استبدال عجز بوش بعجز المالكي!

زكريا شاهين

أخيرا، تسلم الرئيس الأميركي جورج بوش تقرير لجنة بيكر هاميلتون بشأن العراق، بينما أعلن البيت الأبيض عن تقارير أخرى تجرى دراستها من جانب البنتاغون لإعادة تقييم الموقف على الساحة العراقية،أما وزير الخارجية الأسبق جيمس بيكر فقد أعلن جانبا من تفاصيل التقرير الذي لم يتضمن أي توصية بانسحاب فوري من العراق، أو تحديد جدول زمني لسحب القوات، وإنما وبحسب التعليقات الفورية التي أتت من العديد من الأطراف العربية والإقليمية، يمكن القول أن التقرير المذكور، جاء كأنما ليجد حلولا للمأزق الأمريكي في العراق، وليس للمأزق العراقي بشكل عام.

في التوصية الأساسية للتقرير، ثمة إلقاء للكرة في ملعب الحكومة العراقية، خاصة ما يتعلق بالأمن، بالرغم من ضبابية الكلام الذي تضمن ذلك، فالتقرير، يتحدث عن توصية بزيادة عديد القوات التي تعمل على تدريب القوات العراقية بأسرع وقت ممكن، تمهيدا لتقوم هذه القوات لاحقا، بتسلم المهام الأمنية، وهذا ما سيزيد من تأزيم الوضع، إذ أن القوات العراقية الحالية، ليست سوى ميليشيات بلباس حكومي عسكري، وهى ميليشيات لا تتلقى أوامرها عادة من الوزارات أو القيادات المعنية بالأمر، وإنما من مراجعها الخاصة، وهى مراجع موجودة في السلطة وفى الحكومة بالذات.

التوصيات غير الملزمة

لم يتأخر البيت الأبيض عن القول بعد تسلم الرئيس الأمريكي للتقرير، إن ما ورد من توصيات داخل التقرير، ليس بالضرورة توصيات ملزمة، لكنه في نفس الوقت، أشاد بما جاء في الفقرة التي تتحدث عن دعوة الحكومة العراقية إلى التحرك بشكل فاعل وان "على الحكومة العراقية إحراز تقدم جوهري على صعيدي الأمن والمصالحة الوطنية وإلا فقدت الدعم الأميركي السياسي والاقتصادي والعسكري".

التهديد بفقدان الدعم من الإدارة الأمريكية، ترافق أيضا مع تحذير آخر من "الانزلاق نحو الفوضى في العراق إذا استمر التدهور" - وكان ذلك لم يحدث بعد!! - إذ يقول التقرير: يمكن أن يؤدى الانزلاق تجاه الفوضى إلى انهيار حكومة العراق والى كارثة إنسانية، وقد تتدخل الدول المجاورة ويمكن أن تحقق شبكة القاعدة انتصارا دعائيا.

أما فيما يخص الجوار، فقد أوصى التقرير بإجراء محادثات مباشرة مع إيران وسوريا بشأن الملف الأمني في العراق "من أجل الحصول على التزام منهما بإتباع سياسات بناءة بشأن العراق وغير ذلك من القضايا الإقليمية".

لكن ما لم يغب عن التقرير، يتعلق بالصراع العربي - الصهيوني، حيث شدد التقرير على ضرورة تقديم "دفعة جديدة للجهود الأميركية بشأن التوصل لسلام شامل في الشرق الأوسط"، كما دعا إلى مباحثات مباشرة بين سوريا و"إسرائيل"، مما أثار حفيظة "الإسرائيليين"، حيث وصف مسؤول كبير تقرير مجموعة الدراسات حول العراق، الذي يوصى بتجديد التزام الولايات المتحدة من أجل تسوية النزاع "الإسرائيلي" - الفلسطيني، بأنه "مقلق"، مشيراً إلى أن هذا التقرير يذكر للمرة الأولى مسألة حق العودة للاجئين الفلسطينيين الذين هجروا عام 1948، فيما رفضت أوساط رئيس الوزراء "الإسرائيلي" التعليق على التقرير.

الطريق إلى الأمام!

تضمن التقرير، 79 توصية أخرى غير ملزمة ، أعدت من خلال مجموعة مؤلفة من عشرة من السياسيين المخضرمين من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وبعكس المتحدث باسم البيت الأبيض، قال الرئيس الأمريكي في معرض وصفه لما جاء في التقرير، بأنه "تقييم قاس" مؤكدا أنه سيتم "التعاطي معه بجدية"، إذ قال للصحفيين عقب اجتماع مع أعضاء اللجنة "لقد قلت لأعضاء اللجنة إن هذه الإدارة ستتعاطى مع هذا التقرير الذي يحمل اسم "الطريق إلى الأمام" بشكل جدي للغاية"، موضحا أنه بالإمكان تحقيق سلام في العراق "لكن ذلك يتطلب جهدا وإستراتيجية فعالة"، وأضاف "نحن في حالة حرب وسنتصرف في الوقت الملائم وبالشكل المناسب"، وان التقرير "يشكل فرصة لإيجاد آلية مشتركة بين الجمهوريين والديمقراطيين"، كما تحدث عن دراسة أخرى ستأتي من البيت الأبيض ومن البنتاغون "حتى تكون هناك خيارات أكثر للتعامل مع الملف العراقي".

