الأسد ينتقل من حفر الباطن إلى "المنطقة الخضراء"!!

د. محمد الزعبي/وزير سوري سابق وأستاذ أكاديمي يقيم في ألمانيا

1 - لا يلدغ العاقل من جحر مرتين!

كمعارض عربي سوري للنظام السوري الديكتاتوري الوراثي، وكمنتم لفكر وأيديولوجية حزب البعث العربي الاشتراكي الذي تم اختطافه وتشويهه وتغيير مساره الوطني والقومي من قبل هذا النظام (بصورة جزئية قبل حركة حافظ الأسد التصحيحية 1970، وبصورة كلية بعد قيام هذه الحركة وانفراد حافظ الأسد بالسلطة.) أجدني مسرورا لهذه الزيارة (غير المفاجئة) لوزير خارجية بشار بن حافظ الأسد وليد المعلم "للمنطقة الخضراء" في بغداد، في الفترة من 19 إلى 20 نوفمبر 2006، والتقائه بمثيله في الشكل والمضمون هوشيار زيباري، أو إذا شاء القارئ الكريم هوشيار دبليو بوش زيباري!.

أما سبب سروري لهذه الزيارة التي وصفها أحد المواقع الإعلامية العربية بـحق بـ (السقطة السيلسية في الوقت الضائع)، فلأنها أزالت لبساً سياسياً كان قائما - بهذه الصورة أو تلك - بين بعض أبناء العم (حسب تعبير الأستاذ رياض الترك) من المناضلين العراقيين وبعض أبناء العم من المناضلين السوريين الذين يؤيدون المقاومة العراقية البطلة التي تتصدى للاحتلال الأنغلو – أمريكي الغاشم منذ العاشر من أفريل 2003، تأييدا مطلقاً، بقلوبهم وعقولهم ولألسنتهم وأقلامهم.

ويتمثل هذا اللبس السياسي، الذي أشرنا إليه، في أن بعض الإخوة المناضلين في العراق الشقيق، قد خدع (بضم الخاء) في بعض الأحيان، بالتراشق الكلامي بين نظام دمشق من جهة، وكل من الولايات المتحدة و"إسرائيل" من جهة أخرى وخيل إليه (أي البعض) أن نظام دمشق هذا ذا الأصول البعثية، يمكن أن يكون مختلفا عن بقية الأنظمة العربية التي تواطأت مع الولايات المتحدة ضد العراق في حربي 1991 و2003. ولعل مثل (بفتح الميم والثاء) هؤلاء الإخوة في بغداد كمثل رفاق لهم في دمشق قد خدعوا (بضم الخاء أيضاً) بدورهم بما عرف، بعد مسرحية التوريث، بـ (خطاب القسم الأسدي) (للوريث الشاب!) الذي جعل - أي خطاب القسم - الكثيرين يعتقدون أن سورية باتت حبلى بربيع دمشقي سوف تفتح ولادته (رغم طابعها القيصري) للجماهير باب الديمقراطية على مصراعيه، وكانت النتيجة أن (الوريث الشاب) بدلا من أن يفتح للجماهير الشعبية باب الديمقراطية، فتح لها ولقياداتها السياسية والثقافية والاجتماعية أبواب السجون والمعتقلات، وتحول نسيم ربيع دمشق الواعد إلى عاصفة هوجاء اكتسحت في طريقها كافة رموز المعارضة الوطنية في سوريا، بدءاً من رياض الترك وعارف دليلة وحبيب عيس ورياض سيف ومأمون الحمصي وفاتح جاموس وعبد العزيز الخيّر وأصلان عبد الكريم...الخ وانتهاء برموز (إعلان دمشق)، و(إعلان بيروت - دمشق/ دمشق – بيروت) ولاسيما ميشيل كيلو وكمال اللبواني ومحمد العبد الله وأنور البنّي والعديد من ناشطي ورواد منتدى الأتاسي، مرورا بمئات إن لم يكن آلاف المناضلين من المواطنين الشرفاء الآخرين الذين تم الزج بهم في زنازين النظام التي باتت لكثرتها عصية على العدّ.

