المقاوم" لأن أية صيغ أخرى للإسلام مقبولة ولا غبار عليها.

إذاً كخلاصة: هدف الامبريالية هو النهب والهيمنة والاستغلال، وفي طريقها لتحقيق ذلك تريد سحق أية مقاومة مهما كان شكلها أو محتواها الأيديولوجي.

أما لماذا برزت هذه المسائل بعد انهيار الشيوعية، فالجواب ببساطة هو تحرك الإمبريالية الأمريكية لملأ الفراغ الذي أحدثه غياب القطب الثاني في العالم، والتحرك هذا أخذ ثلاثة أشكال: واحد باتجاه الداخل (القوانين الجديدة التي تصادر جزءا كبيرا من الحريات والمكتسبات داخل الدول الرأسمالية)، وواحد باتجاه الشرق (أوروبا الشرقية)، وثالث باتجاه الجنوب (المنطقة العربية وآسيا الوسطى) حيث كانت الممانعة أكبر وأشد عنفا لتاريخية الصراع فيها.

س: ما رأيك بحوار الأديان وبخاصة بين المسيحية والإسلام؟ وحسب فهمك للأمور هل يجدي الحوار الديني مع اليهود؟ وهل من دور للمسيحيين العرب والمسلمين الغربيين في التهدئة؟

- الفرز القائم على الدين هو فرز تضليلي، فالمسلم العربي كما المسيحي العربي هو إما من الطبقة التابعة للامبريالية وبالتالي فولاءاته محسومة ومعروفة، وإما من الطبقات المسحوقة والمضطهدة وهذا له مصلحة في النضال والمقاومة، ليس للدين علاقة بالمسألة.

وكما أن خطاب "صراع الحضارات" هو خطاب وهمي ومزور، ، فخطاب "حوار الأديان" هو خطاب وهمي ومزور أيضا ومن جانبين أساسيين:

الأول أنه يفترض الخلاف ابتداءا وإلا لما كان هناك حوار، وهو بذلك يضع الناس في مواجهة بعضها البعض على أنهم فرقاء.

الثاني أنه يتضمن تشخيص حالة الصراع القائمة على أنها صراع أديان يمكن حلها أو تلطيفها بالحوار ما بينها، وينفي أساس الصراع الموضوعي (الهيمنة والاستغلال والنهب والاحتلال).

حوار الأديان هو محاولة أخرى لتوجيه الأنظار بعيدا عن التناقضات الأساسية مع الامبريالية وأهدافها الحقيقية، القصة ليست قصة مسلم أو مسيحي أو يهودي أو غير مؤمن، القصة أن هناك استغلالا تجب مواجهته، فيهودي ينادي بإزالة الكيان الصهيوني مثلا هو حليف، في حين أن مسلما يعترف بـ"اسرائيل" ويوقع معاهدات معها هو عدو.

الصراع ضد الامبريالية هو صراع طبقي بامتياز، والتوظيفات الدينية هي إما توظيفات لشراء الوقت (حوار الأديان) أو لتقوية المشروع الامبريالي (التفتيت الديني والمذهبي والطائفي).