لبنان.. صراع مَن.. على ماذا؟
نواف أبو الهيجاء/كاتب وروائي من فلسطين المحتلة يقيم في الأردن
يبدو
أننا مرغمون على أن نذكر بجملة من الحقائق التي ربما غابت أو جرى تغييبها في
المسألة اللبنانية، أن صح التعبير، كان لبنان إلى اندلاع الحرب الأهلية منتصف
السبعينات من القرن الماضي، يمثل أنموذجا للديمقراطية والتعايش الأهلي السلمي بحيث
كان الظاهرة المناقضة تماما لنموذج الكيان الصهيوني القائم على (وحدانية) الدين
والاستخدام المشرع بالقوانين للعنصرية والتمييز العرقي.
عليه كان لا بد من (نسف) النقيض الحي للنموذج الصهيوني المرفوض والذي يعج بروح العدوان والعنصرية. من هنا كانت اليد الصهيونية الطويلة وراء التحرك الذي أدى إلى إشعال فتيل الحرب الأهلية المدمرة التي تجاوز امتدادها الخمس عشرة سنة وذهب ضحيتها عشرات الآلاف من أبناء لبنان وبقي السلم الأهلي هناك تحت الخطر. وإذا كان لا بد من مناقشة موضوعية للجاري حاليا على الساحة اللبنانية فلا بد من الإقرار بأن المداخلة الأجنبية لعبت دورا مهما في إذكاء الاحتقان وفي اللعب على السيادة والاستقلال اللبنانيين، إلى جانب الخطر المحدق بلبنان من الكيان الصهيوني قبل الخروج الفلسطيني في عام 1982 وبعده على السواء.
الاصطفافات الحالية في الساحة اللبنانية تزعم - جميعها - أنها تناضل من اجل (الاستقلال والحرية والسيادة) ويضاف إليها أيضا من الطرف المسمى (معارضة) (عروبة لبنان)، وفي هذا ما يمكن أن يؤشر إلى أن - اللبنانيين جميعا - يتفقون على - الحرية والاستقلال والسيادة والانتماء العروبي - وإذن لماذا الصراع الراهن؟ اهو من أجل الأهداف هذه أم من اجل مشاركة أوسع وأكثر فاعلية في السلطة، وتحت أي مسعى أو مسمى من مثل (حكومة وحدة وطنية أو أن يكون للمعارضة ثلث الحقائب الوزارية بحيث تستطيع حجب أي قرار لا تراه مناسبا؟ أم أن الأزمة في الحقيقة ابعد وأكثر خطورة؟ ولماذا تتم الاغتيالات في توقيتات بعينها؟ ولماذا إصرار (الأكثرية) على اتهام إيران وسوريا بالتدخل في الشؤون اللبنانية دون أن تشير، وأن عن استحياء إلى المداخلات اليومية المعلنة من أوربا ومن الولايات المتحدة الأمريكية؟
إذا كان التدخل السوري والإيراني خطأ ومرفوضا، فهل تكون التدخلات الأوروبية والأمريكية صوابا ومقبولة وضرورة؟ وماذا عن العامل الصهيوني الذي جرى ويجري تجاهله أو حتى الإشارة إليه من أطراف لبنانية بعينها؟ وإذا كان الهدف الحقيقي هو (نزع سلاح حزب الله) فهل أن الأمر يستحق هذا كله إذا كان الجميع يؤمنون بأن هذه المسألة شأن لبناني ولا تحل إلا بوفاق لبناني، خاصة أن السلاح كان للدفاع عن لبنان ضد العدوان الصهيوني ولم يرفع في وجوه اللبنانيين كما أن تهديدا فعليا برفعه في وجوه اللبنانيين لا يبدو انه في مجال الاحتمال؟ ولا بد أن يسجل المراقبون هذه الروح الانضباطية التي يتحلى بها المعارضون كما أن ردود أفعال السلطة كانت تتحلى - حتى اليوم - بروح المسؤولية وعدم تفجير الاحتقان بصرف النظر عن هذه الحادثة أو تلك وان كانت الحوادث الصغيرة يمكن أن تجر الجميع إلى تجاوز الخطوط الحمر، ومن هذه الخطوط الحمر (الوحدة الوطنية والسلم الأهلي).
هل هناك ضمانة في التوصل إلى حل الإشكالية الراهنة في الساحة اللبنانية؟ ولماذا فشلت المداخلة التي قام بها الأمين العام للجامعة العربية؟ وهل تكتب لمبادرة أو محاولة الداعية فتحي يكن النجاح؟ كل مبادرة تحقق (شيئا للأطراف كلها يمكن أن تنجح أو تؤدي إلى التوصل إلى قناعات جديدة تؤدي إلى إزالة الاحتقان وإبعاد المخاطر) لكن هذا محكوم بعوامل شتى في طليعتها: قطع دابر التدخلات والضغوط الشديدة التي تمارسها الدول الأجنبية في الشؤون اللبنانية الداخلية، وإهمال المداخلة والضغوط الصهيونية جملة وتفصيلا.
وإذا كانت الأكثرية متمسكة بالشرعية والدستورية وحكم الشعب فهي بالتأكيد أمام الامتحان العسير: لماذا الخوف والتردد من الاحتكام مجددا إلى صناديق الاقتراع؟ وإذا كانت تريد الحوار مع أطراف المعارضة فلماذا تسميم الأجواء بالتصريحات المتهكمة تارة والنارية تارة ثانية وكيل الاتهامات تارة ثالثة؟ الأرضية التي يمكن الاتفاق عليها واقع قائم ومعروف: وحدة لبنان وعروبة لبنان وسيادة لبنان واستقلال لبنان وبقاء لبنان الأنموذج العربي الذي يهز الكيان الصهيوني ويفضح حقيقته العنصرية العدوانية الاستعلائية، هل تجدع الأنوف التي تتدخل في الشأن اللبناني؟ وهل يسود منطق الحرص على الدم اللبناني وعلى (الوطن اللبناني)؟ هذا هو السؤال الذي يخرج الأحزاب والحركات والتكتلات من دائرة المصالح الضيقة إلى فضاء الوطن الأرحب.