الأردن لا يستطيع تحمل حرب أهلية فلسطينية لأكثر من شهرين
تقرير إستراتيجي أردني يبحث الفوضى الأمنية وبوادر الاقتتال الداخلي في دول الإقليم وتداعياتها
تحليل سياسي
شاكر الجوهري/ عمان
التطورات المتلاحقة في الأراضي الفلسطينية، كيف يمكن أن تنعكس على الأردن..؟
السؤال يأخذ في اعتباره القلق الأردني الدائم مما تشهده دول الجوار من قلاقل، فضلا عن التداخل الكبير بين الأردنيين والفلسطينيين، ليس فقط اجتماعيا وديمغرافيا، وإنما كذلك سياسيا. وللتذكير، فإن فوز "حماس" بالانتخابات التشريعية الفلسطينية، وتشكيلها الحكومة، شجع الإسلاميين في الأردن على إبداء الاستعداد بشكل علني لتشكيل حكومة في الأردن، كما جاء على لسان المهندس عزام الهنيدي، رئيس الكتلة النيابية لحزب جبهة العمل الإسلامي، وهو التصريح الذي أذن بجولة مستمرة من المواجهة بين الحكومة والإسلاميين في الأردن، بغض النظر عن مستوى كل مرحلة من مراحلها المتلاحقة.
يؤخذ في الحسبان هنا أن أكثر من نصف الأردنيين هم من أصول فلسطينية، وقد سبق للمهندس علي أبو الراغب، حين كان رئيسا للوزراء أن أدلى بتصريح غير مسبوق في مؤتمر صحفي، كشف فيه لأول مرة رقما رسميا عن نسبة الفلسطينيين من أصل أردني، قائلا إنها تبلغ 43 بالمئة، وقيل يومها إن هذه النسبة لا تشمل الفلسطينيين المسجلين في كشوف وكالة غوث وإعاشة اللاجئين، والذين يبلغ عددهم مليونا ونصف المليون نسمة، من أصل خمسة ملايين نسمة هم كل سكان الأردن.
الأردنيون من أصل فلسطيني ليسوا بعيدين عن الانقسامات السياسية الموجودة غربي نهر الأردن، الذي يفصل بين الضفتين، فكما تتنافس حركتا "فتح" و "حماس" داخل الضفة الغربية وقطاع غزة، فإن هذا التنافس موجود كذلك في الأردن.. أو في الضفة الشرقية لنهر الأردن، وتلمس أوجه هذه المنافسة في انتخابات النوادي الرياضية والثقافية، وخاصة في المخيمات الأحد عشر التي تقطنها أعداد كبيرة من الفلسطينيين، وإن حملوا جواز السفر الأردني، والجنسية الأردنية.
وتحظر السلطات الأمنية الأردنية أي نشاط تنظيمي للفصائل الفلسطينية في أراضيها، منذ 1970، غير أنها لا تستطيع حظر النشاطات السياسية. ويوجد في الأردن عناوين شبه معلنة لمختلف الفصائل الفلسطينية، إن كان بعضها يعمل من وراء حجاب يتمثل في مكاتب دراسات وأبحاث، كما هو حال مكاتب الجبهة الشعبية، والجبهة الديمقراطية، وجناح سمير غوشة في جبهة النضال الشعبي، فإن بعضها الآخر يعمل على نحو أكثر علنية مثل حركة "فتح" التي تتخذ من مكاتب منظمة التحرير الفلسطينية، بما في ذلك السفارة الفلسطينية، مقرات لها، ويتحرك أمين سر تنظيمها في الأردن بشكل شبه علني.
أما حركة "حماس" فيصعب على الحكومة الأردنية تصور وجود فصل بين تنظيمها وتنظيم الإخوان المسلمين وحزب جبهة العمل الإسلامي، الذي كان المهندس ابراهيم غوشة الناطق الرسمي السابق لحركة "حماس" يتخذ من مكتب كتلته البرلمانية مقرا له، قبل إبعاد قادة حركة المقاومة الإسلامية من الأردن.. خاصة وأن نسبة كبيرة من الإسلاميين في الأردن هم من أصل فلسطيني، دون وجود مبرر لتجاهل حقيقة أن حركة "حماس" تحظى بتأييد أعداد كبيرة من الشرق أردنيين غير الإسلاميين، كما تبين ذلك لدى اندلاع أكثر من أزمة بين الحكومة الأردنية والحركة الإسلامية.. بما في ذلك حزب العهد، الذي يوصم أحيانا باعتباره حزبا موغلا في وطنيته الأردنية، إذ صرح أمينه العام الدكتور خلدون الناصر أكثر من مرة رافضا إبعاد قادة "حماس" عن الأردن، في خضم أزمة 1999 بين الجانبين.
