جدار الأعظمية

د. عوده بطرس عوده *

ليس في تاريخ أمريكا أيام التفرقة العنصرية الرهيبة جدران حول أحياء العبيد السود، كان هناك ازدراء لهم، وكان هناك إرهاب يستهدفهم، وكان هناك إهمال متعمد لأحيائهم، وكانت المدن الأمريكية حتى اليوم متميزة في أحيائها الشمالية للبيض بمبانيها الفاخرة وشوارعها الواسعة ومتاجرها ومطاعمها الكبيرة الأنيقة النظيفة، وأحيائها الجنوبية للسود أحفاد الذين كان الاستعماريون الأوروبيون يصطادونهم في الغابات ويبيعونهم مقيدين بالسلاسل لشركات يهودية تنقلهم عبر الأطلنطي إلى موانئ جورجيا وكارولينا في الجنوب الأمريكي حيث كانوا يباعون في مزادات! ويعتبر حي "هارلم" في نيويورك أشهر الأحياء التي تعكس حالهم! وهو من الأحياء التي تتوقف الحافلات السياحية أمام مداخله دون المجازفة بدخوله.

كانت أوروبا المسيحية تعامل اليهود بقسوة وإذلال أشد فإلى جانب حملات الطرد الجماعي من بريطانيا وفرنسا واسبانيا التي تميزت كذلك بمحاكم التفتيش الرهيبة.. وامتد ذلك جنوبا إلى ايطاليا وشرقا إلى روسيا، وبفعل هكذا إرهاب مريع بعد إرغامهم بشد الوسط بحزام أصفر بارز ابتدأوا الانطواء في أحياء مغلقة محاطة بجدران عالية لا يدخلها غيرهم!

الذين لم يقدروا على تحمل تلك الأوضاع اتجهوا عبر مضيق جبل طارق والبحر الأبيض المتوسط إلى منطقتنا العربية الإسلامية التي يتساوى فيها بنو البشر بمختلف ألوانهم وأديانهم. وشاءت الأقدار بفعل الانقسامات الدينية والعشائرية بعد وفاة نبي الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم، وما لحق من العصور أن تقوم "اسرائيل" على انقضاض أغلبية شعبنا العربي الفلسطيني، وفق مخطط بريطاني فرنسي أمريكي وتخاذل عربي! ويوم أمس الأول الثلاثاء احتفل مغتصبو فلسطين بالعيد التاسع والخمسين لقيامها بحسب التقويم اليهودي، وراء الجدار الذي يحتمون به!

بهذا الإيجاز التاريخي نصل إلى جدار الأعظمية فالقوى الصهيونية هي التي أوحت إلى بوش بفكرة الجدار والحارات المغلقة بذريعة أنها الأجدى في تحقيق ما عجزت عنه القوة العسكرية! وأن البداية في تنفيذ هذه الفكرة الجهنمية ينبغي أن تكون في الأحياء السنية ببغداد العاصمة التي تتركز فيها عمليات المقاومة للوجود الأمريكي.

كما أن بوش مع الزمرة المحيطة به لم يتردد في اقتراف جريمة العدوان، فإنه لم يتردد في البدء بتنفيذ جدار الأعظمية السني، ومن ثم التدرج في إقامة الجدران حول أحياء بغداد، وإرغام سكان كل حي على حمل بطاقة هوية ملونة مختلفة عن الحارات الأخرى، وتنظيم المرور عبرها لأبناء الأحياء عند الخروج والدخول على غرار ما تفعله "اسرائيل" من عذابات وانتهاكات في الضفة والقطاع!

ولأنه لا وزن ولا قيمة للعملاء الذين تقتصر مهمتهم في تنفيذ ما يؤمرون به رغم الصفات التي يمنحهم إياها الحاكم الأمريكي، فإن أصواتهم المعارضة لجدار الأعظمية تذروها الرياح، وتفضحهم عمليات المضي في تنفيذه بأيدي وحدة أمريكية متخصصة! وربما بأيد "اسرائيلية" صهيونية!

قائد القوات الأمريكية الجديد في العراق الجنرال ديفيد بتراوس وكافة الجنرالات العاملين والمتقاعدين غير مقتنعين بجدوى الجدار ولا بزيادة أعداد الجنود، فعلى الرغم من تواضع ما تم إحرازه من تقدم فإن تزايد التفجيرات الانتحارية يجعل نجاح الحملة الأمنية في بغداد في نهاية الأمر غير مؤكد! وخطورة هذا الاعتراف الذي صرح به ونشرته صحيفة "واشنطن بوست" يدعم "الكونغرس الديمقراطي" في ضغطه على بوش للتخلص من أوهامه قبل أن تتكرر على أرض العراق مشاهد الفرار من سايغون الفيتنامية بسواعد المقاومين العراقيين الأبطال الذين يعتمدون على قدراتهم الذاتية وسط الإقطاعيات الوراثية التي ربط أصحابها مصيرهم بمصير مغتصبي فلسطين العربية!

* العرب التي تصدر في لندن