قراءة مهذبة جدا في الخطاب التاريخي لعباس
شاكر الجوهري
إلى جانب الشهادة التي أدلى بها الدكتور مصطفى البرغوثي حول بعض ما ورد في خطاب محمود عباس، بناء على طلب علني من رئيس السلطة الفلسطينية، حين استشهد بالبرغوثي حول ما ورد في ذات الخطاب، هناك ما يستحق تمحيصا وتدقيقا تفصيليا في مستوى المرحلة الأخطر التي يمر بها الشعب الفلسطيني ونضاله الوطني.
هذه المرحلة هي الأخطر في تاريخ النضال الوطني الفلسطيني لأنها هي التي ستحدد ما إذا كان هذا الشعب المكافح سيتمكن في نهاية المطاف من جني بعض حقوقه المشروعة مقابل شلالات الدماء والتضحيات المستمرة طوال عقود السنين الماضية، وسقف الحقوق التي سيتمكن من استعادتها، قبل أن تطوى صفحة الجهاد الأصغر، لتبدأ صفحة الجهاد الأكبر.. صفحة البناء والعمل على اللحاق بركب الحضارة العالمية، التي ساهم فلسطينيون كثر في كتابة كثير من اسطرها في مختلف بلدان العالم.
البرغوثي نفى عبر الفضائيات ما استشهد عباس به عليه، فهو قال إن إجراء انتخابات مبكرة يحتاج إلى توافق وطني فلسطيني.. أي لا بد من موافقة حركة "حماس" على ذلك، وأنه كانت هناك إمكانية حقيقية للتوصل إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية، كما لم تبق هناك قضايا خلافية حقيقية بين "فتح" و "حماس" تستحق وقف الحوار بشأنها واللجوء إلى انتخابات مبكرة..فقط انحصر الخلاف بشأن وزارة أو وزارتين.
إلى ذلك نفى البرغوثي ما جاء على لسان عباس من أن الاتفاق كان تم بين الحركتين على تشكيل حكومة تكنوقراط، وأن "حماس" انقلبت على هذا الاتفاق وأخذت تطالب بتشكيل حكومة وحدة وطنية سياسية. قال البرغوثي إن ما تم الاتفاق عليه هو تشكيل حكومة وحدة وطنية لا يشارك بها رموز، ويتم تشكيلها من كفاءات من الجانبين وبقية المشاركين من الكتل البرلمانية. أي أن تشكل الحكومة من كفاءات تنتمي للفصائل الفلسطينية، بدلا من الرموز السياسية لهذه الفصائل، وهو ما قبلت به "حماس" بهدف إخراج رموز الحكومة الحالية من الحكومة المقبلة، وهم تحديدا اسماعيل هنية رئيس الحكومة الحالية، والدكتوران محمود الزهار وسعيد صيام وزيرا الخارجية والداخلية.
هذه الشهادة ليست المؤشر الوحيد على عدم موضوعية عباس، الذي يؤكد أنه رئيس لكل الشعب الفلسطيني، متجاهلا:
أولا: أن "فتح" ليست كلها معه، وأنه لا يمثل كل "فتح". فهو يمثل محمد دحلان، وصائب عريقات، وأحمد عبد الرحمن، ونبيل عمرو، وعزام الأحمد.. كما أنه يمثل اللصيقين بفساد "فتح" ومفسديها.. في حين أن الشرفاء في "فتح" وفي مقدمتهم فاروق القدومي أمين سر اللجنة المركزية للحركة، وبعض اعضاء اللجنة الذين غيبوا أو غابوا عن المشهد الكوميدي الذي تم إخراجه في مقر المقاطعة برام الله، وفي المقدمة من الجميع خمسة تشكيلات عسكرية أعلنت موقفا شديد الوضوح في رفضها لكل ما يقوله ويفعله عباس.