كل هذا يخلق مخاوف لدى الحكومة، والأجهزة الأمنية الأردنية من أن يؤدي اندلاع حرب أهلية فلسطينية - لا سمح الله - إلى امتدادها إلى داخل الأراضي الأردنية.
هذه المخاوف تلمس في تصريحات علنية، وأخرى غير علنية لكبار المسؤولين الأردنيين، الذين يخشون كذلك من أن يؤدي عدم قيام دولة فلسطينية في إطار حل دائم للقضية إلى حدوث تطورات تشكل خطرا حقيقيا على استمرار التزام "اسرائيل" بمعاهدة السلام مع الأردن، ما يعني تقوية مطالب اليمين الأكثر تطرفا في الدولة العبرية بالأردن، باعتباره جزءا من أرض "اسرائيل" التاريخية والكبرى، وهي المطالبة التي تجد تعبيرا لها فيما ينشده اليمين "الإسرائيلي" كل صباح "الأردن ضفتان، هذه لنا وتلك أيضا لنا" في إشارة إلى الضفة الشرقية، وقد أنشد أعضاء يمينيون في الكنيست هذا النشيد، على متن الطائرة الخاصة للعاهل الأردني الراحل الملك حسين، حين أحضرتهم بعيد توقيع معاهدة السلام بين البلدين إلى عمان، لحضور حفل عشاء أقامه الملك على شرف الكتل البرلمانية في "الكنيست"..!
العاهل الأردني الحالي الملك عبد الله الثاني صدرت عنه مؤخرا في جلسة مغلقة إشارة بالغة الدلالة على مدى القلق الأردني من احتمال اندلاع حرب أهلية فلسطينية. ينقل من حضروا المناسبة قول الملك بكل وضوح "يستطيع الأردن التعاطي مع حرب أهلية لأمد طويل في العراق ولبنان، لكنه لا يستطيع تحمل حدوث ذلك في فلسطين لأكثر من شهر أو شهرين، ليجد نفسه بعد ذلك مضطرا للتدخل".
حديث الملك كان في رمضان الماضي، في وقت كانت فيه الحرب الأهلية الفلسطينية مستبعدة بشكل شبه تام، لكن القادة لا يبنون سياساتهم على أساس أفضل الاحتمالات، وإنما على أساس أسوأها.
وأضاف الملك يومها "عندما نقول نريد قيام دولة فلسطينية على أرض فلسطين، فهذا ليس تكتيكا، بل استراتيجية، لأن عدم قيام هذه الدولة يشكل خطرا كبيرا على النظام العام في الأردن".
وصدر عن الملك في تلك الأمسية ما يفيد كامل إدراكه للخطر الذي تمثله خطة ايهود اولمرت رئيس وزراء "اسرائيل" لخطة الانسحاب الأحادي من الأراضي الفلسطينية، لأنها من شأنها أن تؤدي لعدم قيام دولة فلسطينية. قال الملك "إذا أصر اولمرت على تنفيذ هذه الخطة، فإننا سنقف ضدها بكل قوة"، وعندما أشار أحد الحضور إلى ضرورة العودة إلى صيغة وحدة الضفتين درءا للمخاطر عن الأردن وفلسطين سواء بسواء، قال الملك "لست أنا من يقول هذا".
وأشار يومها الدكتور معروف البخيت رئيس الوزراء إلى أن خارطة الطريق تتحدث عن الدولة الفلسطينية باعتبارها دولة مؤقتة، بانتظار قيام اتحاد كونفدرالي بين الدولتين الأردنية والفلسطينية. وخرج الحضور من اللقاء وهم يستذكرون اقتراحات متتالية تقدم بها الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات بتعجيل إعلان قيام الإتحاد الكونفدرالي بين الدولتين، قبل اكتمال الانسحاب "الإسرائيلي" عن الأراضي الفلسطينية، لكن الملك الراحل حسين كان شديد الوضوح في اشتراطه قيام دولة فلسطين أولاً، ولو لأربع وعشرين ساعة، قبل إعلان قيام الإتحاد. وهذا ما يؤكد عليه الملك عبد الله الثاني، حين يؤكد أردنيون، خاصة من أصول فلسطينية، تمسكهم بوحدة الضفتين ورفضهم قرار فك الارتباط.