إن هذا يعني أنه على الإخوة والرفاق في بغداد، ألاّ يلدغوا من ذات الجحر الذي سبق أن لدغ (بضم اللام) منه إخوانهم في دمشق، والذين هم النصير الحقيقي لهم، قلباً وقالباً، في ربيع وخريف وشتاء وصيف دمشق.

 

2 - السقطات العشر!

إن إزالة الالتباس الحاصل بين رفاق الطريق النضالي الواحد، فيما يتعلق بالموقف من النظام السوري الراهن، والذي ساهمت زيارة وليد المعلم الهوشزيبارية بتحقيقها (أي إزالة الالتباس)، باتت تسمح لقلم الرصاص، في أن يقول اليوم مباشرة ما كان يقوله بالأمس مداورة. ولسوف يكتفي هذا القلم هنا بتعداد أبرز المواقف المشبوهة واللاديموقرطية للنظام السوري والتي لا تحتاج إلى كثير من الشرح والتوضيح والتعليل نظراً لشدة وضوحها، والتي تكشف الغطاء عن تآمر النظام السوري بجيليه (الأب والابن) على القضايا العربية عامة، وعلى القضيتين الفلسطينية والعراقية خاصة، ناهيك عن موقفه الراهن الذي لا يحسد عليه من القضية اللبنانية ومن المحكمة الدولية.

وتتمثل أبرز هذه القضايا - من وجهة نظر الكاتب الشخصية - بـ:

- مصادرة الحياة الديموقراطية في سورية جملة وتفصيلاً، وتغطية هذه المصادرة، بالتبني الشكلي لأيديولوجية حزب البعث العربي الاشتراكي بأبعادها القومية والاجتماعية والاشتراكية، وتثبيت ذلك في المادة الثامنة من دستور حافظ الأسد لعام 1973 بنصها على أن حزب البعث العربي الاشتراكي هو الحزب القائد للدولة والمجتمع في ج ع س!! ثم إفراغ هذه المادة من مضمونها في المواد اللاحقة التي أعطت لحافظ الأسد، بوصفه رئيسا للجمهورية، كل الصلاحيات التي لا يملكها أي رئيس أو ملك أو إمبراطور في وقتنا الراهن. بل وسمحت له بالجمع والدمج بين منصبي رئيس الجمهورية والأمين العام لحزب البعث الحاكم(!) وبتعيين أعضاء المحكمة الدستورية المسؤولة عن محاسبة الرئيس نفسه، مما يعني عمليا إخضاع السلطتين التشريعية والقضائية للسلطة التنفيذية، أي بالمشرمحي الفصيح لسلطة حافظ الأسد شخصياً!!. (أنظر مقالة للأستاذ المحامي أنور البني، بعنوان "الآلية القانونية لهيمنة حزب البعث في سوريا" في صفحات سورية، تاريخ 15- 11 - 06).

- تكريس حالة الطوارئ التي تم فرضها في البلاد بتاريخ 8/3/1963، والتي مثلت العربة التي استخدمها النظام في تنقلاته المشبوهة، من حفر الباطن في السعودية 1991، إلى منطقة عنجر في بيروت 1976، وأخيرا وليس آخرا إلى "المنطقة الخضراء" في بغداد الرشيد 2006. إن هذه المحطات الكبرى الثلاث (حفر الباطن، عنجر، المنطقة الخضراء) إضافة إلى المحطة الرابعة التي تتمثل (بالبلاغ العسكري رقم 66) الشهير من بلاغات حافظ الأسد العسكرية في حرب حزيران 1967 الذي أعلن فيه عن سقوط القنيطرة عاصمة هضبة الجولان قبل أن يدخلها أي جندي "إسرائيلي" (!!)، والانسحاب الكيفي للجيش السوري من هضبة الجولان، وأخيرا هذا الصمت المتواصل على احتلال "إسرائيل" لهضبة الجولان ومن ثم إعلانها عام 1981 - بقرار من "الكنيست" - أرضا "إسرائيلية" (!!) إنما تمثل المربّع الزئبقي للتعاون الأسدي الأمري – "إسرائيلي" المتواصل منذ انقلابه العسكري على الحزب بجناحيه القومي والقطري أو إذا شاء بعض الرفاق (وهو مالا أؤيده) اليميني واليساري عام 1970 وحتى يومنا هذا، يوم الزيارة الميمونة لوليد المعلم للمنطقة السوداء حيث زملاؤه في العمالة والطائفية، وحيث تبادل القبلات والقهقهات مع السفير الأمريكي الذي خلص الطرفين من صدام حسين (العدو المشترك لهما)، ممهدا بذالك الطريق الجغرافي والسياسي لمثل هذه الزيارة المشبوهة!!.

