رحلة بوش بين ريغا وعمان:
تسهيلات أولمرت... ومخارج الحروب الأهلية!
عبد اللطيف مهنا/كاتب من فلسطين المحتلة يقيم في سوريا
لا
جدل في أن أولى أولويات الحركة السياسية الخارجية للولايات المتحدة وحلفائها هذه
الأيام تتمثل في البحث عن مخارج تليق بما تتطلبه الهيبة الإمبراطورية المفترضة
للقوة الكونية الأعظم في العالم، مخارج من شأنها أن تقيها أزوف ساعة هزيمة مشروعها
في العراق المحتل، وتسمح بتمكينها من الحفاظ على مصالحها المتعددة والحيوية بالنسبة
لها في المنطقة العربية وجوارها الإسلامي الكارهين لها... بما في ذلك طبعاً الحفاظ
على (تابو) دائم في هذه السياسة هو الأمن والدور والوجود "الإسرائيلي"، بالإضافة
إلى استمرارية تدفق النفط وتحكمها به، وكذا الأمر نفسه بالنسبة لمصالحها
الاستراتيجية في أفغانستان المحتلة، وأهمها الإبقاء على وضع يدها على طريق الحرير
تحسباً للمواجهات القادمة مع القوى المتعملقة الطامحة لأخذ الأدوار المتناسبة مع
أحجامها المتعاظمة في السياسة الدولية، كالصين وروسيا والهند... الورطة والتخبط
والخسائر البشرية والمادية المزدادة باضطراد التي تلحق بالولايات المتحدة جراء
تعاظم واتساع وتطور فعالية المقاومة العراقية، وكذا الأفغانية، ليست بالأمور التي
تختصر عنواناً لفشل بائن وبالتالي لازمة مربكة راهناً وتستفحل مع الأيام للإدارة
الأمريكية، أو حزبها الجمهوري فحسب، وإنما تعدّ أيضاً هماً حقيقياً مقلقاً
لمنافسيهم الديمقراطيين، المنتصرين بفضل هذه الأزمة في الانتخابات التشريعية
الانتصافية الأخيرة، وسيكبر هذا الهم بعدما أتيح لهم أن يسيطروا على الكونغرس...
هنا قد تختلف الوسائل وسبل السعي للخروج من الورطة بالنسبة للطرفين، لكن الهدف يظل
واحداً، وعنوانه اليوم توصيات "لجنة بيكر"، المشتركة بين الحزبين، التي يسرّب منها
بمقدار مدروس كل يوم، ريثما تعلن، كما قيل، قبل نهاية هذا الأسبوع.
من هذه الزاوية يمكن متابعة سائر الحركة الأمريكية الراهنة، بما في ذلك صخب رحلة الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن، صاحب الحرب الكونية الشاملة على عدوه اللامرئي المسمى بالإرهاب، ومشعل "الحروب الاستباقية" وحرائق "الفوضى البناءة" في المنطقة... رحلته الأخيرة من ريغا الأطلسية وحتى عمان. وقبل ذلك الزيارة التي سبقتها لنائبه، وأكثر غلاة الإدارة الأمريكية تحمساً لمصائب المنطقة، ديك تشيني، وكذا، وعلى هامش الرحلة الرئاسية الميمونة، زيارة وزيرة خارجيته المبشرة بولادة الشرق الأوسط الجديد كوندوليسا رايس لأريحا فالقدس المحتلة.
