تشابهات بين الغزوين الأمريكي والمغولي لبغداد
يحي اليحاوي/باحث وأكاديمي من المغرب
في السابع عشر من كانون الثاني (يناير) من العام 2003، قال الرئيس العراقي صدام حسين في الذكرى الثانية عشرة لبدء الحملة الأمريكية لإخراج القوات العراقية من الكويت: إن مغول العصر سيجبرون على الانتحار على أسوار بغداد.
لم يكن الرجل يتحدث عن عارض تاريخي أضحى مدعاة للذكرى، مجرد الذكرى فحسب، بل كان يلمح إلى حتمية غزو أمريكي كانت في حينه، كل المؤشرات تدلل أن علاماته الأولى تجلت وعده العكسي المتسارع ابتدأ.
وكذلك كان. فلم يمر على الخطاب إياه إلا نزر من الوقت حتى كان العراق برمته تحت الاحتلال، وأركان دولته مقوضة عن آخرها، وعاصمته مستباحة في معالمها وتراثها ومتاحفها، ورأس الدولة يحاكم، والبلاد برمتها على شفا مأسسة التقسيم على أسس من الطائفية والمذهبية وما سواهما.
قد لا يكون من الأهمية معاودة الحديث هنا عن سياقات الغزو وخلفيات الاحتلال وما تبطنه الإدارة الأمريكية للعراق وللجيران، بقدر أهمية التوقف من جديد عند نبوءة الرئيس العراقي بحتمية انتحار مغول العصر على أسوار بغداد.
والواقع أن ملابسات سقوط بغداد بيد الاحتلال الأمريكي في نيسان (أبريل) من العام 2003، تكاد تشبه في العديد من حيثياتها ومظاهرها وتجلياتها، ما وقع لهذه المدينة بالقرن الثالث عشر الميلادي على يد المغول وعلى يد هولاكو بالتحديد، حفيد جنكيزخان باني دولة المغول وواضع قوانينها.
يلتقي غزو بغداد من لدن الأمريكان وغزوها من لدن المغول بثلاثة عناصر كبرى على مستوى الظرف العام، ويلتقيان أيضا بثلاثة أخرى على مستوى النتائج والسلوك المعتمد والتداعيات، مع الفارق الموضوعي بين الحالتين:
فعزم هولاكو دخول بغداد (وقد حشد لذلك عشرات الآلاف من الجند) إنما تأتى له بعدما تأكد من وهن الخلافة، وضعف الخليفة المنتصر (ذي العزيمة الخائرة يقول المؤرخون)، وفساد حاشيته من حوله، وانفصامه عما يجري ببغداد وبالخلافة جراء نفاق بعض من كبار وزرائه وتقربهم المبطن من المغول.
لم يكن حال العراق، غداة الحرب عليه أواخر آذار (مارس) 2003، مختلفا كثيرا عن حال دولة الخلافة، فالبلد خرج منهكا من حربين متتاليتين دمرت جزءا كبيرا من بنيته العسكرية والمادية. والبلد تعرض لحصار دولي تجاوز العقد من الزمن، انتزعت من سيادته جراءه أطراف ومناطق بأكملها، وتآمرت عليه فصائل وأحزاب بالداخل كما بالخارج، ورتبت للغزو مع الإنكليز والأمريكان، ووفر بعضهم لذات الغزو موطئ قدم، وسمح لهم بنقط خلفية مهدت لهم الزحف على بغداد من أكثر من جهة وعلى أكثر من واجهة.
وإذا كانت مسوغات هولاكو لدخول عاصمة الخلافة العباسية قد ارتكزت على مؤخذات له على الخليفة كونه لم يبد تعاونا كافيا مع المغول للقضاء على الإسماعيلية، فإن مبررات الإدارة الأمريكية لغزو العراق إنما بنيت على اتهام مباشر للرئيس العراقي بامتلاك أسلحة دمار شامل من شأنها تهديد أمن العالم وسلامته، وادعاءها بعدم تعاونه الكافي مع مقررات الأمم المتحدة لتدمير ذات الأسلحة جملة وبالتفصيل!.
كانت مسوغات هولاكو واهية، وهو العارف بوهن الخلافة واستحالة مجاراة الخليفة لهولاكو في فتوحاته، تماما كما بات مؤكدا فيما بعد عدم امتلاك العراق لأسلحة من نوع الدمار الشامل، أو تقصير قيادته في التعاون مع فرق التفتيش.
لم تكن المسوغات، بكلا الحالتين، إلا جزءا من مخطط قائم كان هولاكو يتهيأ من خلاله الاستيلاء على الجزء الممتد من جيحون إلى مشارف النيل من دار الإسلام، وكان بوش الابن يهدف من ورائه (المخطط القائم أقصد) التحكم في مصادر النفط و"حماية أمن إسرائيل" والتموقع بتخوم المنافسين الآسيويين الصاعدين سيما الصين وروسيا.
