العراق والمقاومة.. ميثاق شرف واستراتيجية تحرير

علي الصراف

الخلاف الذي صار معلنا بين بعض فصائل المقاومة في العراق، يعكس في أحد جوانبه، شعورا عاما بقرب نهاية الاحتلال.

فحيثما يستعد الغزاة للرحيل، مكللين بالخزي الذي يستحقون، فأن من الطبيعي أن تبدأ فصائل المقاومة السباق، فيما بينها، إلى تقديم البديل.

ولكن وحدهم العقلاء والراشدون هم الذين يمكنهم النظر إلى تنافس فصائل المقاومة على أنه أمر طبيعي ومبرر بل وصحي أيضا.

فمن حق كل الذين بذلوا دماءهم من أجل التحرير أن يحظوا بالمكانة التي تليق بتضحياتهم وبسالتهم، ومن حقهم أيضا أن يجدوا لأنفسهم مكانا في الصدارة، وأن يلعبوا دورهم المشروع في صنع وصياغة المستقبل، وأن يحرص كل منهم على عنزته، ومن حقهم، أيضا وأيضا، أن يشاركوا في صياغة الوضع الذي ستُعلن بموجبه هزيمة الاحتلال، أو ما إذا كان يمكن إجراء مفاوضات، وأن يضعوا بصماتهم على شروطها.

وما لم يبدأ أحدٌ بنفي الآخر، فأنهم سرعان ما سيجدون أن أحدا لن يمتلك، وليس من المفيد أن يمتلك، تلك الصدارة بمفرده، وأن الشراكة مع مجاهدين، لا تُنقص من دوره ولا تُعيب.

ولأنهم شركاء حق، فحرامٌ حتى على الكثير أن يغيب واحدٌ من القليل، وسيرى المخلصون الطيبون انه لم يكن هناك أمام الموت صغير، فالكل كبير.

ووحدهم العقلاء والراشدون هم الذين ينظرون إلى الخلاف نفسه على انه أمر مشروع بين مناضلين يأتون من مشارب سياسية وعقائدية مختلفة. ولكنهم، إذ التقوا في ساحة الجهاد، فقد صاروا متساوين، من اجل نصرة قضية مقدسة، أو في الأقل، من أجل دحر عدو حقير لا تجب إلا هزيمته.

وقبول مشروعية الخلاف سوف تضع أساسا سليما لجعله خلافا مثمرا، بدلا من جعله خلافا تناحريا لا يفيد، كما يعرف حتى الطفل، إلا العدو الحقير ذاته.

وبرغم بعض البيانات الفردية ذات الطبيعة الصبيانية - وهذه بدورها شيء مفهوم - التي تستسهل الشطب والتكفير والتبخيس، فأن رسائل قادة المقاومة ومناشداتهم من اجل وحدة الصف وتحاشى الصدام، تكفى دليلا على أنهم ناضجون وواعون ويدركون مخاطر الفرقة ويستوعبون جيدا وسائل العدو الدنيئة لشق صفوفهم والتفريق بينهم من اجل حرف أنظارهم عن بوصلة الصحيح.

ووحدهم العقلاء والراشدون هم الذين يستطيعون أن يروا أن عيدانهم إذا تفرقت صار سهلا كسرها، ولكنها إذا اجتمعت فأنها هي التي ستكسر يد المحتلين وعملاءهم.

وبطبيعة الحال، فإن الكلام عن وحدة الصف، أسهل دائما من تنفيذه، ولكن اعتراف المختلفين باختلافهم، سيعني اعترافا ليس بوجودهم فحسب، بل وحقهم في أن يكون لهم دور ورأي أيضا، وبالتالي، في أن يجلسوا معا ليقولوا: "نعم، نحن نختلف، ولكن لدينا ما نستطيع فعله معا، ويمكن لنا أن نعثر سويا على قاسم مشترك يرضي الجميع، وأن الأفق الذي يفتحه اتفاقنا فسيح ويرفع كلمة الحق المشتركة خفّاقة في الأعالي، بينما ينزل بنا التناحر إلى حضيض الحضيض ويخسر الجميع".

***

قبول الآخرين، - وكلهم سواسية أمام الله لأنهم يقفون على باب شهادة واحد - قد يكون هو المفتاح الذي سيفتح باب التحرير على مصراعيه، وقد يكون هو المدخل لنصر لا أعظم منه ولا أكبر في العصر الحديث.