بيد أنه لابد من تسجيل حقيقة تقول، أنه مهما تبدلت الإدارات الأمريكية واختلفت، فإن هذه السياسة الخارجية للدولة القطب الأوحد المتحكم، على الأقل في هذه الحقبة، بقرار العالم، تحكمها أولاً وقبل كل شيء، حسابات استراتيجية وسياسية ومصالح كارتيلات ولوبيات، وقوى ضغط. ومع ذلك فإن النكهة البوشية الحادة الممزوجة بالغطرسة وكثير من الحماقات تظل سمتها الراهنة وإلى عامين قادمين، بحيث لا يبدو هذا الزائر الباحث عن حلول للورطة العراقية في عمان، وقبل هذا عن مزيد من المساعدة أو التورط الأطلسي معه أو نيابة عنه في أفغانستان في ريغا، قد أفاد من دروس الأعوام الكارثية على العالم وعلى سمعة بلاده التي هي من صنعه ووسمت سني عهده في البيت الأبيض. فحيث من المتفق عليه أن رجلته من ريغا إلى عمان تحددها حقائق فشل أمريكي، مجمع عليه حتى في الولايات المتحدة، يتحقق أمام سمع العالم وبصره في العراق وأفغانستان وفلسطين، وتعثر يزداد راهناً في لبنان، وحتى في دارفور والصومال، وحيث بالتالي، مواضيع هذه الرحلة المطلوب بحثها جلية، وهي، العراق وفلسطين ولبنان، وإيران وأفغانستان، وعدوه الكوني المسمى بالإرهاب، وشؤون التطرف والاعتدال. إلا أن لغة الخطاب البوشي هي هي لم تتغير، ولم تفقد لكنتها المستخفة بالحقائق والعقول، مثلاً:
قال في ريغا أن كل مشاكل الشرق الأوسط إنما هي بسبب من رفض المتشددين فيه لـ"انبثاق الديمقراطية"... أما لماذا يرفضون هذا الانبثاق؟! فلأنهم "لا يستطيعون تحمل فكرة الديمقراطية" لا أكثر ولا أقل! أما بخصوص ما يسميه "العنف" في العراق فلا سبب عنده له إلا "الهجومات التي تشنها القاعدة، مما دفع الناس إلى القيام بعمليات انتقام"، أما كيف إنهاء مثل هذا "العنف" و"الانتقام"؟!
فالجواب ببساطة، كما قال، هو أنه سوف يسأل المالكي "ماذا نحتاج من أجل النجاح"؟!
... في عمان، التي قصدها ليطلب المساعدة مِن مَنْ يطلق عليهم الأمريكان اليوم "المعتدلين" العرب، في إيجاد المخارج التي أشرنا إليها بدايةً، أي من اللذين كان يهددهم سابقاً بالتغيير الديمقراطي الأمريكي الزاحف، فلقد كرر بوش ما سبق وأن قاله في ريغا، وقبله في واشنطن: "لن أسحب القوات من ساحة المعركة قبل نجاح المهمة" في العراق!
اللافت، أو الذي يجدر التوقف عنده، هو أنه سبق وصول بوش إلى عمان تحذير أردني من اندلاع "ثلاثة حروب أهلية في ثلاث بلدان عربية"، واحدة قائمة فعلاً لكنما دونما إعلان في العراق، أو هذا ما بدأت تصفها به الصحافة الأمريكية هذه الأيام، واثنتان هما في الانتظار أو برسم الاشتعال في فلسطين ولبنان!
لكن، ما الذي كان في قمة أفغانستان الأطلسية في ريغا اللتوانية؟!
تبدو الأمور، لأول وهلة، سهلة هناك، إذ لا يبدو أن الأمريكان في حاجة للدفع باتجاه استباقية أطلسية، هي شبه مستعدة أصلاً، كما لا حاجة لبوش لبذل جهده في تلمس ذات الهموم عند مؤتمري الأطلسي هناك، لأن دليل العمل, والوثيقة البرنامجية المنشودة للحلف، تراعيان التطور النوعي في عقائده واستراتيجياته ومسرح عملياته، المستوجبة أو المستحدثة بعد انتهاء الحرب الباردة... مثلاً، إقرار التدخل خارج الحدود الأوروبية، وعلى رأس ذلك اعتبار "الشرق الأوسط الكبير" مسرحاً قادماً لعملياته، وتدخله المزمع في النزاعات الإقليمية، وكذا ضرورة مواجهة عوائق تدفق النفط والغاز، والمساهمة في حذر وفرة التسلح التقليدي، ومنع انتشار أسلحة الدمار الشامل، ومحاربة الإرهاب، إلى جانب اتساع المهام المستقبلية، مثل خوض حروب شاملة، والمشاركة في حفظ عمليات السلام، وجهوزية التعاطي مع أزمات متعددة في وقت واحد، وتشكيل قوة الرد السريع الخ... ولكن، ومع ذلك، الأطلسيون، لم يخرجوا عن ترددهم الاستباقي المعهود، فرغم ما أتفق عليه نظرياً، لم يجد بوش لديهم الجواب الشافي المرغوب عنده للهم الأفغاني. لا مزيد من القوات، ولا من نية مزيد من التورط في الحرب الدائرة هناك إلا بمقدار... لم يقنع الألمان، مثلاً، بنقل قواتهم من الشمال الأفغاني الهادئ إلى حيث الجنوب الملتهب!
