"فرق الموت" في العراق: من يوجهها؟ وما هي اهدافها؟

صلاح المختار

أوصلت العملية الإجرامية ضد العراقيين في مدينة الثورة (يطلق عليها حالياً، اسم مدينة الصدر)، والتي راح ضحيتها أكثر من 200 قتيل، الوضع العراقي إلى مستوى من الخطورة لم يعد السكوت عليه ممكناً، خصوصاً وأن تلك الجريمة استغلتها "فرق الموت: التابعة للحركة الصفوية الايرانية للقيام بجرائم لا تقل بشاعة عن جريمة مدينة الثورة، مثل إعدام 30 مسلماً سنياً أمام الناس وتدمير مساجد وحرق كل من التجأ إليها من نساء وأطفال وشيوخ، على أساس أنها بيوت الله وأن لها حرمة لدى كل مسلم! الآن إذا سألت أي عراقي يعاني من الإرهاب الدموي عن هوية "فرق الموت" فإن الجواب المتفق عليه هو أن أمريكا وإيران هما من أسسا "فرق الموت". الصفويون في العراق يقولون أن أمريكا (والتكفيريين  والصداميين) وراء قتل الشيعة لأنهم شيعة! لذلك حان الوقت لتسليط الضوء على حقيقة "فرق الموت"، لإزالة أوهام البعض حول طبيعة الموقف الإيراني تجاه العراق بشكل خاص والأمة العربية بشكل عام.

 

البداية

قبل أن يقع الغزو بأعوام نشرت الأحزاب الصفوية التابعة للمخابرات الإيرانية قوائم تضم مئات الشخصيات الوطنية والعلمية والعسكرية العراقية على مواقع في الانترنت تدعو لقتلهم وتصفيتهم وتهدد بالقيام بذلك بعد إسقاط النظام الوطني. ويستطيع من يريد الاطلاع على القوائم أن يقرأها لأنها ما زالت في الانترنت، ويمكن التوصل إليها بواسطة موقع الباحث (غوغل). من هي الشخصيات التي ضمتها قوائم "فرق الموت"؟! أنها تضم نخبة مؤهلة من العلماء وخيرة ضباط الجيش والساسة الوطنيين وأبرز كتاب وأدباء وفناني العراق، والسبب الذي ذكر في مقدمة القوائم تلك هو أنهم من أنصار النظام الوطني. وقبل الغزو قامت "فرق الموت" الايرانية باغتيال عشرات الشخصيات العراقية، التي وردت أسماؤها في القوائم عن طريق التسلل من خارج العراق (لأن فيلق بدر مثلاً كان مقره في ايران) وقتل تلك الشخصيات ثم الهروب إلى ايران مجدداً. أما حينما حصل الغزو فقد حدث تطور مهم وخطير جداً، وهو أن هذه الفرق دخلت العراق بحماية القوات الأمريكية، نتيجة اتفاق علني بين المرجعية العليا للصفويين في إيران وأمريكا وبريطانيا على التعاون لإنجاح غزو العراق، وشرعت بالبحث عن الأشخاص الواردة أسماؤهم في القوائم وقتلهم.

وكانت ألمع "الفرق" في البداية التي قتلت آلاف العراقيين المختصين والخبراء والقوميين العرب هي التابعة لـ"فيلق بدر"، وبعده "فيلق الصدر" (المسمى جيش المهدي)، وكانت قسوتها لا حدود لها خصوصاً مع الشيعة العرب العراقيين، والذين وصفوا بأنهم (شيعة صدام) أو (شعية معاوية)! وبالإضافة لهذين الانتماءين لـ"فرق الموت" الصفوية هناك فرق أصغر تعود لـ"حزب الله" (العراقي) و"حزب الدعوة"، وكلها تنظيمات أنشأتها إيران ودربتها وسلحتها منذ زمن بعيد. وكان اختصاص "فرق الموت" هذه كلها هو تصفية ضباط الجيش والطيارين الذين الحقوا الهزيمة بإيران أثناء حرب الثمانية أعوام إضافة للشخصيات السياسية القومية، وليس البعثية فقط، التي تدافع عن عروبة العراق. وتشمل هذه الفئة الكتاب والفنانين والصحفيين، ونجحت فرق الموت الصفوية، بقتل آلاف العراقيين.