فقط، انظروا إلى ما تعنيه هزيمة إمبراطورية الروم، لتروا أي أفق سيكون، فأنجاس العمالة لن يبقوا، ولن ينتظر الصهاينة طويلا قبل أن يعيدوا اكتشاف فوائد الرحيل، وسيكون النصر نصرا للإسلام وللحرية وللعدالة ولاستئناف حقبة جديدة من التاريخ.

فالعراق، في آخر المطاف، عراق، ومثلما كان يراه صهاينة واشنطن ولندن على انه مدخل لعصر امبريالي جديد، فمن حق المقاومين أن يروه، مدخلا لاستئناف مجد تليد.

السؤال الجدير بالاعتبار أمام كل ضمير هو: أي خلاف أو اختلاف - مهما عظم - يجيز للمقاومين أن يبددوا صفحة كهذه في التاريخ؟، ألم نبدد، من تاريخنا، ما فيه الكفاية حتى الآن؟ ألا تلاحظون أن عدوكم المشترك يجر، منذ اللحظة ذيول الخيبة، ويبحث، هو نفسه، عن مخرج "مشرف" أمام بسالتكم التي تخزيه؟ فبأي حق تجيزون لأي خلاف أن يقلب نصركم الواقف على الأبواب إلى هزيمة عاصفة تنحركم وتنحر التاريخ؟ ومن ذا الذي سيجرؤ على أن يتحمل مسؤولية كهذه أمام الله ورسوله ومئات الملايين من الضحايا الذين ما يزالون ينتظرون فرجا وفتحا قريبا؟ ألا أنكم، لو بددتم في الخلاف، هذه الفرصة، فلن تقوم لنا قائمة أبدا.

المسلمون، إذ يصلون، فأنهم ينزلون بجباههم إلى الأرض، تواضعا وذلا إلى الله، وهذا لا يُنقص من أحد شيئا، وهو من أكرم ما يمكن لبشر أن يفعلوه، فتواضعوا لبعضكم البعض، ولينحني كل منكم بقامته لأخيه، لأنه شهيد مثله، وليصغى له، بقلب مفتوح، وضمير حي، وليقل له: "هذا ما أراه، فخذني برحمة الله وعطفه واقبلني كرفيق وأخ وصديق، ودعني أعمل ما نتفق عليه".

أتنازلٌ كبيرٌ هذا؟

حسنا، انه لا أكثر من انحناءة تواضع أمام التاريخ، وهو لا يُنقص من أحد شيئا، وهو من أكرم ما يمكن لمجاهدين أن يفعلوه.

***

المقاومة بدأت عفوية، في جانب كبير منها، وانتظمت في مجموعات قبل أن تتحد في فصائل، ولا شيء يمنع اليوم أن تجتمع فصائلها السبعة الكبيرة في مجلس واحد، يقبل الاختلاف فيما بينها، على انه من واقع الأمور، ولكنها تجتمع على ميثاق شرف يحدد، فيما بينها، مدونة قيم وأخلاقيات ومبادئ تكون ملزمة للجميع، ويخرج عنها مجلس للتقاضي يُحتكم إليه في كل ما له صلة بالميثاق.

وككل ميثاق قيم ومبادئ، فأنه إن لم يبدأ بالموجب - لتحديد ما يمكن فعله -، فانه يمكن أن يبدأ بالسالب -لتحديد ما لا يمكن فعله - فيكون مدونة معايير يقاس عليها، ويكون بمثابة دستور نضالي يحدد قواعد العلاقات ما بين هذه الفصائل، ويقرر سبل الاحتكام في خلافاتها وآلياته، ويكون مجلس التقاضي مستقلا، وذا شخصية اعتبارية عليا وأحكامه ذات قيمة معنوية، ومادية رفيعة أو حتى غير قابلة للنقض.

لا قتال ولا شطب ولا تكفير ولا تبخيس بين المجاهدين، هذا مبدأ أول. وكل الذين رفعوا سلاحا في وجه الاحتلال وعملائه لهم الحق في أن يكون العراق عراقهم وأن يكون لهم مكان ودور فيه.

ولئن كان من حق أي أحد أن ينتقد تجربة البعث في السلطة، فالنقدُ حقٌ مشروع، وهو لا يبخس من حق المجاهدين البعثيين في أن يكون لهم المكان والدور الذي يستحقونه في عراق المستقبل.