ثانيا: أن خطاب عباس في كليته هو عملية تحريض لأقلية الشعب الفلسطيني على أكثريته، كما أثبتت ذلك الانتخابات التشريعية في كانون ثاني/يناير الماضي.
ثالثا: أن محاولات بذلت لتنقيح الخطاب المرتجل لدى النشر، شطبت منه بعض ما سمعه الذين تابعوا الحدث على شاشات التلفزة أثناء البث المباشر.
أبرز ما تستحضره الذاكرة مما شطب من خطاب الرئيس إشارته إلى "همروجة" خصومه، حتى لا يلفت نظر الناس إلى "همروجة" أخرى. كما شطب من النص المنشور قول فخامته أنه أبلغ أحد خصومه، وهو بالضرورة أحد مناضلي الشعب الفلسطيني، أن الثوابت الوطنية التي يتحدث عنها، هي ذات ما يقوله ويلتزم به جورج بوش، فبادر المناضل القيادي، الذي لم يذكر اسمه، لعدم وجوده، ولعدم صحة الرواية، إلى إبلاغه تراجعه عن هذه الثوابت، ما دام بوش ينادي بها..!
تصوروا.. قائد فلسطيني مناضل يتخلى عن ثوابت الشعب الفلسطيني، لأن بوش أصبح يؤمن بها..!
شطب من النص المنشور كذلك قول سيادته إنه يصلي ويصوم منذ كان البعض، في إشارة إلى قادة "حماس" يلعب في الشارع (بالشورط)..! لقد شطبت هذه الفقرة بالذات لأن كل الناس حين كانوا يرتدون "الشورط" كان هناك أناس آخرون يصلون ويصومون.
ثم ما دخل الصلاة والصيام بالعملية السياسية..؟ ألم يكن أنور السادات مواظبا على الصلاة والصيام قبل توقيعه "اتفاقات كامب ديفيد" ليقتل في نهاية المطاف على يد "منظمة الجهاد الإسلامي" في مصر، بالرغم من "الزبيبة" التي رسمتها سجادة الصلاة على جبهته..؟
أما ثالثة الأثافي فهي حديث عباس عن تغبير حذائه بتراب الوطن، معيبا على الذين لم يدخلوا أرض الوطن أنهم لم يغبروا أحذيتهم كما فعل هو..! ألم يخطر في بال سيادته أن مناضلي الشعب الفلسطيني لا يحترمون الذين كانت أحذيتهم تلمع يوم كانت وجوههم هم مغبرة ومعفرة، بل وموحلة بالوحل في ساحات النضال والقتال والشرف..؟
إلى ذلك، ففي الخطاب "كذب" صريح فواح لا يحتاج إلى بذل أي جهد لكشفه، وهنا بعض الأمثلة:
يقول سيادته في قفلة خطابه، أنه بحث قبل الخطاب مع لجنة الانتخابات المركزية، مشيرا بيده إلى رئيسها الوقور الدكتور حنا ناصر، الذي كان جالسا بين الحضور، إجراءات الانتخابات التي قرر الدعوة لها في أسرع وقت ممكن، لنفاجأ بالإعلام الرسمي التابع لسيادته مباشرة، يعلن في اليوم التالي، أنه التقى اللجنة بعد إلقائه الخطاب، وبحث معهم الأمر..! فماذا كانت نتيجة البحث..؟ الدكتور حنا ناصر لم يترك لأحد أن يكذب بلسانه، فقد أعلن عبر الفضائيات أن اللجنة ركزت حديثها مع الرئيس على ضرورة الحفاظ على الوحدة الوطنية..! أي أن اللجنة أبلغت سيادته أن قراره إجراء انتخابات مبكرة غير قانوني أو دستوري، وهو يمثل خطوة انقسامية على طريق الحرب الأهلية، رغم نفي سيادة الرئيس أن الانتخابات المبكرة وصفة لحرب أهلية، كما قال الزهار.