في عمان، وبعد المحطة اللتوانية، ووسط إشارات أمريكية متناقضة، كان لقاء بوش المالكي، الذي أثار سؤالاً لدى المتابعين يقول:
ترى من منهما في حاجة لعون الآخر؟! هل هو بوش الذي يريد مخرجاً من الورطة العراقية، أم المالكي الذي تخلى عنه تيار الصدر، أو داعمه الأساس في الائتلاف الحاكم في عراق ما بعد الاحتلال؟!
لقد كان لقاء الاثنين في ظل هاجس مواجهتهما لفشل تبشيرات الأول ووعود الثاني... اثنان يحتاج كل منهما الآخر، وكررا ما سبق منهما ولا مزيد أو جديداً... كال بوش بكرم مديحاً للمالكي، وإذ اعتبره "الرجل المناسب"، ألقى على عاتقه ملف الأمن ومسؤولية بقاء الاحتلال، استعداداً منه على ما يبدو لتوصيات تقرير المنقذ بيكر، أو ما سرب على أنه الانسحاب التدريجي دون جدول زمني، هذا الجدول الزمني الذي هو عند بوش "غير واقعي"، أو عملياً مجرد خفض عديد القوات، وإعادة انتشارها، وفق ذات التسريبات، حيث يقول بوش: "سنظل في العراق ما دامت حكومته تطلب منا ذلك"... لعل مديح بوش ناقض تقرير ستيفن هادلي مسؤول الأمن القومي في إدارته، الداعي إلى "ضرورة جدية الحركة وليس الهلع"، والذي يعتبر المالكي غير موفق، ولم يف بوعود قطعها في خطابه أمام الكونغرس الأمريكي في زيارته الأخيرة لواشنطن..!
إذن هاتان هما حالتا بوش الأفغانية والعراقية، فماذا عن الباقي من همومه؟!
صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية رأت أن واحدة من أهم استهدافات محطة بوش الأردنية هي محاولة نسج "تحالف سني" في مواجهة "الهلال الشيعي"! وإذا ما أخذنا في الاعتبار قدوم تشيني الذي سبقه للمنطقة، والكلام عن "محور المعتدلين"، والنصائح العربية للصديق الأمريكي بأن السبيلين لحل الورطة العراقية وصد النفوذ الإيراني لا يتوافران دونما حل القضية الفلسطينية، نأتي إلى فلسطين، ولبنان...
بوش أكد في ريغا وقبلها وبعدها، ولحق به عديد المسؤولين الأمريكان، دعمه لحكومة الرئيس السنيورة، وتغنى بديموقراطيتها، رغم استئثارها بالسلطة ورفضها مطلب حكومة الوحدة الوطنية، أو الانتخابات المبكرة، كمطلبين ترفعهما المعارضة التي تنزل الآن بقوة إلى الشارع، أو اتهامها من قبل رئيس التيار الوطني العماد ميشيل عون، بتعطيلها لرئاسة الجمهورية، والمجلس الدستوري، والتلكوء في إقرار قانون انتخابي جديد... إلخ.
