"الإرهابيون" العراقيون: أطفال ونساء (الإسحاقي)
بقلم: جاسم الرصيف *
شتان بين من يتحدث عن الآخرين الأبرياء عن محبة إنسانية صادقة وبين من يتحدث عنهم بكراهية عمياء، وشتان بين ذرائع هذا لتبرير حبه وذرائع ذاك لكراهيته. فرق شاسع وكبير بين يحب، ومن يكره، لأن (شبرا من الأرض يكفي لمتحابين والأرض كلّها لا تتسع لمتباغضين)، وهنا الحد الفصل بين الأسباب والذرائع في تأريخ الإنسانية كلها، وعلى مدار التأريخ كلّه في عالمنا (الصغير الكبير) هذا.
قوات (التحرير) الأمريكية تكاد لا تفارق منطقة (الاسحاقي) - شمال (بغداد) - إلا بين مجزرة بشرية ومجزرة اخرى بحقّ اهلها الذين صار معروفا انهم رفضوا (ديمقراطية كوندي) العنصرية المتعددة الولاءات وهذا من حقهم الشرعي وفق كل الشرائع والقوانين البشرية كمواطنين من اهل البلد. وليلة الجمعة 8/12/2005 شاءت القوّات العسكرية لهذه (الديمقراطية الخلاقة) ان تسجل لنفسها مجزرة بشرية تضاف إلى سجل مجازرها الطويل العريض، ربما لتودع به عام 2006 وتستقبل اعياد ميلاد عام جديد بأياد ملطخة بدماء مزيد من الأبرياء العراقيين الأبرياء، وربما انتقاما من عراقيين تهمتهم الثابتة والحقيقية انهم عراقيون، ولكن على الأرجح ان قوّات (كوندي) شعرت بأن (الأرض ما عادت تتسع) لها وللعراقيين من اهل (الاسحاقي) على المكان والزمان ذاتهما. يقول الكابتن (فرانك باسكويل) المتحدث باسم القيادة الوسطى لجيش (التحرير) الديمقراطي لقناة الجزيرة مبرّرا مقتل (32) مواطنا مدنيا بريئا، من عائلتين، بينهم (8) نساء و(6) اطفال: ان قواته (الديمقراطية التي حررت العراق) واثناء مداهمة لها لبيوت العراقيين في (الاسحاقي) قد تعرّضت (لنيران ثقيلة من إرهابيين) في بيتي الأخوين (محمد) و(محمود حسين جلمود) مما اضطرها إلى طلب الإسناد الحربي الجوّي الذي دمر البيتين على من فيهما، وهذه كل الحكاية ببساطة ديمقراطية. والمداهمة تعني ان قوات (التحرير) الأمريكية قد دخلت البيوت وان مواجهة بين رجل لرجل قد حصلت ــ إذا صدقنا حكاية الناطق الرسمي - فكيف تعرّضت قوته إذًا (لنيران ثقيلة)؟ حتى رعاة الغنم في العراق يعرفون ان (النيران الثقيلة) تطلقها عادة مدافع ميدان ودبابات وطائرات، فكم كان عدد الطائرات والدبابات والمدافع في هذين البيتين اللذين (كانا) مأوى لعائلتين من (32) مواطنا عراقيا لا علاقة لهم بغير قدر الله الذي شاء لهم ان يولدوا ابا عن جد على هذه الأرض؟ ويا ترى اي الأطفال (الإرهابيين) كان يقود طائرة اطلقت نيرانها الثقيلة على (محرّري العراق) واي النساء كانت تقود دبابة ضد (بناة العراق الجديد) ومن كان من الضحايا يرمي بمدفع ميدان من دخلوا غرفته؟ (الاسحاقي) ليست بحجم (نيويورك) ولا (لندن) ولا (بغداد)، وان هي غير قرية صغيرة شاء قدرها ان تسقط تحت (الاحتلال الديمقراطي)، والطلقات التي اطلقتها قوة (المداهمة الديمقراطية) على رؤوس الضحايا، قبل ان تقصفهم طائرات (الفوضى الخلاقة)، مسموعة من اقصى القرية حتى اقصاها، ولا يمكن لقرية خاضعة لمسح دائم بأقمار التجسس من السماء ومن جواسيس قوات الاحتلال وحكومتها (الوطنية) على الأرض ان تخزن اسلحة تطلق (نيرانا ثقيلة) إلا على مخيلة المصابين بمرض الكراهية العمياء لكل من هو عراقي. مدير ناحية (الاسحاقي) ــ وهو موظف محسوب بطبيعة الحال على حكومة (طاطي والرقص الخلاطي) ــ افاد ان العائلتين بريئتان وان قوات (التحرير) الأمريكية قد استهدفتهما (من دون ذنب). واكد اهالي المنطقة هذه الحقيقة فأيّ تلفيق غبي هذا الذي نسمعه على بيان عسكري قال في بدء الواقعة انه قتل (20) مسلحا من اعضاء (القاعدة) ثم تبين انهم مجرد عائلتين قتلتا في بيتيهما (من دون ذنب)؟ وهل ينجح جيش (التحرير) الأمريكي في عرض بعض الدبابات والمدافع والطائرات العراقية، التي تطلق نيرانا ثقيلة، من بيتي العائلتين قبل اغتيال من فيهما ثم محاولة تغطية الجريمة بالقصف الهائل الذي نقلته كل فضائيات الدنيا؟ اين تلك الأسلحة الثقيلة رجاء؟ وما هي الأدلة التي يمتلكها جيش (عميد الأغبياء في العالم) التي تثبت لنا وللعالم ان اطفال ونساء عائلتي (محمد) و(محمود حسين جلمود) هم من عناصر (القاعدة)؟ ومن سيبكي اطفال ونساء ورجال العراق الأبرياء الذين تحصدهم (ديمقراطية) السيد (الحكيم) من (آل البيت الأبيض الأمريكي) وصاحبه في المقامات الديمقراطية (البيش نركة ماما جلال)؟ اهو (الحكيم) ذاته الذي طلب إلى مرجعيته (الوطنية) (عميد الأغبياء في العالم) أن يبقى العراق محتلا أم (الماما) الذي طلب ولو (قاعدتين عسكريتين في كردستان العظمى)؟ وأي دولة ديمقراطية من العالم الحر ستستنكر الجريمة من دون خوف من ضربة حذاء تصيبها من المحاربة (كوندي)؟ وأي دولة (مسلمة) ستحتج من دون خوف من ركلة على القفا تؤاتيها من البيت الأبيض الذي صار محجّا وملاذا لكل من باعوا أوطانهم سرا وعلانية كما فعل متعددو الجنسيات (العراقية) السّاكتون سكوت الخادمة المروّعة المطيعة عن فعل مخدومها في هذه المجزرة؟ ما من عزاء في أهلنا غير حقيقة أن: لا ليل بلا صباح. ولنا أن نخيط جرح اليوم بدماء جرح أمس حتى يحين الفجر الأكيد.
عن (أحبار الخليج) البحرينية
* كاتب عراقي مقيم في أمريكا