سيادته استشهد أيضا بالدكتور أحمد يوسف، المستشار السياسي لرئيس الوزراء اسماعيل هنية، وقال إنه ظهر على شاشات التلفزة أثناء حادث معبر رفح، وهو يدفع بحملة الرشاشات و(الأربيجيهات) من أعضاء "حماس" ويطلب منهم الخروج قائلا لهم عيب.. عيب ما تفعلونه.. معتبرا الأقوال التي نسبها ليوسف إقرار من يوسف بعدم تعرض هنية لمحاولة اغتيال على يدي حرس الرئيس.. ما اضطر أحمد يوسف لأن يعلن بالفم الملآن أن هنية تعرض لمحاولة اغتيال على يدي حرس الرئاسة.
وفات سيادة الرئيس أن ينفي تعرض الدكتور سعيد صيام وزير الداخلية لمحاولة اغتيال، مع أنه تعرض للرجل في خطابه بكلام لا يمكن تصديقه. قال سيادته أنه جمع قادة جميع الأجهزة الأمنية، بمن فيهم قادة حرس الرئيس، مع رئيس الوزراء ووزير الداخلية، وأبلغهم أن وزير الداخلية هو مرجعيتهم، وكتب ذلك خطيا..!
إنه العجب العجاب..! هل وافق الأمريكان و"الإسرائيليون" لعباس على ذلك..؟ إن كانوا قد وافقوا فلم أعلن إغلاق باب الحوار حول تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، بسبب إصرار "حماس" على التمسك بوزارتي الداخلية والمالية، أو ترشيح وزيرين مستقلين لهما..؟ وهذا يقودنا استطرادا إلى تصديق رواية سيادته عن أن رفيق الحسيني مدير مكتبه كان يجلس مع وزير المالية في حكومة "حماس" ويضعه في صورة الأموال التي حولت إلى حساب الرئاسة، ويضع هذه الأموال تحت تصرف الوزير.. يا سبحان الله..!!
طيب ماذا نقول للناطق باسم وزارة الخارجية الأميركية الذي أبدى اعتقاد إدارة بوش في أن عباس هو الذي قرر منع هنية من الدخول لقطاع غزة ومعه الأموال التي حصل عليها خلال جولته الأخيرة..؟ وماذا نقول لصحيفة "ليبراسيون" الفرنسية التي تقول إن فخامته استشاط غضبا حين علم بحجم الأموال التي جمعها هنية خلال جولته، لأن هذه الأموال تؤمن لحكومة "حماس" العمل باستقلالية عن الحصار المالي الذي يفرضه الرئيس عليها، ويحرض دول العالم على فرضه على شعبه..؟!
ثم إن كانت الأجهزة الأمنية تتبع وزير الداخلية، فهذا يعني أن الوزير صيام هو الذي أمرها بمحاولة اغتيال الوزير صيام..! وحين لم تنجح محاولتها في اغتياله استشاط غضبا فكلفها باغتيال رئيس الوزراء اسماعيل هنية..! وحين فشلت محاولتها هذه أيضا ارتأى أن يكلفها باغتيال الدكتور محمود الزهار..! وقياسا على ذلك فإن فشل اغتيال الزهار يعني أن المحاولة المقبلة قد تستهدف شخص عباس، الزعيم المبجل والمحبوب من قبل الثمانية ملايين فلسطيني حول الكرة الأرضية. وليعفنا عباس هنا من التساؤل عن سبب عدم سؤالنا إياه عن المليون التاسع الذي شطبه، ذلك أننا نعرف مدى جهله بالمعلومات المتعلقة بالشعب الفلسطيني. وهذه ليست فرية منا على سيادته، ولنقتبس من خطابه التاريخي قوله أنه لا يعرف حجم الأموال التي استولت عليها "اسرائيل" من تحصيلات الجمارك الفلسطينية..! ما الذي يعرفه إذا، وهو الذي يقيم الدنيا ولا يقعدها لأن الحكومة التي سلبها كل صلاحياتها فور تشكيلها، لا تستطيع تأمين إدخال أموال لتنفق منها على شعبها. فالحكومة محرومة من كل الصلاحيات، وهو يمنع تحويل الأموال لها، ثم هي مطالبة بالإنفاق على موظفي السلطة، وجميعهم، إلا من رحم ربي، أعضاء في "فتح"، وذلك على طريقة "مقسوم لا تأكل، وصحيح لا تقسم، وكول لتشبع"..!!