- تكريس ظاهرة الفساد الإداري والمالي، ذلك أن طبيعة النظام الأقلياتية اللاديمقراطية، جعلته بحاجة إلى شراء الذمم والتغاضي عن تجاوزات الأزلام والمحاسيب والأقارب وأجهزة الأمن وكل الذين يعوض النظام بهم غياب التأييد الشعبي الحقيقي له.

- العجز عن حماية أرض الوطن، سواء فيما يتعلق بلواء إسكندرون الذي استولت عليه تركيا بمساعدة فرنسا 1939 أو بهضبة الجولان التي احتلتها "إسرائيل" عام 1967، ثم أعلنت ضمها رسميا إلى كيانها المصطنع عفي 14/12/1981. ناهيك عن الموقف المتفرج من الاحتلال "الإسرائيلي" لفلسطين، ومن الاحتلال الأنغلو - أمريكي للعراق، وهما قطران عربيان ينطبق عليهما، وفق أيديولوجية حزب البعث، ما ينطبق على هضبة الجولان السورية المحتلّة.

- تحويل سورية من جمهورية برلمانية ديمقراطية، إلى جمهورية وراثية، بعد مهزلة تعديل المادة المتعلقة بعمر رئيس الجمهورية في دستور 1973، وجعلها على المقاس العمري للوريث (بشار)، وتحويله عمليا إلى ملك غير متوج!!.

- الهيمنة على القطاع العام، ولاسيما النفطي منه، وتحويله إلى ملكية خاصة للنظام وأزلامه، الأمر الذي تحول معه هذا القطاع إلى بؤرة للفساد والإفساد والارتزاق غير المشروع، وتحطمت على صخرته مقولة " الرجل المناسب في المكان المناسب " العنصر الأساسي والضروري لعملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية .

- التصفية الجسدية للخصوم السياسيين، من أبناء الطائفة العلوية الذين يمكن أن يشكلوا بنظر النظام بدائل سياسية أو حزبية محتملة لعائلة الأسد، ونذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر: اللواء محمد عمران، اللواء صلاح جديد، اللواء غازي كنعان، والدكتور محمد الفاضل السياسي السوري والوطني المعروف، والشاعر الشاب حسن الخير.

- المجازر الجماعية ذات الصبغة الطائفية التي أعقبت حدث مدرسة المدفعية في 16 حزيران 1979، (والذي كان بدوره سلوكا طائفيا بامتياز)، والتي أودت بحياة عشرات الآلاف من المواطنين السوريين الأبرياء في كل من حلب وحماه وتدمر وجسر الشغور ومعرة النعمان وغيرها من المدن السورية، وأدت بالتالي إلى تشريد عشرات الألوف من أبناء هذه المدن المنكوبة والذين مضى على تشردهم في كل أنحاء المعمورة ما يزيد على ربع القرن، دون أن تلوح أمامهم أية بارقة أمل في إمكانية عودتهم إلى وطنهم وبيوتههم!!

ويرغب الكاتب هنا أن يتساءل، عن الفارق بين سلوك النظام السوري حيال مشردي 1982 السوريين، وسلوك الكيان الصهيوني حيال اللاجئين والنازحين الفلسطينيين الذين شردهم هذا الكيان عامي 1948 و 1967، وما زال يصر على عدم عودتهم حتى هذه اللحظة إلى ديارهم التي شردوا منها، والتي ماتزال مفاتيحها في حوزتهم؟!

وإذا ماسمحت لنفسي أن أجيب على هذا التساؤل المشروع، فإن جوابي الصريح، هو مع الأسف الشديد: لا فرق!!!.