وهناك واجب آخر لـ"فرق الموت" الصفوية التابعة لإيران وهو نهب كل المعدات العسكرية والصناعية العراقية وتهريبها إلى إيران، لذلك لم يبق معمل واحد في العراق، وسرقت مئات المحركات الحديثة للطائرات الحربية والدبابات وسلمت إلى تلك الدولة.

وحينما شكلت وزارة في ظل الاحتلال أصرت الجماعات التابعة لإيران على الاستحواذ على وزارتي الداخلية والدفاع، وبالفعل قامت أمريكا بتلبية هذه الرغبة، خصوصاً تسليم وزارة الداخلية لأتباع الصفويين، وتم تعيين الإيراني الأصل بيان جبر قبل الغزو، والملقب بـ(صولاغ) بعد الغزو، والذي أصبح اسمه في ذاكرة العراقيين وقسم كبير من شعوب العالم يقترن باستخدام المثقاب الكهربائي (الدريل) في تعذيب عرب العراق (شيعة وسنة) حتى الموت، في غرف وزارة الداخلية التي كان يوجد فيها مكتب كامل للمخابرات الايرانية يوجه عمليات الإبادة للوطنيين العراقيين. إن من يذكر اسم صولاغ الآن في العراق لابد وأن تستحضر الذاكرة المثقاب الكهربائي الذي شوه آلاف الجثث قبل موتها، لدرجة أن أهل الضحية لا يستطيعون التعرف على الجثة فتدفن بصفتها مجهولة الهوية! لم يسبق للتاريخ العراقي أبداً أن شهد وحشية وقسوة كتلك التي مارستها، وتمارسها "فرق الموت" الايرانية الصفوية.

 

ابتدأها نيغروبونتي وأكملها صولاغ

وحينما قلبت المقاومة العراقية المسلحة الطاولة على رأس أمريكا ومخلب قطها ايران، أوفدت أمريكا أفضل خبرائها في التصفيات الجسدية الجماعية، وهو السفير نيغروبونتي، الذي سجل واحدة من أعظم انجازات الوحشية في التاريخ الإنساني، في أمريكا اللاتينية، حيث أن ما يسمى بـ(خيار السلفادور) اقترن باسمه لأنه هو من وضعه ونفذه حينما كان سفيراً لأمريكا في السلفادور. و(خيار السلفادور) خطة وضعتها المخابرات الأمريكية للقيام بالتصفية الجسدية لآلاف الناس الذين يشك بأنهم يؤيدون المقاومة المسلحة هناك، من جهة، وبث الرعب في نفوس الناس وإجبارهم على التوقف عن دعم المقاومة من جهة ثانية. لقد قتل نيغروبونتي عشرات الآلاف من الأبرياء في السلفادور، ولذلك نحت اسمه في تاريخ السلفادور بأنه أشرس جلاد وقاتل شهده ذلك البلد، تماماً كما نحت اسم الايراني صولاغ بصفته الوحش الأكثر شراسة الذي ظهر في العراق خلال ثمانية آلاف عام.

نيغروبونتي هذا عُيِّن سفيراً في العراق وكانت مهمته قصيرة زمنياً لكنها خطيرة عملياً، فلقد أنجز مهمة خطيرة ترك بعدها العراق ليكافأ بتعيينه وزيراً للأمن القومي! وبعد أن نظم نيغروبونتي آلية عمل "فرق الموت" وحدد الأهداف المطلوبة بدقة تطور عمل هذه الفرق، وصار أكثر تنظيماً واتساعاً. فلقد نسق نيغروبونتي عمل "فرق الموت الاسرائيلية" والأمريكية التي دخلت العراق مباشرة بعد الغزو وجعله منسجما في تحقيق أهدافها، وكانت هدف "فرق الموت" التابعة لأمريكا، والتي يقود بعضها أحمد الجلبي وموفق الربيعي والبيش حركة الكردية وآلاف المرتزقة من العراقيين والأجانب، هو بث الرعب في صفوف العراقيين من خلال قطع الرؤوس وعرضها في التلفاز ونسبها لبعض فصائل المقاومة الوطنية، واغتصاب الرجال والنساء لكسر الروح المعنوية، وممارسة القتل العشوائي لإقناع العراقيين بأن الغزاة لا حدود لاستعدادهم للقتل، واغتيال الشخصيات الوطنية والعلماء العراقيين للقضاء على ذخيرة العراق العلمية، والاهم هو إثارة الفتنة الطائفية لأجل شق وحدة عرب العراق.