حصلت أخطاء، وجلّ من لا يسهو، وكلنا بشر، على أي حال. ولكن الجهاد يجبُّ ما قبله، وشهداؤهم من أكرم البشر، وكغيرهم من الشهداء هم "أحياء عند ربهم يرزقون".

وحتى الذين جاءوا من الخارج ليجاهدوا ضد الاحتلال يجب أن يحظوا بمنزلة العراقيين، لأنهم عمّدوا انتماءهم إليه بدمهم.

وفكرة أن هناك "إرهابيين" أجانب مقابل "مقاومين" عراقيين، ليست سوى فكرة تافهة وممجوجة وتستهدف شق الصفوف والتضحية بمقاتلين أشداء.

نعم، هناك "إرهابيون"، وهم عصابات القتل المجاني التي تحركها أصابع عملاء الـ "سي. آي. أي" و"الموساد" و"الحرس الثوري" لدعم مكانة الجماعات الطائفية التي تستولي على السلطة بحماية دبابات "العم سام"، ولكن لا يوجد إرهابيون بين صفوف المقاتلين ضد قوات الاحتلال وعملائها، فهؤلاء كلهم مقاومون، وكلهم شهداء، وكلهم طاهرون، حتى ولو جاءوا من المريخ.

وفى الواقع، فأن المرء لا يمكن أن يكون سخيفا إلى تلك الدرجة التي يرى فيها 150 ألف جندي أجنبي لحماية حكومة مهلهلة ويظل قادرا على رفض وجود "مقاتلين أجانب" في صفوف المقاومة.

ولقد قدم قادة المقاومة، عبر رسائلهم الأخيرة، الدليل تلو الآخر على تواضعهم وحرصهم على وحدة الصف، ووضعوا أنفسهم أمام الحساب ليبرهنوا على صدق سريرتهم ونبل محتدهم ورفعة شأنهم، ونواياهم البيّنة، بكل ما يمكن من شفافية، صارت مما لا يجوز التشكيك فيه، إلا لمن شاء أن يشق الصف بنفسه.

الأهم من ذلك، هو أن قادة المقاومة تخاطبوا كإخوة، ليقولوا من باب آخر، أنهم يقبلون وجود تلك الفصائل ويعترفون بمكانتها ويسعون إلى التعاون معها ويحرمون التقاتل ضدها، وهذا يكفي، لكل عاقل رشيد، أن يشكل مدخلا للتلاقي على أرضية مشتركة تكون منطلقا لبدء الفصل الأخير في مسيرة التحرير.

ولكن هذه المسيرة لن تتكلل بالنجاح، والنجاح لن يتكلل بالاستقرار والثبات، من دون استراتيجية مشتركة، ومن دون تصور مشترك لحكومة الغد، ومن دون إطار تنظيمي يحفظ حقوق كل فصائل المقاومة في السلطة، ومن دون خطة عمل لقضايا الأمن وإعادة البناء والحقوق المدنية لكل الطوائف والأقليات التي تمنح فسيفساؤها العراق معناه وهويته وروحه الخاصة.

ولا شك أن كل واحدة من هذه القضايا يمكن أن تكون موضع خلاف واختلاف، إلا أن شيئا لن يمنع من الاحتكام إلى مرجعية، أو حاكمية "أهلية أو مؤسسية"، من نوع ما، للفصل في الخلاف، ولجعله شفافا ومثمرا، وللبحث عن سبيل لمعالجته، إن لم يكن بالإيجاب، فبالسلب على الأقل.

إلا أن الوحدة هم الأهم، وهى الأساس الذي يعاد تأسيس الخلاف عليه. أو لنقل، إن الوحدة هي الطاولة التي نضع الخلاف فوقها ونجلس حولها لنتحاور، فإن لم نتفق تركناه عليها، لننصرف إلى مشاغل أخرى، والاحتراب هو أول ما يجب تحاشيه في الطريق إلى النصر، لأنه سيدمره.

وإذ لم تعد هزيمة الاحتلال لتحتاج إلى أكثر من قشة لتقصم ظهر البعير، فان وحدة فصائل المقاومة واتفاقها على استراتيجية تحرير، هما ما سيكون تلك القشة.

ولكم بعدها أفق التاريخ. وهو مفتوح وفسيح، لمن يجرؤون على التخلي عن عنزاتهم لينظروا إليه.