- التصفية السياسية لقيادات وللعناصر الفعالة في كافة الأحزاب والقوى والجماعات السياسية والثقافية والدينية المعارضة وذلك عبر زج هذه القيادات والعناصر في غياهب السجون إلى أن تنتهي صلاحياتهم السياسية والحزبية والشعبية، حتى و لو تطلب ذلك حبسهم دون سؤال أو جواب أكثر من عقدين من الزمن (وهو ما يمثل قرابة نصف عمرهم الفعّال والمنتج)، كما هي حال العديد من القياديين المناضلين في حزب البعث العربي الاشتراكي بجناحيه القومي (ميشيل عفلق) والقطري (حركة 23 شباط في سورية ) وفي الحزب العربي الاشتراكي (أكرم الحوراني) وفي الحزب الشيوعي - المكتب السياسي (رياض الترك)، وفي حزب العمل الشيوعي (فاتح جاموس)، وفي حزب الاتحاد الاشتراكي الديمقراطي العربي (جمال أتاسي)، وفي جماعة الإخوان المسلمين في سورية (علي صدر الدين البيانوني). ناهيك عن النائبين المعارضين رياض سيف، ومأمون الحمصي، وعن عدد كبير من المحامين والإعلاميين والكتاب الشرفاء من ممثلي منظمات حقوق الإنسان في سورية، ومن الذين وقعوا إعلان دمشق للتغيير الديمقراطي، والذين وقعوا بيان دمشق - بيروت / بيروت – دمشق مع زملاء لهم لبنانيين بهدف تحسين العلاقات الأخوية والقومية بين الشعبين الجارين في سورية ولبنان ولاسيما بعد عملية اغتيال االمرحوم رفيق الحريري وعدد آخر من صفوة المثقفين والإعلاميين والسياسيين اللبنانيين المعارضين للهيمنة الأمنية المخابراتية والعسكرية السورية على لبنان، وبعد خطابات التهديد والوعيد النارية غير المسؤولة لبشار الأسد ضد كل من عارض و يعارض هذه الهيمنة الطائفية (التي يطلقون عليها تدليساً الهيمنة السورية) على لبنان، أرضاً وشعباً.

- التصفية عن طريق القوانين القرقوشية، ونعني هنا القانون 49 لعام 1981 بالذات، والذي ينص على إنزال عقوبة الإعدام بحق كل من يثبت انتماؤه الحزبي لجماعة الإخوان المسلمين!!، ويقوم النظام السوري وفقا لهذه اللعبة القانونية باستصدار قانون يعتبر بموجبه هذا الحزب أو ذاك حزبا محظورا قانونيا ثم يقوم بعد ذلك بإصدار قانون ثان ينص على الحكم بالإعدام على كل من يخالف القانون الأول، أنها اللعبة القذرة التي مارسها ويمارسها النظام ضد الشعب السوري عامة، وضد المعارضة السورية خاصة. إن التسمية الحقيقية للقانون (49) هي "قانون اجتثاث الإخوان المسلمين في سورية".

 ويرغب الكاتب أن يتساءل هنا أيضا عن الفارق السياسي بل والأخلاقي بين قانون حافظ الأسد هذا، وقانون بول بريمر الأمريكي - "الإسرائيلي" الذي أصدره عام 2003، وأطلق عليه "قانون اجتثاث حزب البعث" من العراق؟!، وإذا ما سمحت لنفسي - هنا أيضا - أن أجيب على هذا التساؤل المشروع، فإن جوابي هو، وبالفم المليان هو: لا فرق!!!