المعارضة التي تقف بالمرصاد للرئيس بوش، وهى التي ستسيطر على مجلسي الكونغرس المقبل، أعلنت أن التقرير يؤكد تحليلها لفشل السياسة المعتمدة حتى الآن بهذا البلد، وان التقرير يوصى بالتغيير الذي يطلبه الناخبون.

من أهمّ التوصيات أيضا، هو ضرورة التفاوض مع إيران وسورية حول العراق..

لكن ذلك وان جاء ضمن بنود التقرير، إلا انه لا يزال يشهد انقساما، سواء أكان داخل الإدارة الأمريكية أو داخل اللجنة نفسها المكونة من أعضاء ديمقراطيين وجمهوريين بنسبة النصف، وهنالك انقسام أيضا حول مسألة الانسحاب على مراحل، وربط ذلك بتطور آلية تدريب القوات العراقية.

نذكر هنا، أنه لم يحدث في كل تاريخ سياسة الولايات المتحدة الخارجية أمر كهذا، مع لجنة من خارج الحكومة بمحاولة إخراج الولايات المتحدة من مأزق كما العراق، فاللجنة أصبحت مؤسسة تضع السياسات خلال الأشهر الستة الأخيرة، كذلك، فإن الطريقة التي تعمل وفقها لم يسبق لها مثيل في الولايات المتحدة، وهي ذات طبيعة سرّيّة أكثر حتى من إدارة بوش نفسها.

ويقال في السياق، أن اللجنة قامت قبل وضع اللمسات النهائية على التقرير، باستطلاع آراء أعدادا من الخبراء في "شؤون الشرق الأوسط" والقضايا الحربية وإعادة الإعمار والحركات الإسلامية الناشطة، ويقال أن هذا الأمر، قدم للجنة فهما عميقا للعملية نفسها ونتائج اقتراحاتها، ومن هنا جاءت توصية العمل بجدية لإيجاد حل للصراع العربي – الصهيوني.

ما لم يتوقعه بوش

إذا كان تقرير لجنة بيكر - هاميلتون، قد وصف من قبل بوش بأنه تقرير قاس، فإن الأقسى منه، ما جاء على لسان أصدقاء بوش، والمعنى هنا وزير دفاعه الجديد، وحليفه البريطاني توني بلير، فالأول، أي وزير الدفاع الذي عين خلفا لدونالد رامسفيلد "روبرت جيتس"، اعترف بأن الولايات المتحدة لا تحقق نصراً في العراق، وقد جاء ذلك خلال جلسة في مجلس الشيوخ لتثبيت تعيينه، فحين سأله السناتور الديمقراطي كارل ليفين "هل تعتقد أننا نحقق حاليًا النصر في العراق"، فأجاب جيتس "لا يا سيدي".

وبحسب ما نقل عن هذه الجلسة، إن الوزير المعين خلفًا لرامسفيلد قال متابعا إنه منفتح على أية أفكار جديدة بشأن العراق إلا أنه أكد أن اتخاذ القرار بشأن الإستراتيجية المستقبلية يعود إلى الرئيس جورج بوش، موضحاً أنه منفتح على الأفكار البديلة حول "استراتيجياتنا وتكتيكاتنا المستقبلية في العراق".

هذا الاعتراف، لم يكن بعيدا عن توقيت تقديم التقرير، وأيضا، يأتي في الوقت الذي تتصاعد الخسائر السياسية والعسكرية بسبب الحرب على العراق، فعلى المستوى السياسي استقال وزير الدفاع دونالد رامسفيلد" على خلفية السياسية الأمريكية في العراق إذ أكد خبراء ومحللون أن هذه الاستقالة تؤكد فشل سياسة الولايات المتحدة في العراق، واستقال بولتون، والحديث يجرى عن استقالات أخرى، بينما وعلى الصعيد العسكري، تتواصل خسائر الأمريكان في العراق يومياً في العنصر البشرى "الجنود" أو على مستوى المعدات والطائرات فقد سقطت خلال الأسابيع الماضية عدة طائرات أمريكية بنيران المقاومة العراقية التي تواصل حربها ضد المحتل الأمريكي.

وعلى نفس الوتر، عزف صديق بوش هو الآخر توني بلير، ليقر بأن القوات التي تقودها الولايات المتحدة في العراق لا تحقق نصرا، وذلك قبيل توجهه إلى واشنطن لمناقشة الخيارات الاستراتيجية المطروحة للخروج من المأزق العراقي.

خارج السيطرة!