إذن "فرق الموت" ليست ذات مرجعية واحدة، بل هي متعددة المرجعيات، فبعضها تابع "للموساد"، والآخر تابع لايران والثالث للبارزاني والطالباني، والرابع للمخابرات الأمريكية.. الخ، لكنها كلها تعمل على تحقيق هدف مباشر هو التصفية الجسدية للوطنيين والعلماء والضباط، وهدف بعيد وهو إعداد مناخ نفسي يسمح بتقسيم العراق إلى ثلاث دول: كردية في الشمال وسنية في الوسط وشيعية في الجنوب، وهذا هو المخطط "الاسرائيلي" القديم والمعلن.

 

نقطة التحول

وحدة عمل "فرق الموت"، سواء كانت أمريكية أو إيرانية، أخذت تتعرض لبعض المشاكل حينما أدركت أمريكا أنها بغزوها للعراق لم تحقق أهدافها هي، وهي استعمار العراق، بل تحققت أهداف طرفين آخرين وهما إيران و"اسرائيل". فالذي نجح فيه الاحتلال هو تدمير الدولة العراقية وإعادتها صناعياً ومادياً إلى "عصر ما قبل الصناعة"، كما هدد جيمس بيكر وزير خارجية أمريكا، المجاهد طارق عزيز فك الله أسره، قبل شن العدوان الثلاثيني في عام 1991م، وهذا النجاح يخدم "اسرائيل" مباشرة لأنها أعلنت رسمياً أن العراق في ظل البعث والرئيس صدام حسين هو الخطر الأكبر عليها. كما يخدم تدمير العراق إيران مباشرة التي وجدت في العراق سداً عالياً وقوياً يمنع نشر دعوتها الصفوية في العالم الإسلامي، وما هزيمتها أمام العراق في عام 1988م إلا دليل حاسم على انه لا يمكن للحركة الصفوية الايرانية أن تنتشر في أي قطر عربي أو بلد إسلامي إلا بإنهاء العراق كقوة إقليمية عظمى. مقابل هذين المكسبين "الاسرائيلي" والايراني لم تنجح أمريكا، التي شاركت ايران في تدمير العراق، أن تستثمر الخراب للقيام بإعادة بناء العراق بواسطة شركات أمركية، فتحقق مكاسب مادية هائلة للشركات الأمريكية، ثم تحويل (العراق الجديد) إلى مخلب قط لها يساعدها في بناء (الشرق الأوسط الكبير) أو (الشرق الأوسط الجديد). إذن بعد نجاحها في غزو العراق فشلت أمريكا في السيطرة عليه واستغلاله، لذلك فإنها الخاسر الرئيسي بعد العراق، من عملية الغزو. ماذا بقي لأمريكا من خيارات؟

 

خيار التدمير الشامل للعراق

حينما أدركت ايران أن أمريكا تهيء لتقليم مخالبها العراقية وأجهزة مخابراتها في العراق، حركت فيلقها في العراق بهدف إحكام سيطرتها على جنوب العراق وتحقيق فصل طائفي حاد لأجل تجميع الصفويين في العراق في إقليم واحد. وهذا الهدف الصفوي الواضح وإن كان يخدم هدف "اسرائيل" وأمريكا في تقسيم العراق، إلا أنه يمنح إيران ميزة استراتيجية تقلص فرص أمريكا في نهب العراق كله فكيف ردت أمريكا؟

الرد الأمريكي جاء يسير بخطين متوازيين: خط تقسيم العراق بتشجيع إيران على إقامة إمارة الجنوب الكونفدرالية وخط العمل على تقليم مخالب ايران في العراق.