 

3 - الخائفون من عودة صدام:

إن هذه الزيارة المشبوهة لوليد المعلم، للالتقاء بعملاء أمريكا و"إسرائيل" في العراق، إنما أملتها - حسب تقديرنا – خوف أعداء صدام حسين - الرئيس الشرعي لجمهورية العراق - من إمكانية عودته إلى السلطة، بعد أن تعالت الأصوات العربية والعراقية في ضرورة هذه العودة، ولاسيما بعد تلك المحاكمة المهزلة المتعلقة بقضية الدجيل، والتي أنهاها المحتلّون وعملاؤهم من العراقيين بإصدار حكم الإعدام على تلك الصخرة الوطنية والقومية الصلدة التي كانت تتحطم على مبادئها ومواقفها وإرادتها وإمكاناتها كل المؤامرات الأمريكية والبريطانية والصهيونية المناهضة للوحدة والحرية والاشتراكية في الوطن العربي، ويشمل هذا المعسكر، من وجهة نظرنا، بصورة أساسية كلاً من:

1 - 3

جمهورية إيران الإسلامية، التي هزمها صدام حسين في حرب الثمان سنوات، والتي تعاونت مع الولايات المتحدة الأمريكية في احتلالها لكل من أفغانستان والعراق، حسب ما صرح به السيد الخاتمي عندما كان رئيسا للجمهورية.

والتي تقوم هذه الأيام "فرق الموت" التابعة لها مباشرة أو مداورة وبالتعاون مع كل من "وزارة الداخلية العراقية"، وقوات "عبد العزيز الحكيم (قوات بدر) و(جيش المهدي) التابع لمقتدى الصدر وقوات الاحتلال الأمريكية والبريطانية، والبشمركة الكردية، بتصفية كل من كان له صلة أو علاقة بهزيمتها في حرب الثمان سنوات، بمن في ذلك كبار ضباط الجيش العراقي (الذي حله بول بريمر 2003) والعلماء، وأساتذة الجامعات، وشيوخ العشائر، ورجال الدين.

لقد استمع الكاتب هذا اليوم (26/11/06) للرئيس أحمدي نجاد، وهو يعلن على الملأ استعداد بلاده، لمساعدة أمريكا على الخروج من مأزقها في العراق (إذا... .) أوليس هذا اعتراف غير مباشر من السيد نجاد أن إيران هي التي ساعدت الأمريكان على دخول العراق عام 2003، وهي الآن مستعدة مرة ثانية لمساعدتهم على الخروج من المأزق الذي أوقعتهم فيه المقاومة العراقية البطلة، المقاومة التي يقودها نفس المناضلين الذين عملت القوات المحتلة على حلّ مؤسساتهم الوطنية والذين سيجبرون هذه القوات على العودة من حيث أتت لا تلوي على شيء، وبدون حتى خفّي حنين.

2 - 3

النظام السوري الطائفي الأسدي في دمشق، الذي جاء به الأمريكان والرجعية العربية إلى السلطة في سورية 1970، وأوكلوا إليه أمور لبنان 1976، لكي يقوم هناك بمهمتين أساسيتين تخدمان المخطط الأمري – "إسرائيلي" في المنطقة هما:

1 - تصفية المقاومة الفلسطينية ومعها كافة القوى اليسارية والعلمانية التي كان يقودها المرحوم كمال جنبلاط، والتي كانت تساند أبا عمار ومنظمة التحرير الفلسطينية في لبنان.

2 - تأهيل وتطويع الشعب العربي اللبناني للانخراط في مؤامرة الحل الشامل والعادل(!)، والأرض مقابل السلام(!) التي أبرمها حافظ الأسد مع كيسنجر (الغني عنى التعريف) عام 1974. وحده صدام حسين من بين كافة الأنظمة العربية ومن بينها النظام السوري كان يسبح ضد هذا التيار التصفوي المتشوق إلى الاعتراف بـ"إسرائيل" وطي صفحة الصراع معها، والذي وصفه وزير الإعلام السوري المتوفي المرحوم أحمد اسكندر الأحمد في مقالة له منشورة (وهو ما يعبر عن وجهة نظر النظام الأسدي) بالصراع العبثي، متناسيا وجود خمسة ملايين لاجئ ونازح فلسطيني في المنافي العربية والعالمية، يعانون من الاغتراب، وضنك العيش، والوقوع المستمر في دائرة الاتهام والانتقام. إن موقف النظام السوري هذا بعد استيلاء حافظ الأسد على السلطة عام 1970 هو ما يفسّر هذا الصمت المريب على احتلال الجولان منذ 1973 وحتى هذه اللحظة ويفسر بالتالي ذلك العداء الثابت للنظام السوري. (المفترض أنه ينتمي إلى حزب البعث) بجيليه (الأب والابن) للنظام العراقي ولصدام حسين، وتخوفه من عودة هذا النظام إلى السلطة على يد المقاومة العراقية البطلة، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ويفسر بالتالي هرولة الأسد إلى "المنطقة الخضراء"، داعما ومؤيدا للطائفية والاحتلال، وعارضا خدماته للحيلولة دون عودة صدام حسين وحزب البعث إلى السلطة في العراق.