كذلك فإن فخامته يقول في خطابه التاريخي أنه لا يعرف إن كان المجلس التشريعي الفلسطيني.. أكرر الفلسطيني.. يجتمع أم لا..؟ مع أن فخامته يفتي بجواز إجراء انتخابات تشريعية مبكرة نص القانون الأساسي الفلسطيني على عدم إمكانية إجرائها.
كلام عباس يعني أيضا أن صيام هو الذي أمر حرس الرئاسة باحتلال أو إحراق مقرات الوزارات ورئاسة الوزراء، وطرد الوزراء والموظفين ومنعهم من الدوام..!
هنا استحق أن نقول إن كلمة عيب لم تعد تكفي أو تفي بالغرض..!!
وما دمنا نتحدث عن المال والمالية، فسيادته يقول في خطابه إن الشعب الفلسطيني لا يحتاج إلى المال المهرب، وكأن الجائع يهمه البحث عن جنس المال أو جنس الملائكة. ويقول كان بالإمكان أن يرسل هنية المال عبر جامعة الدول العربية، ثم يقول لا فض فوه في موضع آخر من ذات الخطاب إن الجامعة العربية لا تستطيع تحويل الأموال للشعب الفلسطيني "ليبل ريقه".. وقد يكون للحديث عن "الريق" تداعيات أخرى ليس هذا مكانها.
وفي معرض الكذب يريد فخامته أن يبلّع الشعب الفلسطيني أن "حماس" وصواريخ المقاومة هي التي جعلت "اسرائيل" لا تلتزم بالتهدئة التي تكررت خلال السنتين الماضيتين، طيب يا سيادتك أليست هذه هي المرة الأولى التي تقبل فيها "اسرائيل" مبدأ التهدئة المتبادلة، ربما لأن الاتصالات لم تتم على يديك المباركتين في هذه المرة، وإنما بواسطة مصرية، لم تتح لك الطلب ألا تكون التهدئة متبادلة، حتى لا تظهر "حماس" في مظهر من يملي إرادته على "اسرائيل"..! ألم تطلب من "اسرائيل" يا صاحب السيادة ألا تبرم صفقة تبادل أسرى مع "حماس" لذات السبب، وحتى لا يرى الفلسطينيون مكاسب تتحقق بفضل المقاومة.. المقاومة التي تقول فيها يا سيادة الرئيس أكثر مما قاله مالك في الخمر..!
وماذا عن الأراضي التي نهبت بعد انسحاب "اسرائيل" من المستوطنات في قطاع غزة..؟ لم لا تقول لنا من الذي نهبها، محاولا التمليح إلى أن اللصوص ليسوا من "فتح". لو كانوا كذلك هل كنت تسكت حتى الآن..؟ وهل كنت تكتم أسماءهم رأفة بهم من انتقام الشعب الذي تبذل كل ما تملك وما لا تملك لتحريضه على "حماس"..؟ ألم ينتخب الشعب "حماس" أساسا من أجل التخلص من الفساد الذي ورثته عن السلف الصالح، والذي - بارك الله فيك - راكمت عليه المزيد..؟
المجال لا يتسع لإيراد كل ما قاله سيادة الرئيس، فلدينا أشياء أخرى تفوه بها سيادته تقتضي تناولها، حتى لا نتهم من قبل البطانة الصالحة بأننا نتصيد السخافات.