إذن، وبحسب المتابعون للشؤون الرئاسية الأمريكية، فإن الرئيس الأمريكي بوش في قمّة ضعفه هذه الأيام، فأمامه تحدّيات صعبة لا يستطيع مواجهة أي منها، وهو الذي خسر مجلسي الكونغرس في الانتخابات النصفيّة الأخيرة، فهناك تحدّى كوريا الشمالية النووي، والنزيف الدموي والمالي في العراق وأفغانستان، والبرنامج النووي الإيراني، وفوق هذا وذاك انخفاض شعبيته في أوساط الأميركيين إلى أدنى مستوياتها، إضافة إلى مسألة الوفاء بالتزاماته تجاه الكيان الصهيوني القلق من دعوات الحوار مع إيران وسورية، التي يطلقها توني بلير، ويروّج لها تقرير لجنة جيمس بيكر وزير الخارجية الأسبق وفريقه، حول سيناريوهات الخروج من العراق، لأن أي تسوية ستأتي على حساب هذا الكيان.

لكن أعقد الأمور من بين كل ما ورد هنا من أزمات ومشاكل، ما يتعلق بالعراق، والذي يجمع العديد من المتابعين، بأنه خرج عن السيطرة الأمريكية، وان ما يجرى الآن من بحث عن الحلول، إنما هو حاجة أمريكية قبل أن تكون حاجة عراقية، فالعراق مقبل على تطورات لا تخفى بعدها التقسيم والطائفي والعرقي والمذهبي، وكل هذا يتداخل مع العنف الرسمي، الذي تساهم به الحكومة، والعنف الآخر، الذي تحرض عليه طاحونة الطائفية القاتلة، وان إعادة السيطرة على ما يجرى في العراق، وسط كل هذا الكم من السلاح، وهذا الكم من المقاتلين، أمر يبدو بعيد المنال، ذلك انه وقبل كل شيء، يرتبط بخلاف عراقي - عراقي، قبل أن يرتبط بخلاف آخر يمكن التعامل معه، فعلى سبيل المثال، لا بد عاجلا أم آجلا أن يرحل الاحتلال، ولكن ماذا بشأن الضغائن الطائفية التي أسست للدم الذي يؤسس هو الآخر لمستقبل مجهول؟.

المشهد الإقليمي

ما جاء في التقرير، لا شك انه أعاد إلى المشهد الإقليمي ثوابته التي ترتبط كلها مع بعضها البعض، وعلى رأسها مسالة الصراع العربي - الصهيوني، والمفارقة، أن الإدارة الأمريكية الحالية، ظلت تعد العرب بحلول قادمة لهذا الصراع، كلما احتاجت منهم إلى موقف، فعلت ذلك قبل غزوها لأفغانستان، وأيضا قبل ذهابها والعرب إلى الكويت، ثم فعلت ذلك عندما غزت العراق، وهى مستعدة لفعل ذلك مجددا، فيما أن نتائج هذه السياسة، يحصدها الصهاينة الذين حصلوا في عهد هذه الإدارة على ما لم يحصلوا عليه من إدارات سابقة.

لكن المشهد الإقليمي في هذه المرة، أدخلت عليه عناصر جديدة، كالتحذيرات التي أطلقت بشأن احتمالات قيام ثلاث حروب أهلية في لبنان وفلسطين والعراق ما لم يتم التعامل مع مشاكل المنطقة بشكل عاجل، وما لم يتوقف العنف في العراق على وجه التحديد، وهذا أمر غير سهل، إضافة إلى ذلك، تتوجه وسائل الإعلام الأمريكية إلى التأكيد على ان الإدارة الأمريكية لا تمتلك حلولا لمأزقها، فمثلا، تعترف افتتاحية لصحيفة "الواشنطن بوست" صدرت خلال شهر تشرين الثاني - نوفمبر، بأن فشل الأميركيين في العراق أعطى كلاًّ من إيران وسورية، فرصة لإقامة ما سمّاه الرئيس السوري، "الشرق الأوسط الجديد" الذي تسيطر عليه أيديولوجية كل من إيران وسورية، بالتحالف مع "حزب الله" في لبنان و"حماس" في الأراضي الفلسطينية..

وتضيف الافتتاحية أنه إزاء ذلك ستتفاوض الولايات المتحدة مع كل من إيران وسورية، عوضاً من التخطيط لضربهما.. بل إن إيران تطالب بحوافز أميركية حتى تقدّم أي تنازلات، كما أن سورية تطالب بالاعتراف بالنفوذ السوري في لبنان وتلغى التحقيقات الدولية في الاغتيالات..

وسط هذه الأجواء، فإن كل التحليلات الأميركية ترى أن حلفاء أميركا في "الشرق الأوسط" مثل السعودية ومصر والأردن، تمثّل عبئاً على الولايات المتحدة، عوضاً، أن تكون عوناً لها على تحقيق أهدافها الأميركية في العراق ولبنان وفلسطين...

على كل حال، تقرير لجنة بيكر ليس تقريرا سحريا سيؤدى إلى حل مشاكل المنطقة، ذلك أن هذه المشاكل، اكبر بكثير من أن تحل بمثل هكذا تقرير.