إذن المواجهة الأمريكية الايرانية في العراق وإن اعتمدت على تقسيم العراق إلا أن طرفيها يسير كل منهما بطريق خاص، وجاء تفجير قبة مرقد الإمام علي الهادي ليصبح نقطة تحول خطيرة، إذ ثبت عملياً أن المخابرات الايرانية هي التي فجرتها بالاتفاق التام مع أمريكا لأجل إطلاق موجة قتل شامل على الهوية الطائفية، وفي هذا الإطار لوحظ ما يلي:

1- أن "فيلق الصدر" منذ تفجير قبة مرقد الإمام علي الهادي قد تولى المسؤولية الأولى في عمليات التطهير الطائفي وتراجع إلى الخلف دور "فيلق بدر" وبقية التنظيمات الصفوية وإن بقيت تمارس القتل.

2- إن أساليب "فيلق الصدر" أكثر بشاعة من أساليب صولاغ، فلئن كان صولاغ يقوم بإبادة الآلاف في أقبية وزارة الداخلية، فأن "فيلق الصدر" يقوم بالإعدامات علناً، ويجري محاكمات علناً، ويعلق أو يحرق الجثث علناً، ويصدر بيانات يعترف فيها بأنه يقوم بقتل السنة انتقاماً لقتل الشيعة علناً!

3 - تجري عمليات "فيلق الصدر" غالباً بحماية القوات الأمريكية وقوات وزارة الداخلية، وحتى في حالة شن هذا الفيلق الإجرامي لهجماته لوحده فأن القوات الأمريكية لا تتدخل وتتركه يكمل جرائمه ضد العراقيين.

4 - حينما أرادت أمريكا استقطاب ضحايا "فيلق الصدر"، بعد أن أوصلتهم إلى الموت الشنيع، أخذت تقوم بعمليات تأديبية ضد بعض أعضاء "فيلق الصدر" وليس كلهم، والهدف هو استقطاب ضحايا "فيلق الصدر" والتهيئة لزجهم في هجمات كبيرة بواسطة "الجيش العراقي الجديد"، ضد شيعة العراق تحت شعار القضاء على عملاء إيران! وهكذا تصل أمريكا إلى وضع العراق كله فوق جبل من الجماجم العراقية التي قتلت بيد عراقية ولكن بأوامر أمريكية أو ايرانية، مع ما يخلفه ذلك من نزعات ثأر متجذرة تدفع العراق إلى دوامة التقسيم على الأسس "الاسرائيلية" - الايرانية - الأمريكية.

 

نقطة ضوء

في ضوء ما تقدم يتضح لنا أن تصعيد فرق الموت لعملياتها الآن ما هو إلا انعكاس لوضعين: وضع تنافس أمريكي-إيراني على النفوذ في العراق، مما يدفعهما لوضع العراق على حافة الانهيار لأجل تقاسمه، من وجهة نظر ايرانية، وإعداده للتقسيم بعد طرد ايران منه من وجهة نظر أمريكية، ووضع آخر تبدو فيه المقاومة، وهي تعزز قبضتها على العراق وتحرم أمريكا وايران من تقسيمه بتأكيد أن الثورة العراقية المسلحة تمثل كل العراقيين، عرباً وأكراداً وتركماناً، مسيحيين ومسلمين، سنة وشيعة، فتدفع بذلك الفتنة نحو الخلف وتعزز خطوات النصر القادم حتماً على الحليفين الشرسين أمريكا ومخلبها في العراق ايران، الأمر الذي يجعل أمريكا وايران تنغمسان في صراع معقد وشرس تكون ضحيته الأولى المستهدفة عمدا هي شعب العراق.

 

ملاحظة: نشرت هذه المقالة في (صحيفة 26 سبتمبر) الناطقة باسم القوات المسلحة اليمنية يوم 7/12/2006 وقد اضطر الكاتب لحذف اسم ايران مراعاة للاعتبارات الدبلوماسية بين اليمن وايران، أما الآن فأنه يعيد وضع اسم ايران لأن المقالة تنشر خارج اليمن.