الأصل الأسطوري لمجمل التاريخ الأمريكي
مدينة واشنطن تنهض على رمم أبناء شعب كونوي وعلى أنقاض مدينته المدمرة
نصر شمالي - سورية
أن لم يكن ما يفعله الأمريكيون و"الاسرائيليون" في فلسطين والعراق حروب دمار شامل، وبالأمس في لبنان، فما هي حرب الدمار الشامل إذا؟ إن التدمير الشامل لبرجي التجارة في نيويورك ليس إلا حدثا صغيرا جدا قياسا بما حدث للبنان بالأمس وبما يحدث لفلسطين والعراق طوال الوقت سواء من حيث حجمه أم من حيث مدته، فالمقارنة بين حجم الدمار ومدة التنفيذ هناك وهنا غير ممكنة على الإطلاق، وبالتالي فأن المقارنة بين الإرادتين اللتين صنعتا الدمار في برجي نيويورك وفي بلادنا غير واردة، حيث الأولى عبرت عن نفسها بصورة حدث استثنائي سريع وعابر ومحدد، قد يتكرر وقد لا يتكرر، أما الإرادة الثانية فتعبر عن نفسها على مدار الساعة بوعي وبرود عقل وأعصاب، وبمثابرة منظمة مفتوحة غير أن الأمريكيين و"الاسرائيليين" يدأبون على الإعلان طوال الوقت إنهم إنما يهبّون للحيلولة دون وقوع حرب دمار شامل، وأن عملياتهم الحربية في بلادنا العربية والإسلامية مشروعة لأنها تأتي في هذا السياق الإنساني النبيل!
إن أغرب ما في الأمر هو مجاراة الأمريكيين في ادعائهم أنهم يعملون من أجل الحيلولة دون وقوع حرب دمار شامل، وهي المجاراة التي لا تصدر عن حلفائهم فحسب بل تصدر أيضا عن بعض قيادات ضحاياهم من الشعوب، كما أنها لا تقتصر على مجاملة الأمريكيين، بل تعدتهم لتشمل أيضا صنائعهم "الاسرائيليين" الذين يغزلون على منوالهم! إن المرائين المنافقين من جهة والجبناء المتخاذلين من جهة أخرى لا يكتفون بتجاهل الوقائع المعاشة بل يغضون الطرف تماما عن وقائع التاريخ العام، حيث نهضت الولايات المتحدة عن طريق شن حروب الدمار الشامل، وكذلك الكيان الصهيوني في فلسطين، الذي هو صورة مصغرة عنها!
قبل مئات السنين، في عام 1620 رست على الشاطئ الأمريكي السفينة الانجليزية ماي فلور وعلى متنها مجموعة من المستوطنين الانجليز، فكان ذلك الشاطئ مسقط رأس التاريخ الأمريكي (كما يشرح الأستاذ منير العكش) حيث ستنهض مدينة بليموث الأشبه بالمتحف التاريخي للاستيطان، والتي يزورها السياح لالتقاط الصور التذكارية. لقد وصل أولئك المستوطنون الرواد إلى العالم الجديد في حال تثير الشفقة، حيث أودى الجوع والبرد بحياة عدد منهم وكاد يودي بهم جميعا، بل بمشروعهم الأمريكي كله، لولا مروءة أبناء شعب وامبونوغ الذين قدموا لهم الطعام والشراب والمأوى، لتنهض المستوطنة لاحقا على أنقاض مدن هذا الشعب وعلى جثثه! لقد تغذى الذئب الصغير من ثدي الشاة برضاها حتى ترعرع، ثم التهمها!
كان أولئك المستوطنون الانجليز يعتبرون أنفسهم عبرانيين (بالروح وليس بالدم) ويطلقون على العالم الجديد اسم بلاد كنعان، ويرون في تأسيس مستعمرتهم الأولى على صخرة بليموث حدثا يضاهي تأسيس الكنيسة على صخرة بطرس، وما يزال كل بيت أمريكي يحتفل سنويا في عيد الشكر المكرس لتلك النهاية السعيدة التي ختمت قصة نجاة المستوطنين الأوائل (يسمونهم الحجاج) من ظلم فرعون (الملك الانجليزي) وخروجهم من أرضه (مثل خروج "الاسرائيليين" من مصر) وتيههم في المحيط (مثل تيه "الاسرائيليين" في سيناء) ثم إبرامهم العهد على متن سفينتهم (ماي فلور) مع يهوه، ووصولهم في النهاية إلى أرض الميعاد (الأمريكية) وإبادتهم للكنعانيين (الهنود الحمر) تلك هي الأحداث التي ترتب عليها عيد الشكر الأمريكي، وذلك هو الأصل الأسطوري لمجمل التاريخ الأمريكي ولمركزيته العنصرية.
يقول منير العكش إن العين تصطدم في جميع أنحاء الولايات المتحدة بفكرة أمريكا التي تتلخص باستبدال شعب بشعب وثقافة، بثقافة أي إبادة الشعب المنكوب، وثقافته والحلول محلهما، فالبيت الأبيض، ومبنى الكونغرس، ومقر وزارة الدفاع (قلعة البنتاغون) وجميع متاحف وصروح العاصمة واشنطن مبنية فوق مقبرة جمعية كانت مدينة هندية عامرة ومزدهرة تدعى (نكن شنتكه) وقد أبيد شعبها شعب كونوي عام 1623 بينما يزعم المؤرخون الأمريكيون أن جورج واشنطن، أحد الآباء العظام للأمة الأمريكية، اختار موقع العاصمة على ارض عذراء على ضفاف نهر بوتومك، فطاف بنفسه في مجاهلها البكر واستحسن موقعها، فلا وجود لشعب كونوي ولمدينته المزدهرة بالصناعة والتجارة، بل مجرد مستنقعات وأرض خلاء، تماما مثلما زعم "الاسرائيليون" أن "فلسطين أرض بلا شعب لشعب بلا "رض".
ولكن في عام 1975 إبان عهد الرئيس جيرالد فورد، وبينما كانت الحفارات تعمل في حدائق البيت الأبيض لإقامة مسبح للرئيس، برزت الآثار العمرانية والرمم البشرية التي تعود لشعب كونوي (المنكوب) فأهيل التراب بسرعة على آثار الفضيحة وقد حدث الأمر نفسه خلال حفريات حول مبنى الكونغرس، اذ ظهرت اثار مقلع تحيط به أسواق صناعية للأطباق والغلايين والقدور والجرار التي كان ينتجها شعب كونوي من صخر المقلع الصابوني الناعم.
والآن، مع اختلاف الظروف وأطراف الصراع، ماذا يفعل "الاسرائيليون" غير تكرار ما فعله المستوطنون الانجليز بشعب كونوي وغيره من الشعوب التي تعد عشرات الملايين؟ وماذا يفعل الأمريكيون في العراق غير تكرار ما يفعله "الاسرائيليون" في فلسطين؟ أمّا أنهم لن ينجحوا في تحقيق أهدافهم بسبب اختلاف الظروف التاريخية وأطراف الصراع، فهذا بحث آخر.