ويبدي الملك عبد الله تعاطفا كبيرا مع الشعب الفلسطيني، يتمثل في جهوده المتواصلة لإقناع الإدارة الأميركية بضرورة التحرك بشكل جدي للتوصل إلى حل دائم للقضية الفلسطينية، وقد تجلى ذلك بشكل لافت أثناء الزيارة الأخيرة التي قام بها الرئيس الأميركي جورج بوش لعمان، حيث نجح العاهل الأردني في فرض الملف الفلسطيني على جدول أعمال الزيارة الذي كان مخصصا فقط لبحث الأزمة الأميركية في العراق.. كما يتجلى في الدعم المتواصل الذي يقدمه للشعب الفلسطيني ضمن حدود الإمكانات المحدودة للأردن. وفي هذا الإطار تلفت المصادر إلى بدء الأردن تزويد أريحا بالكهرباء، واهتمام الملك بتمويل اليابان إعادة بناء البنية التحتية في الضفة الغربية.
في هذا الخضم من الاهتمامات، صدر أمس الأول عن كلية الدفاع الوطني الملكية الأردنية التقرير الإستراتيجي التاسع بعنوان "الفوضى الأمنية وبوادر الاقتتال الداخلي في دول الإقليم وتداعياتها"، حيث تناول الوضع في العراق وفلسطين ولبنان والضغوطات التي تتعرض لها بعض دول الإقليم، خصوصا مع انطلاق ما يسمى بالحرب على الإرهاب منذ دخول القوات الأميركية إلى أفغانستان عام 2001، ودخولها العراق عام 2003، "بالتزامن مع تفاقم الأوضاع على الساحة الفلسطينية، حيث استغلت "اسرائيل" هذه الأجواء للقضاء على الطموحات العربية بقيام دولة فلسطينية مستقلة"، وفقا لنص الخبر الرسمي الذي وزعته وكالة الأنباء الأردنية الرسمية.
كما تناول التقرير "الوضع في فلسطين من جميع جوانبه، والتداعيات التي بدأت تطفو على سطح الأحداث، والخوف من تطورها وتفاقمها بما لا يخدم الشعب الفلسطيني الذي يرزح تحت الاحتلال منذ عقود طويلة".
وعرض التقرير الوضع العراقي وما آلت إليه الأمور التي أصبحت تشكل خطرا كبيرا يطال الشعب والمجتمع العراقي ويؤثر بشكل أو بآخر على دول الإقليم قاطبة، وقد يفتح أفاقا واسعة من الاحتمالات التي قد تقود إلى زعزعة أمن دول الإقليم أو التأثير عليها خصوصا دول الجوار.
ودرس التقرير بالتفصيل معطيات البيئة المحلية والإقليمية والدولية وأثرها، والخيارات المتاحة للخروج من الوضع القائم في العراق. وافرد التقرير جزءا مهما للحديث عن الأوضاع في لبنان الذي تعرض قبل عدة أشهر لاعتداءات "اسرائيلية" طالت الكثير من بنيته التحتية ومقومات الدولة، وأفرزت إشكالات قد يكون أثرها أكبر من الحرب التي دامت أكثر من شهر، ووصلت الأمور إلى احتقانات تنذر بالخطر، وأصبحت تؤجج قيام أوضاع أكثر خطورة مما كان يتوقع بعد انسحاب "اسرائيل" ودخول قوات "اليونفيل" إلى الجنوب، وها هي بوادرها تجوب شوارع لبنان. ويطلق العنان في هذه الأزمة للإعلام الذي ينفث السم في الدسم والتراشق بالكلمات والعبارات، - والتمترس خلف مطالبات كان الأجدى أن تبحث على طاولة المفاوضات، ولا يترك للشارع أن يمتلك زمام المبادرة فيها، أو أن يصبح لبنان مكانا خصبا لفرض أجندات خارجية قد تعيده إلى سنوات الاقتتال التي مزقت الفته ومحبة وتعاون أهله لسنوات طويلة.
وتناول التقرير مجمل هذه القضايا بالدراسة والتحليل المعمقين مبينا أثرها على الأمن الوطني الأردني، وما هو المطلوب من الجبهة الأردنية الداخلية من تلاحم ووعي لتداعياتها، خصوصا أن الأردن يفتح أبوابه لكل الأشقاء الذين هجروا هذه المناطق.
17/12/2006