وإذا كانت تهديدات هولاكو للخليفة قد ذهبت (في رسالته إليه في العام 1255) لحد تهديده المباشر له، وتذكيره بما كان مصير الخوارزمة والسلاجقة، فإن بعض أركان الإدارة الأمريكية (في عهد بوش الأب تحديدا) هددوا الرئيس العراقي وكرروا الوعيد سرا وعلانية، بتحويل العراق إلى العصور الحجرية الأولى.
وعلى الرغم من استعداد الخليفة للتجاوب مع مطالب هولاكو وتطميناته له بموقف الحياد إزاء ما يعتزم القيام به، وكذا تجاوب الرئيس العراقي مع فرق الأمم المتحدة، فإن عنجهية هولاكو وتحديه للخليفة لم توازها إلا عنجهية الرئيس بوش الابن عندما أمهل الرئيس صدام حسين يومين فقط لمغادرة البلاد هو وولداه.
أما عنصر التشابه الثاني (مع التذكير بفارق الزمن والسياق)، فيكمن في تواطؤ ذوي القربي وتماهيهم مع خطط الغزاة ومشاريعهم.
فالوزير مؤيد الدين ابن العلقمي لم يقتصر دوره على إخبار هولاكو بتخبط الخليفة وضعفه وقلة الحيلة من بين ظهرانيه، بل أشار عليه برسالة منه يقول له فيها احضر إلى بغداد وأنا أسلمها لك، تماما كما أوحت "المعارضة العراقية" بالخارج (سيما أحمد الجلبي) على الرئيس الأمريكي بأن العراقيين سيستقبلون جنوده بالورود والترحاب... فأشاروا عليه باستعجال الدخول المظفر!.
وإذا كان هولاكو قد طلب من ابن العلقمي إقناع الخليفة بفائدة تقليص حجم جيش الخلافة (بغية إضعافه عددا وعدة ومؤونة)، وهو ما نجح الوزير فيه على خلفية من ضرورة التخفيف على الميزانية من الأعباء المالية، فإن الرئيس صدام حسين قد أضعف من سبل وإمكانيات الدفاع عن بغداد عندما أوكل الأمر للحرس الجمهوري (بإشراف عام من ابنه قصي ذي الخبرة العسكرية المتواضعة)، وعمد إلى تقسيم العراق إلى مناطق عسكرية أوكل قيادتها لأركان من نظامه كان ينقصهم التنسيق، ولا يحتكمون إلى خطة مركزية تكون الناظم لتحركهم أو تكون لهم الموجه والمرجع.
لم يدخل هولاكو بغداد مباشرة، بل عمد قبليا إلى تطويقها من الجهة الغربية وأشار على قادة جنده بالتقدم من الجهة الشرقية لإحكام القبضة عليها، تماما كما فعل الأمريكان عندما ضيقوا الخناق على بغداد من مداخلها الشمالية وأشاروا للدبابات (المؤازرة بالطائرات) بمحاصرتها من الجهات الأخرى، حتى لم تكد تمر بعض من أيام الحصار هاته، فإذا بالجنود الأمريكان فوق جسور بغداد، ثم بساحة الفردوس قلب العاصمة ورمزها.
أما عنصر التشابه الثالث، فيتمثل في السقوط السريع لبغداد وضعف المقاومة بوجه الغزاة زمن هولاكو كما زمن بوش الابن سواء بسواء.
فإذا كان هولاكو قد حاصر عاصمة الإسلام ودخلها في ظرف ثلاثة أسابيع (من 20 كانون الثاني (يناير) 1258 إلى 10 شباط (فبراير) منه)، وأمر سكانها بإلقاء السلاح والخروج من القلعة مستسلمين، فإن الجيش الأمريكي لم يتجاوز المدة ذاتها (من 20 آذار/ مارس من العام 2003 إلى 9 نيسان/ أبريل منه) لدخول العراق واحتلال عاصمته، بعدما تبخر الحرس الجمهوري وغادر بغداد كل أركان النظام، بما فيهم الرئيس صدام حسين ذاته.
وإذا كان هولاكو، باحتلاله لبغداد، قد بدا موضع استقواء على الجيران ومصدر تهديد ضمني لنفوذ الخلافة الواسع، فإن بوش الابن بدا منتشيا بانتصاره السريع لدرجة تلويحه للجيران (وهو يعلن انتهاء العمليات العسكرية الكبرى من على باخرة جنود وهو بلباس شبه عسكري) بالاستسلام والانصياع للقادم من عناصر الاستراتيجية الموضوعة للمنطقة... للإقليم يقول البعض.