يقول سيادته وبالنص الحرفي "طبعا هناك أجزاء ضيعناها في الضفة الغربية.. هذه لا أحدثكم عنها لأسباب كلكم تعرفونها".
"كلكم" هذه تشمل الذي كانوا متواجدين في صالة المقاطعة، لكنها لا تشمل الشعب الفلسطيني. من حق الشعب أن يعرف يا سيادة الرئيس المناضل ما هي الأجزاء التي ضيعتوها من أراضي الضفة الغربية، وكم تبلغ مساحتها، ومن الذي أضاعها، وهل هناك إمكانية لاستردادها أم لا، وكيف ضاعت ابتداء.. هل ضاعت على طريقة نسيان مفاوضيك الأشاوس، الذين كانوا يعملون بأمرتك وتوجيهاتك المباشرة، مدينة البيرة في المفاوضات الأولى، لولا نبهكم لها شيمون بيريس، لإدراكه استحالة بقاء قوات احتلاله وسط جزيرة معزولة في قلب الأرض الفلسطينية.. أم على طريقة المناضل حسن عصفور الذي فاوض على اتفاق الخليل دون أن يكون قد زار الخليل، فاستحق الطرد على يدي امرأة خليلية من صالة بلدية الخليل حين أبدى سعادته لأنه أخيرا يزور الخليل، بعد أن فاوض على جعل شوارعها مغلقة في وجه مواطنيها ومفتوحة في وجه المستوطنين..!
كيف أضعتم الأرض يا عباس..؟!!
القانون الأساسي لا يقول يا سيادة الرئيس أن الشعب هو مصدر السلطات، ويسكت، كي تستند إليه في تقرير انقلابك على الديمقراطية، هنا أنت تضيع نصوصا من القانون الأساسي كما أضعت الأرض..!
القانون الأساسي يقول في مادته الثانية "الشعب مصدر السلطات ويمارسها عن طريق السلطات التشريعية والتنفيذية (الحكومة) والقضائية على أساس مبدأ الفصل بين السلطات على الوجه المبين في هذا القانون الأساسي"، أي أن الدستور يقول نصا ليس من صلاحية رئيس السلطة "خص نص" ممارسة السلطة باسم الشعب أو نيابة عنه. وإذا كنا نخطئ في فهم القانون الأساسي، فماذا عن المستشار ناهض الريس، وهو ليس فتحاويا فقط، لكنه وزير عدل سابق في حكومات "فتح"، وهو الذي كان رئيسا للجنة التي وضعت مقدمة القانون الأساسي، يقول الريس "أهيب بالسيد الرئيس محمود عباس أن يسحب هذا القرار الخاطئ (الانتخابات المبكرة) الذي أدى إلى جميع هذه الأحداث الأخيرة المؤسفة ويوشك أن يفلت العنف من عقاله على أوسع مدى".
والله إننا لا نريد التصيد، لكن سيادته وفخامته يقول وبالحرف الواحد في خطابه التاريخي، حتى لا نقول "همروجته" التاريخية، "هناك نقاط أخرى مثل لجنة مفاوضات أو غيرها، اتفقنا وخرجنا على الجمهور وزففنا له بشرى، إننا وقعنا على هذه المحددات (المحددات السياسية لحكومة الوحدة الوطنية) وابشروا بالانفراج والانتهاء من الحصار.. هذا الكلام كان في 11 أيلول/سبتمبر.. نحن لدينا أيضا 11 أيلول/ سبتمبر مش بس أميركا".
عباس يشبه الاتفاق على خطوة رئيسة باتجاه تشكيل حكومة وحدة وطنية فلسطينية بالزلزال الذي ضرب أميركا..!!!!!
اللهم لا تعليق..
