مجزرة في مقديشو- جريمة حرب أمريكية
ترجمة: د. عبد الوهاب حميد رشيد
يؤسس الحصار العسكري الوحشي ضد مقديشو جريمة حرب تتحمل مسئوليتها الولايات المتحدة بدرجة رئيسة. ففي حين أعطت وسائل الإعلام الرئيسة في الولايات المتحدة ظهرها للمذبحة، أخذت وحدات من الجيش الأثيوبي المدعمة والمدفوعة من قبل واشنطن بشن قصف مكثف على مقديشو ذات الكثافة السكانية، مؤدية إلى قتل الآلاف وإجبار مئات الآلاف الهروب من منازلهم لاجئين.
جاءت الجولة الأخيرة من القتال التي شنتها القوات الأثيوبية المدعمة أمريكياً مع قوات الحكومة المؤقتة لطرد مؤيدي اتحاد المحاكم الإسلامية التي أدارت العاصمة وغالبية الجنوب الصومالي قبل الغزو الأثيوبي في ديسمبر/ ك1 الماضي. تبع الحصار اعتداء أثيوبي مماثل ضد مقديشو قبل ثلاثة أسابيع وخلّفت هذه المعارك 1000 قتيل معظمهم من المدنيين.
أُطلقت قذائف المدفعية والدبابات بمشاركة الهليوكبترات في هذه المعارك من قبل القوات الغازية ودون تمييز على مدى حوالي عشرة أيام، تحولت أغلبية مناطق العاصمة إلى خراب، ولم تسلم المستشفيات والمدارس والمساكن منها.
ضربت أربعة صواريخ مستشفى أطفال SOS في مقديشو يوم الأربعاء، بل وأدى أحد هذه الصواريخ إلى تدمير جناح يضم 20 مريضاً سبق وجُرحوا نتيجة هذه المعارك.
"نحن نأسى لهذا القصف العشوائي على المؤسسات الصحية،" قالها ممثل اليونيسيف في الصومال كريستيان بلسليف اولسن "إنه فعل لا يمكن تبريره. أين تقبع مسئولية هذا الصراع؟ كل يوم يصبح الآلاف مشردين- أغلبهم من النساء والأطفال ممن يعيشون تحت مظلة رعب العنف."
ذكرت تقارير من العاصمة بانتشار روائح جثث القتلى في الشوارع دون أن يتمكن الناس من رفعها ولعدة أيام خوفاً من القذائف المستمرة. فقط يوم الجمعة وأثناء فتور المعارك بعد استيلاء القوات الأثيوبية على الضواحي الشمالية لمقديشو، بدأ المقيمون بإخلاء هذه الجثث.
في نفس الوقت، هرب من محيط القتال ما لا يقل عن 350 ألف مدني، مع احتمال ارتفاع الرقم إلى نصف مليون، ويقيم أغلبهم خارج العاصمة في غياب متطلباتهم الحياتية مثل الماء والغذاء والدواء. وحسب التقارير الواردة مات منهم في الحال 600، على الأقل، بسبب انتشار الكوليرا والأمراض الأخرى.
ذكر علي محمد غيدي رئيس الحكومة المؤقتة المدعمة أمريكياً يوم الجمعة "نحن ربحنا الحرب ضد المتمردين..." لكن الدبلوماسيين الغربيين والمراقبين يشككون بمدى صحة هذا الادعاء، ويتوقعون استمرار القتال طالما بقيت القوات الأثيوبية على الأرض الصومالية.
ادعى غيدي أن القوات الأثيوبية والقوات المؤيدة للحكومة المؤقتة تعمل على تصفية "جيوب المقاومة" وأنذر بقوله "سنلقي القبض على أي من بقايا الإرهابيين ممن هربوا." والإشارة لـ "الإرهابيين" تعني عناصر القاعدة.. ادعاء يخدم تبرير الحملة العسكرية الأثيوبية الوحشية التي نُفّذت في الصومال تحت زعم "الحرب على الإرهاب (حرب الإرهاب)."
فجّرت هذه المعارك، في الواقع، الصراعات القبلية بشكل واسع: قبيلة هيوي وتضم أغلبية سكان العاصمة- تقاوم سيطرة قوات الحكومة المؤقتة ذات الأغلبية من قبيلة دارود بضمنها الرئيس يوسف، وجيشه المتحالف مع النظام الأثيوبي.
كسبت إدارة المحاكم الإسلامية تأييداً واسعاً بين السكان بإقامة سلام نسبي وأمن في العاصمة الصومالية بعد العنف المستمر الذي ساد البلاد منذ سقوط نظام محمد سياد بري العام 1991. نجحت المحاكم في طرد لوردات الحرب الذين تسببوا في زعزعة أمن البلاد. ويعود الآن نفس هؤلاء اللوردات تحت الجناح الأثيوبي الأمريكي.