أما في فلسطين، وعملاً بالنصيحة المشار إليها آنفاً، فلقد سبق قدوم بوش إلى "منتدى المستقبل" في عمان، وهذه ليست من محاسن الصدف، إعلانان مساعدان لمهمة قدومه وفي خدمة استهدافاتها، الأول، المساعي الإقليمية التي توجت بما سمي التهدئة في غزة، أو المبادرة الفلسطينية التي تعد في حقيقة أمرها إنجازاً إقليمياً، ولاحقاً ما سرّبته مصادر "إسرائيلية" من مباحثات مزمعة بين مستشاري أولمرت وأبو مازن قريباً في مسعى تهدئة مماثلة في الضفة. والثاني، هو ما عرف بتسهيلات أولمرت أو مبادرته التي أطلقها وهو يقف على قبر "الأب المؤسس لإسرائيل" بن غوريون، في ذكراه السنوية في مستعمرة "سديه بوكير" في النقب، أو نفس المكان الذي أطلق منه سابقاً فكرة "الانفصال الأحادي"، تفادياً للخطر الديموغرافي... تسهيلات أولمرت تتحدث عن دولة فلسطينية لم يحدد مواصفاتها إلا بكونها قابلة للحياة مقابل إسقاط حق العودة... وحكومة فلسطينية جديدة توافق على شروط الرباعية وتتبنى "خارطة الطريق"، وتطلق الأسير "الإسرائيلي" جلعاد شاليت، وتتخلى عن خيار المقاومة وحق العودة. مع تأكيد أولمرت على ضم المستعمرات، وعلى الخط "الإسرائيلي" الأحمر الرافض العودة لحدود 1967... وتجاهلت القدس والجولان، وحدود الانسحابات المزمعة، الأمر الذي لا يعني كما قالت صحيفة "هآرتس الإسرائيلية"، سوى "التنصل من خطة الانطواء الأحادية الجانب ليحل محلها الانطواء بالحوار مع السلطة الفلسطينية". أو كما قالت صحيفة أخرى هي "يدعوت احرونوت":
لقد وعد أولمرت الفلسطينيين "بجبال وتلال شاهقة من الوعود" وطالبهم "بأمور ليست بقليلة"... ورغم كونها لا تتعدى المناورة، وجاءت على شرف حركة بوش، إلا أنها محل اختلاف "إسرائيلي"، ويعدها اليمين بمثابة الخيانة، فعلى أية حال فإن الأمريكان سوف يحاولون قبض ثمن وعود أولمرت الخلبية هذه من العرب، وبدأت رايس في جنيها، على ما يبدو، حتى قبل وصولها إلى أريحا، فالكونغرس شدّد على تأييد الدعم لأبي مازن في مواجهة (حماس)، ومن ذلك تسليح حرس الرئاسة، مع مطالبته باعتماد خيارات أخرى غير حكومة الوحدة الوطنية المنشودة فلسطينياً... وبعد وصولها استقبلها أبو مازن بإعلان أن المباحثات مع (حماس) حول تشكيل حكومة الوحدة الوطنية قد وصلت إلى طريق مسدود... رايس كررت حكاية "الخيارات الأخرى"، ومصادر الرئاسة في رام الله بشرت الفلسطينيين بـ"إجراءات سياسية غير مسبوقة"!!!
إذن، بوش بين واشنطن وريغا ومنها إلى عمان، وعودة إل واشنطن، يبحث عن ما يساعده لإيجاد مخارج لورطاته الاستباقية... وفي العراق وأفغانستان الداميتين، المقاومة تتعاظم وتتصاعد وتتطور وتتسع، والمشروع الإمبراطوري فيهما يتعثر... وفي فلسطين، ورغم المذبحة المتواصلة فصولاً على امتداد ما ينوف عن القرن، ما زال الشعب الفلسطيني كعادته التي تميز نضاله يبتكر الجديد من سبل المواجهة والصمود، وفي لبنان عجز، حتى الآن، الساعون لإخراج هذا البلد العربي من جلده، أو نقله إلى الموقع الآخر... ووكيله الإقليمي، وكيل بوش "الإسرائيلي"، شكّل فقط 56 لجنة تحقيق عسكرية لتحري سبب إخفاقات جيشه في حربه الأخيرة على لبنان، درست، كما قيل، حتى عبوات المياه وحقائب الظهر التي يستخدمها جنوده...
وأخيراً، لا يبدو أن رياح المنطقة الكارهة للأمريكان والرافضة للهيمنة الأمريكية والغاضبة على دمويتها ستأتي بما تشتهيه سفن القادم من ريغا، الباحث عن مخارج من ورطة هي من عواقب حمقاته الإمبراطورية... لكن، وبانتظار مرحلة ما بعد توصيات لجنة بيكر... لا بد لنا من التوقف ملياً أمام التحذيرات الأردنية!!!