ثم يعلن سيادته في خطابه اكتفاء "فتح" بوزير واحد فقط في حكومة الوحدة الوطنية. طيب لم تقاتل يا سيادة الرئيس من أجل وزارتي الداخلية والمالية، وهذا ما تؤكده تصريحات الدكتور البرغوثي، في حين أن "حماس" تنازلت لك عن خمس وزارات من أصل أربعة عشر وزارة تحق لها بحكم نسبة عدد نوابها في المجلس التشريعي..؟
ويعيب سيادته على "حماس" المطالبة بأن تمثل في تشكيلات السفراء والمحافظين وإدارات السلطة المختلفة، ويستخف بهذه المطالب لأن النقاش في هذا الأمر "يستمر حتى يوم القيامة"، ألا يعني ذلك يا سيادتك أنك تريد إبقاء سيطرة أنصارك على كل هذه المواقع حتى يوم القيامة رغم فشلكم في الانتخابات، وبالضد من إرادة الشعب (مصدر السلطات)..! طيب لو كانت "حماس" ممثلة في قيادة الأجهزة الأمنية هل كنا نرى البلطجة التي يمارسها حرس سيادتك في الشوارع الآن..؟
أما عن رفض فخامة سيادته، للتحالفات الإقليمية فحدث ولا حرج.. "نحن نعاني من التحالفات الإقليمية".. أية تحالفات طال عمرك..! التحالفات المقاومة، أم التحالفات المنبطحة..؟ حدثتنا سيادتك عن التنازلات التي تقدمت بها للكويت في إطار إثباتك رفضك للتحالفات. لا نريد أن نبعد، أو أن نشرق ونغرب، لنقرأ فقط جانبا واحدا من هذه التحالفات، ما الذي جعل سيادتك تنخرط في تحالف "قوى 14 آذار" في لبنان.. التحالف الذي لا يقتصر فقط على تيار المستقبل، الذي يلقى كل الدعم العلني من أميركا و"اسرائيل" وأوروبا وكل أعداء العرب، لكنه يضم كذلك سمير جعجع طال عمرك.. جعجع.. أي والله.. بطل مجزرة صبرا وشاتيلا. هل سمعت عنها يا طويل العمر..؟
نحن سمعنا أيضا يا رعاك الله أنك تطالب فؤاد السنيورة بنزع سلاح الفلسطينيين خارج وداخل المخيمات، أنت الذي تطالب لا هو..! طيب هل نسقت في الأمر مع جعجع، أم أنك معتمد على نخوة الرجل..؟!
أنت طرف أساس في التحالفات الإقليمية المعادية للفلسطينيين كبشر، وليس فقط كقضية، وتعلن رفضك لها.
وتمسكك بحق الفلسطينيين بالعودة يستحق وقفة أخرى مع سيادتك. هل تسمعنا رأيك في اتفاق جنيف الذي أبرمه ياسر عبد ربه مع "اسرائيليين"، وتنازل فيه عن حق العودة. هل سمعت سيادتك أن فتاوى صدرت عن "زلمك" تفرق بين العودة وحق العودة..؟! أنت نفسك في خطابك التاريخي ركزت على حق اللاجئ بالحصول على تعويض إن قرر عدم العودة، ولكنك لم تقل لنا ماذا لو قرر لاجئ "أحمق" العودة ورفض التعويض عن حق العودة..؟ هل ستعيده يا سيادة الرئيس..؟
وتطلب سيادتك من "حماس" أن تغير موقفها من التسوية السياسية، والحلول المرحلية مرة واحد، كما فعلت منظمة التحرير ذلك مرة واحدة في المجلس الوطني عام 1988، تطلب منها أن تكون جريئة كما أنت..؟ ولكن هل حدث التحول في موقف منظمة التحرير مرة واحدة يا سيادتك..؟
كانت أول خطوة علنية على طريق التحول قرارات مجلس 1973، التي تضمنت إقرار برنامج النقاط العشر، قبل ذلك كانت هناك حوارات تتم تحت الطاولات لا فوقها، ودائما داخل الغرف المغلقة، ولم تكشف تفاصيلها حتى الآن، خمسة عشر عاما تفصل يا سيادتك بين عام 1973 وعام 1988، ومع ذلك فإن قرارات عام 1988 تم تجاوزها بعد أيام في تصريحات جنيف. هل تذكرها..؟ وما زالت التنازلات تتالى يا رعاك الله.
