أطياف الشهيد المجيد صدام حسين - بناء الإنسان العربي

بقلم: اسماعيل ابو البندورة *

آمن الشهيد المجيد صدام حسين بأن حاضر الأمة ومستقبلها لا يمكن أن يبنى ويستقيم إلا ببناء شخصية وطنية قومية الأبعاد يكون لها الدور الأكبر في استلهام الأفكار الكبرى وتجسيدها على أرض الواقع وتتأسس على يقينات ثابتة ويحملها إنسان عربي متطلع إلى التقدم والنهضة والحرية، وآمن بأن الإنسان المهدور والمقهور لا يمكن أن يسهم في بناء هذه الفضاءات التحررية النهضوية وسيبقى دوره دور التابع الذي تقتصر مهمته على البقاء المجرد أو الفرد في القطيع الملتزم بالمحددات المقررة، والمجرد من الإبداع والخيال والقدرة على المبادرة.

ولذلك جعل الشهيد صدام حسين من عملية بناء الإنسان العربي قاعدة لكل تحول، وبدأ فكره يتجه إلى تحرير هذا الإنسان من قيوده الاجتماعية والسياسية والثقافية بمخاطبة الأنا العليا فيه وتحريك خياله وتحفيز قدراته وضخ الرؤى في عقله وتحرير إرادته وتقوية ضميره الوطني ووضعه أمام اختبارات الحياة والواقع ليكون ذاتاً تصنع الإحداث لا موضوعاً لها.

وقد كرس الشهيد المجيد جزءاً كبيراً من الوقت والجهد لتعميق هذه الفكرة وجعلها مفتاحاً لكل التطلعات، فالواقع هو الإنسان في أفق انطلاقه وتحرره وإبداعه وليس هو بناءات صماء لا حياة فيها ولا لمسات للإنسان في تركيبها، ولذا جعل الشهيد الإنسان أولاً قبل تحريك ما حوله وبدأ منه لرؤية هذا الماحول، وقد تحقق من جراء ذلك الإفصاح عن إمكانية الإنسان وعبقرية الشعب الجمعية، وهي التي انطلقت في بناء القاعدة التحتية للنهضة والبناء، ساعدها في ذلك وجود العوامل الايجابية الأخرى التي شكلت فضاءً مفتوحاً للإبداع والنهوض.

لقد عزز الشهيد المجيد الجانب الوطني في بناء الإنسان وجعل الانتماء للوطن والدفاع عنه والتضحية من أجله قاعدة أساسية لبناء الشخصية الوطنية الجمعية، فالإنسان يحب أرضاً ووطناً وفضاءً يعيش فيه ويكبر فيه وتبنى حياته فيه ولكنه في الوقت ذاته ينتمي إلى أمة وقومية عربية جامعة تتطلب منه جعل الانتماء الوطني قاعدة ضرورية وأساسية للانتماء القومي لا بديلاً عنه أو ابتعاداً عنه، فحب الوطن هو الخطوة الأولى لحب الأمة وإلا فإن الوطنية المجردة والمغلقة تصبح عائقاً أمام بناء الشخصية القومية الكلية والتي هي الغاية القصوى التي يطمح لها الشهيد بفكره ونضاله، وهي الهدف الذي ناضل من أجله طوال حياته بأن تكون الأمة قبل القطر وان تتقدم في كل المجالات على الانتماءات الصغرى والعصبيات القطرية.

لقد أنشأ الشهيد صدام حسين توازناً وانسجاماً في بناء الإنسان بين الانتماء الوطني والانتماء القومي بحيث لا يكون هناك أي تعارض أو تناقض بينهما، فأنت تبني وطنك في أفق قومي، وأنت ترى العربي شريكاً ورديفاً ولا تراه غريباً وهذا ما دعا الشهيد إلى تجسيده على أرض الواقع من خلال القوانين والإجراءات بجعل العربي سيداً في العراق لا طارئاً أو وافداً، وفتح المجال أمام قطاعات واسعة من أهل مصر والمغرب وفلسطين للقدوم إلى العراق والمشاركة في العمل والبناء انطلاقاً من أنهم أصحاب حق وليسوا أيدي عاملة لتحقيق أغراض آنية.

لقد آمن الشهيد المجيد بأن هذا الامتزاج والتقارب والشعور بمشروعية الوجود في قطر عربي يؤمن إيماناً حقيقياً بالقومية العربية وحق أبناء الأمة الواحدة بالتلاقي والاندماج هو الأرضية المناسبة لبناء الشخصية القومية العربية الوحدوية التي لا ترى الدولة القطرية والحدود القطرية إلا خطوطاً وهمية وواقعاً آنياً لابد أن ينفتح في المستقبل على فكرة الوحدة الكبرى الجامعة التي يتحقق فيها الانسجام والاتساق بين الانتماء للوطن والانتماء للأمة.

لقد غلبت على أحاديث الشهيد في كل اللقاءات مع القطاعات المختلفة من أبناء الشعب العراقي والعربي قضية بناء الإنسان وشخصيته الوطنية والقومية وكانت للشهيد طريقة خاصة في هذا المجال إذ أنه كان يحفز ويستثير الهمم والقدرات ويضع أمام الإنسان مهماته والتزاماته ويحدد له دوره وآفاق عمله وكانت تلك من بين أقوى المؤثرات على الإنسان المخاطب إذ أنه يرى نفسه في دائرة الفعل والإبداع، ولا يرى ذاته رقماً أو شيئاً بل إنساناً قادراً وذاتاً مبدعة وخلاقة ولها دور واضح في البناء والتقدم.

إن من شاهد عملية إعادة إعمار العراق بعد العدوان الأمريكي - الصهيوني الغاشم عام 1991 عندما أحرق هؤلاء البرابرة الحرث والنسل وهدموا البنية التحتية في كل مراتبها وأطوارها، كان يعجب من القدرات المذهلة لقدرات الإنسان العربي العراقي الذي أعاد بناء كل ما حُرق وهُدمَ بقدرات وطنية فريدة وبتضحيات هائلة وبعقل وطني خلاق جعل من الركام المقطع أبنية وجسوراً جديدة تشهد على عظمة الإنسان وهو يواجه القوى الغاشمة والظلامية.

وكنا على يقين أن وراء ذلك تربية وطنية عالية المستوى والمضمون، جعلت العربي العراقي يقدم على التحدي ويواجه البربرية بالإيمان والمعرفة والإرادة الخلاقة الخارقة، وعرفنا أيضاً وكما علمنا الشهيد المجيد أن خطوات النهضة والحرية تبدأ بالإنسان، وأن مستقبل الأمة يرتهن بهذه الفكرة وبأن لا يكون إنسانها غائباً أو مهدوراً بل حاضراً وخلاقاً!!

* عن "المجد" الأردنية