المحكمة وقميص عثمان؟؟
عباس المعلم - كاتب من لبنان
قد تتباعد وتتقارب التوصيفات عن القوى الشباطية في لبنان، لكن اليوم لم يعد أحد بحاجة إلى تحليلا أو توصيفا لحال هذه القوى، بعد أن أفاضت في انتهاكها للسيادة والدستور والعيش المشترك، وأسقطت عنها قناع الحمل الوديع، الذي تلطت خلفه بعناوين وشعارات رنانة عن الحرية والاستقلال والقرار الحر والولاء للوطن أولا..، وتبين لاحقا للقاصي والداني وجهها الحقيقي، وهو أخذ البلاد والعباد إلى أحضان الوصاية والاستعمار وجعل لبنان ممراً ومقراً لتنفيذ مشاريع ومخططات أمريكية لزعزعة الاستقرار في المنطقة.
وفي هذا السياق دأبت هذه القوى على المناورة في الحفاظ على وهمية سلطتها بما بات يعرف بقميص عثمان أي المحكمة الدولية، فعندما تقاتل العدو "الإسرائيلي" وتقدم مئات الشهداء من نساء وشيوخ وأطفال فأنت تعمل على إفشال "المحكمة" وعندما تحث الحكومة على النهوض بالحالة والاجتماعية والاقتصادية وتطالب بحقوق الشعب فهذا يعني أنك تعرقل المحكمة، وعندما ترفض الاستئثار بالسلطة وتطالب بمشاركة أكثرية الشعب اللبناني في حكومة وحدة وطنية إنما تسعى إلى نسف المحكمة الدولية.
لكن ما هي حقيقة هذه المحكمة مع القوى الشباطية، بعد انتهاء العدوان "الإسرائيلي" على لبنان ومطالبة قوى المعارضة بحكومة اتحاد وطني، وفي ظل فشل ذريع لمشروع "الشرق الأوسط الكبير" وتخبط الإدارة الأمريكية، وجدت هذه القوى نفسها أمام خيارات جدية يطرحها الفريق الأخر عليها، وهي إما الحوار والاتفاق على حكومة اتحاد وطني وإما إسقاط الحكومة في الشارع، فكانت مبادرة الرئيس نبيه بري التشاورية أشبه بخشبة خلاص للقوى الشباطية المفلسة على كافة الأصعدة، وكان الأجدى لهذه القوى أن تسهم في إنجاح هذه المبادرة حماية لسلطتها الوهمية التي حكمت على نفسها بالانهيار مع إعلان فشل التشاور.
وهنا يتساءل المرء عن كيفية نظرة فرقة الحكم لمبادرة التشاور، فمنذ اللحظة الأولى لإعلان بري عن موعد بدء جلسات التشاور المحددة بأسبوعين فقط سارع كل من وليد جنبلاط وسعد الحريري إلى طلب تأجيل هذه المبادرة أسبوع، من أجل أن يتثنى لهم استشارة "الأخوان" في واشنطن وباريس، وهناك ابلغ الحريري وجنبلاط بضرورة المشاركة في التشاور ومحاولة إطالة مدة هذه المشاورات من أجل تطيير أسبوع من المدة المحددة، وطلب منهم أيضا جعل ملف رئاسة الجمهورية مقابل حكومة الوحدة الوطنية وبذلك تتشعب الأمور ويضيع الوقت، ومن ثم تأتي مسودة المحكمة الدولية ويتم إدخالها بنداً على طاولة التشاور أما للمقايضة كما فعل سعد الحريري بعرض الموافقة على الثلث المعطل وإشراك من تريد المعارضة في الحكومة مقابل الموافقة على بياض، وأما استيلاء الأكثرية على السلطة وعلى الشارع وإقرار المحكمة بجلسة استثنائية للحكومة على قاعدة (اللي عجبوا عجبو واللي ما عجبو يخبط راسو بالحيط)..
هذه المقايضة الرخيصة كانت تلاقي رفضا قاطعا من المعارضة، لأنها موافقة أصلا على مبدأ المحكمة الدولية، وكل ما تريده هو مناقشة قانونية لهذه المحكمة، أيضا فأن هذه القوى تعتبر أن المطالبة بحكومة الوحدة منفصلة عن المحكمة ولا تمت لها بأي صلة، من هنا يتبين مدى إذعان القوى الشباطية للوصاية الأمريكية التي تحاول المتاجرة بدماء الرئيس الشهيد رفيق الحريري من أجل أجندة خاصة بها تريد فرضها في المنطقة، وتتقاطع هذه الرغبة الأمريكية بالمتاجرة أيضا بدماء الرئيس الحريري من أجل الحفاظ على استيلاءها للسلطة وتعبئة الشارع وربما يطرح التساؤل اليوم، عن قيام "تيار المستقبل" بنشر ملصقات إعلانية ضخمة في جميع المناطق، تصور جريمة الاغتيال مع كلمة "لن ننسى"، والمستغرب في هذا الخصوص أن هذه الملصقات تم نشرها قبل البدء في جلسات التشاور وقبل وصول مسودة المحكمة الدولية، وهذا يدل على النيات المبيتة لهذه القوى لكن العجب في هذا الخصوص أن يدخل ولي الدم نادي المتاجرين أيضا...