هل تذكر رسالة الدكتوراة التي أعددتها عن الهجرة العكسية لليهود، التي نظّرت لها مبكرا جدا في مطلع السبعينيات، أو أواخر الستينيات..؟ الرسالة التي أهديتني يومها نسخة منها. أظن أنني لا زلت أحتفظ بها، لقد أعددت تلك الرسالة بعد وقت بالغ القصر من قدومك إلى عمان للتفرغ في حركة "فتح" عام 1969، طيب إذا كنت قد اعتقدت منذ ذلك الوقت بعدم جدوى الكفاح المسلح، فما الذي جعلك تتفرغ في الفصيل الأكبر الذي كان يومها يقود الكفاح المسلح..؟
شخصيا لا إجابة لدي على هذا السؤال..؟
وشخصيا أعتقد أنك ربما تصاب بالسكتة القلبية - لا سمح الله - لو أن "حماس" أعلنت موافقتها على كل ما تطلبه أنت منها، وكذلك ما تطلبه أميركا منها إذ أنك في هذه الحالة لن تجد ما تحرض به على "حماس"..!
أكرر لا إجابة لدي على السؤال السابق، ولكنني لدي كلام كثير بشأن الديمقراطية والأغلبية والأقلية، الذي تطرقت إليه في خطابك التاريخي.. نعم سيادة الرئيس الديمقراطية هي قبول الأقلية برأي الأغلبية. لكن يبدو أنك تنسى، وتعتقد أنك ما زلت تتحدث قبل 25/1/2006..! "فتح" بفضل سياساتكم الحكيمة يا سيادة الرئيس لم تعد هي الأغلبية، ولا داعي لأن يصرخ أحد بهذا.
والديمقراطية ليست إلغاء أو إقصاء الآخر.. تماما كما تقول سيادة الرئيس، ولهذا من حقنا أن نسألك كيف تقرر من طرف واحد إغلاق مكتب الدائرة السياسية في عمان، دون حتى التشاور مع رئيس الدائرة أخيك فاروق القدومي، الذي تنازل لك - ويا للبلاهة - عن رئاسة اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، واستطرادا عن رئاسة السلطة، فزاحمته على قيادة "فتح"..!
عفوا إنه يستحق إذا إغلاق مقر أقامته في عمان، الذي كنت تشاركه إياه في الدور الذي يقع أسفل الشقة المخصصة له، طبعا قبل انتقال فخامتكم إلى قصر عبدون.
إذا كنت لا تلتزم بأصول الديمقراطية داخل "فتح".. بالله عليك كيف يمكن أن نصدق ديمقراطيتك مع الآخرين خارج "فتح"، ومع الشعب الفلسطيني..؟
سيادة الرئيس.. اسعدنا كثيرا حديثك المطول جدا عن الوحشية والهمجية التي مورست في قتل ثلاثة من اطفال فلسطين، ارتأيت أن توظف دماءهم سياسيا في حملتك على "حماس"، وننتظر من سيادتك حديثا مفصلا آخر عن دماء مئات، إن لم يكن آلاف الأطفال الفلسطينيين الذي قتلوا على ايدي جيش الإحتلال الإسرائيلي. هل تستطيع، أم أن التزامك بالإتفاقات التي تحظر عليك التعبئة والتحريض على المحتل يحول دون ذلك..؟ نرجو أن لا نحرج سيادتك بهذا الطلب السخيف..!
لعن الله السلطة المطلقة لأنها مفسدة مطلقة..