ظاهر عداء الصوماليين للقوات الأثيوبية عميقة جداً لارتباطها بوحشية حرب عام 1977 بين الصومال وأثيوبيا بشأن النزاع على إقليم أُوغادين وقادت إلى إصابات ثقيلة علاوة على ملايين اللاجئين.
دعمت واشنطن الغزو الأثيوبي في ديسمبر الماضي لاعتبارها المحاكم الإسلامية تمثل رأس رمح القوات الإسلامية المتطرفة في القرن الأفريقي الاستراتيجي، وبزعم حمايتها لنشاط القاعدة المتهمة بالتورط في تفجيرات السفارة الأمريكية في كينيا وتنزانيا العام 1998.
كذلك تم إرسال قوات أمريكية خاصة إلى الصومال لتوجيه العمليات الحربية الأثيوبية. وأصبحت تُشكل جزءً ملتحماً مع القوات الأثيوبية، جاعلة من واشنطن مسئولة مباشرة وصراحة عن حمامات الدم التي نُفّذت في الأسابيع العديدة الماضية.
اقتبست وكالة الأنباء الفرنسية AFP عن مقيمين في مقديشو بأن الدوريات المشتركة للجنود الأثيوبيين وقوات الحكومة المؤقتة تقوم بمسح الضواحي الشمالية للعاصمة وإلقاء القبض على الشباب المشتبه بهم.
"إنهم ينتقلون من منزل إلى منزل يعتقلون الناس،" قالها إبراهيم شيخ ماو أحد المقيمين في سكهولا التي شهدت أكثر المعارك ضراوة. "تصوّر أنهم اعتقلوا المئات بعد بدء عملياتهم منذ الصباح الباكر اليوم."
وقالت شمسو نور- امرأة مقيمة في منطقة الكامين "كافة الرجال يهربون من بيوتهم لتحاشي اعتقالهم من قبل القوات الأثيوبية. لا أعلم إن كانوا مقاتلين، لكن منظرهم يُشير إلى أنهم مدنيون." وذكرت الوكالة أن مراسلها في مقديشو رأى 20 صومالياً وضعوا في حافلة من قبل القوات الأثيوبية. من الواضح هناك تهديد آني لحصول انتقام دموي ضد المقيمين في مقديشو.
مئات الصوماليين المعتقلين نُقلوا إلى العاصمة الأثيوبية أديس أبابا. ذكرت "الواشنطن بوست" يوم الخميس "أكثر من 200 عميل لـ FBI و CIA أقاموا معسكرهم في فندق شيراتون في العاصمة الأثيوبية ويمارسون التحقيق مع عشرات المعتقلين في غياب حقوقهم القانونية وفي سجون سرية داخل العاصمة..." وصفت مجموعات حقوق الإنسان هذه الحملة كشكل من أشكال معتقل "غوانتنامو اللامركزي" في القرن الأفريقي، ومن دون شك أن نفس أشكال سوء المعاملة والتعذيب التي استُخدمت في أماكن أخرى في ظل "الحرب على الإرهاب.. (حرب الإرهاب).. تأخذ دورها هنا أيضاً.
إن الأحداث الدموية في مقديشو- التي أثارت القليل- إن كانت قد أثارت أصلاً أي انتباه في واشنطن- تُشكل تحذيراً آخر من أن الحرب في العراق هي مجرد جبهة واحدة في ظروف التهييج العالمي الحاصل نتيجة الحملة العسكرية الأمريكية الموجهة لبسط سيطرتها الاستراتيجية على الدول الضعيفة ومواردها.
إن دموية ووحشية هذه الحملة تهدد بإثارة حرب إقليمية واسعة، يمكن أن تقود إلى سحب القوات الأمريكية لتكتوي بنيرانها. ولقد سبق للخارجية الأمريكية الإشارة إلى استمرار الصراع والتوتر الحدودي بين أرتيريا وبين أثيوبيا العاملة باعتبارها "وكيلة أمريكية" ضد مَنْ يُعارض احتلالها للصومال. كما وأخذ القتال داخل الصومال نفسها بالانتشار إلى كيسمايو، حيث دخلت القبائل المتنافسة في معارك للسيطرة على المدينة.
تدفق بحدود 160 ألف لاجئ صومالي نحو كينيا في ظروف خلق المزيد من عدم الاستقرار هناك. وفي يوم الثلاثاء نفذت مجموعة من المسلحين الصوماليين هجوماً على المنشآت النفطية في إقليم أُوغادين الخاضعة للسيطرة الأثيوبية وقتلوا 74 منهم تسعة صينيين.
ادعت الحكومة الأثيوبية أنها تريد سحب قواتها المؤلفة من 20 ألف عسكري وتسليم المسئولية الأمنية لقوات متعددة الجنسيات للاتحاد الأفريقي AU، لكن الاتحاد الأفريقي، على أي حال، لم يتمكن سوى توفير قلة من الجنود، ويظهر أن الحكومات الأفريقية غير راغبة في إرسال جنودها إلى هذا الصراع الملتبس الذي أثارته الولايات المتحدة.