وعلى هذا الأساس، فبقدر ما لا يختلف سقوط بغداد زمن المغول عن سقوطها بالزمن الأمريكي (اللهم إلا اختلاف السياق والظروف المحيطة)، فإنه لا يبدو لنا أيضا أن ثمة اختلافا كبيرا في السلوك المعتمد بإزاء التعامل مع المدينة حجرا وتراثا وبشرا:
فهولاكو أمر سكان عاصمة الخلافة بالخروج مستسلمين، حتى إذا انصاعوا إلى ذلك مكرهين أمر بإبادتهم جميعا بمن فيهم الأطفال والعجزة والنساء، فلم يسلم منهم إلا من هرب أو تخفى بالآبار أو والاه الحظ لهذا السبب أو ذاك.
أما الخليفة، فقد أحضر مهانا بين يدي هولاكو (هو ووجهاء بغداد) ليوضع بكيس مخيط، فتدوسه خيول المغول حتى الموت... ويقال برواية أخرى إنه ألقي به حيا بنهر دجلة.
لم يختلف الأمر كثيرا مع أركان نظام الرئيس العراقي، إذ ناهيك عن الذين استسلموا طواعية، فقد تمت ملاحقة الآخرين بكل أرجاء البلاد حتى إذا تم إلقاء القبض على الرئيس، قدم بصورة المعتوه المتسخ، الشارد النظرات، الذي لا يلوي على شيء، يتمنى المرء وهو يتأمل في حاله وما ينتظره، لو كان مصيره الموت بالمواجهة (كما فعل ابناه وحفيده) على مصير يدعو للحسرة والرثاء.
لم تكن الغاية من قتل هولاكو للخليفة بتلك الطريقة مجرد القتل، بل إرساله العبرة إلى غرمائه الآخرين بتشابه المصير إن هم لم يستسلموا أو يتعاونوا، تماما كما كان الأمر مع الرئيس صدام حسين الذي كان المبتغي من تشويه صورته (والحكم عليه بالإعدام شنقا فيما بعد) ترهيب بعض من حكام عرب ما يزال لديهم بعض من المقاومة أو الممانعة أو ما شابههما.
وهولاكو لم يكتف بقتل ساكنة بغداد (قدره الذهبي بكتاب العبر بألف ألف وثمان مائة ألف وكسر، وقدره ابن خلدون بألف ألف وثلاث مائة وألف)، بل رمى خزائنها ومكنونات مكتباتها بنهر دجلة حتى اختلط سواد المداد بحمرة دم البشر، انتقاما حسب زعمه لما فعله المسلمون بالفرس عند فتحهم للمدائن، وكان عازما على إحراق كل بغداد لولا ثني أهل مملكته عن ذلك، كما استولى على قصور الخلافة وحريم الخليفة وما تركه من مكتنزات.
سلك الأمريكان السلوك ذاته عندما آل إليهم أمر بغداد، فغضوا الطرف عن عمليات سلب ونهب محتويات مؤسسات الدولة العراقية، وأشاعوا الفوضى بكل مكان واتخذ العساكر من القصور الرئاسية مقرات لهم ولقيادتهم... وقدر ما قتل على أيديهم أو في جريرة احتلالهم للبلاد ما يناهز (بصيف العام 2006) حوالي 700 ألف قتيل... ناهيك عن المحتجزين والمفقودين والمهجرين والمشتتين على دول الجوار وما سواهم.
وإذا كان هولاكو قد استباح الحرمات، وأمر بإراقة الخمر بالمساجد، ومنع الآذان وأجبر المسلمين على الإفطار برمضان وأكل لحم الخنزير، فإن الأمريكان سلكوا النهج ذاته، فاستباحوا الحرمات وأهانوا السجناء (بأبي غريب وبغيره) وهتكوا أعراض النساء أمام أعين أهاليهن وذويهن قبل أن يقتلوا الجميع بدم بارد... ناهيك عن إطلاق يد الميليشيات و"فرق الموت" وشرطة حكومة الاحتلال في التقتيل على الهوية والمذهب، حتى لا يكاد يمر يوم إلا والعشرات من الجثث المجهولة الهوية بالشوارع، والعشرات مثيلاتها تسبح فوق نهر دجلة أو مرماة بمحيطها.
وهولاكو بتدميره لبغداد وتخريبه لمقوماتها، دفع بالعديد من الصناع والحرفيين والتجار والعلماء إلى الهروب خارج البلاد، بعدما تسنى له قتل العديد منهم تماما كما فعل الاحتلال الأمريكي، عندما عمد إلى مطاردة العلماء وأساتذة الجامعات والباحثين وقتل العديد منهم بوضح النهار، وابتز البقية الباقية للعمل بمراكز البحوث الأمريكية والإسرائيلية وغيرها.
