إجماع على الفشل في العراق.. فكيف الطريق إلى الغد؟
د. حسن طوالبة/كاتب وباحث أكاديمي من الأردن
بعد طول انتظار صدر تقرير "بيكر – هاملتون" وتضمن عشرات التوصيات التي سرب بعضها إلى وسائل الإعلام قبل إعلان التقرير. وقد خلص إلى نتيجة مفادها أن سياسة جورج بوش الابن قد فشلت في العراق، وأن الخروج من الأزمة يواجه مصاعب جمة، وهذا الإقرار هو ما ورد في توصيات العجوز "رامسفيلد" قبل أن يقدم استقالته من منصب وزير الدفاع، وهو الإقرار نفسه الذي أعلنه وزير الدفاع الجديد "غيتس" أمام لجنة الدفاع في الكونغرس الأمريكي.
إذاً، السياسيون والعسكريون في الإدارة الأمريكية يلتقون مع نبض الشارع الأمريكي، الذي أبدى غضبه وامتعاضه من سياسة بوش في العراق، ولاسيما في ضوء حجم الخسائر الكبيرة في صفوف القوات الأمريكية، حيث بلغ الرقم الرسمي حوالي ثلاثة آلاف ونيف، وتجاوز عدد الجرحى الثلاثين ألف جندي، في حين قدرت مصادر المقاومة العراقية عدد القتلى بـ(14) ألف جندي، أرسلت معظم جثثهم إلى كوريا الجنوبية، أما عدد الجرحى فهو أربعة أضعاف عدد القتلى.
ولذلك خرجت مطالبات عديدة من الأوساط الأمريكية العقلانية تدعو بوش لسحب القوات الأمريكية من العراق، أو إعلان جدولة الانسحاب خلال زمن معلوم ومحدد، أما بوش فأنه مصر على موقفه ببقاء القوات في العراق حتى تنتهي مهمتها، وفي مفهوم بوش، فالمهمة مقترنة بتدريب المزيد من قوات الجيش والشرطة في العراق، لتكون قادرة على الإمساك بالملف الأمني في البلاد، ومع ذلك فأن لجنة "بيكر - هاملتون" لم توص بسحب القوات بصورة فورية من العراق، بل تطالب بسحب جزء منها وإعادة انتشار القوات الباقية، أي سحب القوات من الأماكن الساخنة، أي من المناطق الغربية باتجاه بغداد للمساعدة في إقرار الأمن في العاصمة، على أمل أن تتهيأ الأجواء لعمل سياسي ودبلوماسي يعزز مواقع الحكومة العراقية الحالية.
المهم هو هل سيأخذ بوش بتوصيات "الطريق إلى الغد"؟ لقد استمع بوش إلى توصيات اللجنة في لقاء علني معهم، ووصف التقرير بالشديد أو "القاسي" ومع ذلك أوعز إلى الكونغرس لدراسة التوصيات ووعد بالتعامل الايجابي معها، إن هذا التجاوب جاء:
1 - بعد فوز "الديمقراطيين" في الانتخابات الأخيرة، وصار بمقدورهم تعطيل أي قرار يتخذه بوش، بدليل أن ضغطهم قد أجدى في إقالة "رامسفيلد" من وزارة الدفاع، وكذلك إقالة "بولتون" مندوب الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة.
2 - ضغط الشارع الأمريكي، وخاصة عائلات الجنود الموجودين في العراق، ومطالبتهم بسحب القوات الأمريكية من هذا البلد الملتهب بالسرعة.
3 - زيادة حجم الخسائر البشرية والمادية الأمريكية في العراق، كما تم توضيحه من قبل، وقد ذكر التقرير أن كلفة الحرب على العراق بلغت (350) مليار دولار خلال السنوات الثلاث الماضية.
4 - عزم حلفاء الإدارة الأمريكية سحب قواتها من العراق؟ وكان آخر المنسحبين القوات الايطالية، وهذا الأمر يزعزع التحالف الأمريكي - الغربي في الحرب على العراق، كما أن الحليف الرئيسي والقوي (بريطانيا) تبحث عن مخرج لسحب قواتها من العراق، إن تجرأ (توني بلير) رئيس الوزراء على البوح بضرورة إشراك سورية وإيران في إيجاد حل للمسألة العراقية، وهذه الرغبة البريطانية تتعارض مع توجهات بوش العلنية باستبعاد هذين البلدين من أي حل للمسألة العراقية.
إن مقترح (بلير) الآنف ذكره، ورد في توصيات لجنة "بيكر – هاملتون" فكيف سيتصرف بوش إزاء هذا المطلب..؟ ولاسيما أن "الحكومة العراقية - نوري المالكي" اقترحت مؤخرا عقد مؤتمر إقليمي لبحث المسألة العراقية.
وهذا المقترح جاء ردا على دعوة (كوفي أنان) الأمين العام للأمم المتحدة المنتهية ولا نية نهاية العام الجاري، لعقد مؤتمر دولي حول العراق. لأن "تحالف الائتلاف الشيعي" وعلى لسان "عبد العزيز الحكيم"، رفض دعوة أنان في حين أن محمود المشهداني رئيس "البرلمان العراقي" لم يعترض على فكرة عقد مؤتمر دولي ما دام الهدف هو إيجاد حل للوضع المأزوم في العراق، وفي الوقت نفسه يستبعد نائب الرئيس السوري فاروق الشرع أن يكون أي طرف قادرا على حل المسألة العراقية لوحده، بل تحتاج إلى جهد كل الأطراف المعنية بالعراق، في إشارة ضمنية إلى استعداد سورية للتعاون مع الأطراف الأخرى لإيجاد حل للوضع في العراق.
وقد يكون التعامل مع سورية أسهل من التعامل مع إيران. إذ أن قناعة الإدارة الأمريكية بأن سورية لا تشكل خطرا حقيقيا على "اسرائيل" مثل الخطر الذي تشكله إيران!، ولاسيما بعد إصرار المسؤولين الإيرانيين على مواصلة تخصيب اليورانيوم والوصول إلى مرحلة تكون إيران فيها قادرة على صناعة قنابل أو رؤوس نووية.
إن بوش مضطر للتعامل مع توصيات اللجنة، ومع رغبة العديد من الأطراف المحلية والدولية ولكنه في الوقت نفسه غير ملتزم بتنفيذها بالكامل، أو بالحرفية الواردة فيها.
ومع ذلك فأن سجل السياسة الأمريكية البرغماتي يخبرنا أن الإدارة الأمريكية مستعدة للتعامل مع الشيطان في سبيل ضمان مصالحها القومية، وإذا كانت مصلحتها في خروج آمن من العراق، يحفظ ماء وجه بوش وإدارته فأنها سوف تتعامل مع إيران وسورية ولو كانت هذا التعامل على حساب العراق ولبنان، وبالتالي فإن قوى الممانعة قد تقطف ثمار سياستها المعارضة لسياسة بوش، وقد تحقق إيران أهدافها في أن تصبح قوة إقليمية وتتعاون مع الولايات المتحدة و"اسرائيل"، وتحقق سورية بعض أهدافها في إجهاض مهمة المحكمة الدولية الخاصة بالتحقيق في مقتل رفيق الحريري، ودور ما في لبنان.
معظم الحلول المحتملة للوضع في العراق، ستكون على حساب العراقيين وعلى حساب وحدة بلدهم ما لم يسعوا جاهدين للمصالحة الوطنية الحقة.