كانت الغاية عند هولاكو تحويل بغداد إلى محمية مغولية بامتياز، تماما كما كان ولا يزال الهدف الأمريكي من استهدافه لعلماء العراق وباحثيه.
هل انتحر المغول حقا على أسوار بغداد؟
من التجاوز على التاريخ حقيقة القول بذلك بحالة خليفة ضعيف، محاط بحاشية فاسدة ومتآمرة ومقطوع عن محيط خلافته بالاعتكاف على التعبد أو باللهو معم مئات الحريم والجواري. ومن التجاوز أيضا القول بعجز خزينة الخليفة عن تكوين جيش قوي العدة والعتاد، وهو الذي اعترف لهولاكو بوجود حوض من الذهب بساحة قصره... لكن المؤكد فيما نزعم، أن الخلافة في حينه كانت قد دشنت عدها العكسي (وفق المنطوق الخلدوني) وبدأت القابلية على السقوط تتملكها، وشارفت عناصر الضعف والهوان على التمكن من مقوماتها. من الطبيعي هنا أن يتلقف هولاكو ذلك، ويبني خططه على أساس من استحضاره.
هل انتحر مغول العصر على أسوار بغداد كما تنبأ الرئيس صدام حسين بذلك، قبل أن ينسحب من الواجهة أو من المواجهة بزعم البعض؟
من المجازفة أيضا القول بذلك، تماما كما هو من المجازفة البالغة الادعاء بأن المقاومة كان مرتبا لها بدقة، وعلى أساس من الترتيب إياه انسحب أركان النظام درءا لدماء سكان بغداد، وفسحا في المجال لترتيبات المقاومة.
ليس ثمة من المعطيات والدلائل ما يثبت هذا الطرح أو يفند ذاك. لكن تقاطع عناصر ما جرى ويجري من واقع حال، لربما يوحي بأن إرهاصات المقاومة قد رتب لها قبل سقوط بغداد ومن زمن بعيد:
فالرئيس العراقي لم يهرب من ساحة المعركة (بدليل تواجده ببغداد وقد غدت بيد الأمريكان)، بقدر مراهنته على حرب مدن وشوارع كان قد جند لها أكثر من عشرة ملايين عراقي، وزع عليهم الملايين من قطع السلاح وتم تدريبهم على حرب المدن... بمجموعات صغيرة، مرنة ومستقلة بجهة اتخاذ المبادرة والحركة.
هل من محض الصدف، إذا لم يكن الأمر مرتبا، أن تتمركز المقاومة (وقد قاربت مدة الاحتلال على الأربع سنين) بمدن كالتاجي وأبو غريب والفلوجة والرمادي وسلمان بك والصويرة والرشيدية وبعقوبة وغيرها وهي التي تحدد أسوار بغداد؟ هل من الصدف أن تكون هذه المدن/الأسوار هي الأكثر عصيا على الاحتلال وحكومة الاحتلال، وهي التي داخل أسوارها يقتل الأمريكان وحلفاؤهم يوميا، وتجاهر المقاومة بسلاحها بوجههم بوضح النهار، ولا يستطيع الاحتلال التحرك بمحيطها... ولا تزال فوق كل ذلك، ساحات حرب بامتياز؟
والرئيس العراقي كان يراهن، بصرف النظر عما سبق، على شعب جبل على المقاومة منذ عشرينات القرن الماضي، وكان يعلم علم اليقين أن هذا الشعب به أو بدونه، لن يسلم بغداد إلا على أجساد أبنائه. لذلك ترى الاحتلال وحكومة الاحتلال محصنين بـ"المنطقة الخضراء" من بغداد، ولا يستطيعون التحرك بداخلها دونما خشية من ضربات المقاومة.
وإذا كان الرئيس صدام حسين طليقا بسجنه، فإن أعداءه (احتلالا وعملاء) مسجونين بالأسوار العالية والأسلاك الشائكة وكاميرات المراقبة ومرتزقة الحراسة الخواص. من يسجن من على هذا الأساس؟
لو كان ثمة من عبرة تستخلص مما سبق من قول، فهي حقيقة فشل المشروع المغولي لبلوغ مصر (ليموت هولاكو بتحسره على عدم إدراكه لذلك)، وفشل المشروع الأمريكي في إدراك مخططه "للشرق الأوسط" أو بعضا منه على الأقل... ليتذوق بوش الابن، كما هولاكو من قبله، مرارة فشل مشروع لم يكن يدري أن مفاصله الكبرى ستتكسر حتما على أسوار بغداد؟
أزعم أن هذا هو المقصود من قول الرئيس صدام حسين... بانتحار مغول العصر على أسوار بغداد.