وبهذه المناسبة يرغب الكاتب أن يشير هنا إلى ما ذكره أحد المحللين السياسيين الألمان في أحد تعليقاته على زيارة وليد المعلم إلى العراق، حيث قال، "إن ما تستطيعه سوريا في العراق هو فقط مساعدة المقاومة العراقية على التصدي للقوات المحتلة، أما أن تحاول إيقاف هذه المقاومة فهو أمر يقع خارج حدود استطاعتها".

3 - 3

الولايات المتحدة الأمريكية و"إسرائيل"، ولا أظنني بحاجة هنا إلى أي تفسير أو تعليل أو شرح. فهذا هو جورج بوش يعيش في القصر الجمهوري الذي بناه صدام في عاصمة الرشيد، وهذا هو صدام حسين يعيش في السجن الذي بناه له جورج بوش في عاصمة الرشيد أيضا!!. إنها دراما الكوميديا الإلهية "عش رجباً ترى عجباً".

4 – 3

الأنظمة العربية بصورة عامة، وأنظمة ما سمي بـ (إعلان دمشق)، والتي تشمل (لمن قد نسي) كافة دول الخليج العربي، مضافا إليها النظامان المصري، والسوري بطلا حفر الباطن بل حفر الظاهر والباطن معاً، إنها المهزلة بشحمها ولحمها، والتي تسمح لنا هنا أن نضع ألف إشارة تعجب واستفهام على مواقف هذه الدول، ليس البارحة واليوم وحسب وإنما غداً أيضاً، مضافا إليها - أي لإشارات التعجب والاستفهام - تفو على كل من يستحق هذه التقدمة الرمزية من العرب والعجم بمناسبة عيد الأضحى المبارك وعيد ميلاد السيد المسيح اللذان باتا على الأبواب.

5 - 3

التيار العربي الليبرالي، المطبل والمزمر للديمقراطية الغربية، ولاسيما بعد سقوط الإتحاد السوفييتي، وظهور ما بات يعرف بـ"النظام العالمي الجديد". وهذا هو السيد فلان الفلاني (الأمين العام للحزب الشيوعي العراقي) على سبيل المثال وليس الحصر يقبل تعيين المندوب السامي الأمريكي بول بريمر له في "مجلس الحكم" عام 2003 كممثل عن "حصّة" الشيعة في المجلس (مجلس المحاصصة الطائفية!!)، وليس ممثلا عن حزبه الشيوعي، فواعجبي؟!.

 

4

وفي إطار زيارة وليد المعلم، وزير خارجية النظام السوري الأسدي إلى "المنطقة الخضراء" في بغداد، لتأييد ودعم كل من النظام الطائفي الحاكم هناك، والقوات الأمريكية المحتلّة التي أتت بهذا النظام الطائفي، يرغب الكاتب أن يضع بين يدي القارئ الكريم في ختام هذه المقالة تصوره الخاص لمسالة دور الأقليات (السلبي والإيجابي) في عملية التغير الاجتماعي بما هي ظاهرة اجتماعية خاضعة وقابلة للتحليل والتعليل العلمي السوسيولوجي، وينص هذا التصور على ما يلي:

"إن الأقليات ولاسيما الدينية و/ أو القومية و/ أو الطائفية و/ أو الجهوية و/ أو الطبقية و/ أو الحزبية، و/أو القبلية، في أي مجتمع من المجتمعات البشرية، يمكن ان تلعب دورا إيجابيا وتقدميا في عملية التغير الاجتماعي، فقط عندما تكون في صفوف المعارضة للفئة الحاكمة. أما إذا ما صلت إلى السلطة بما هي أقلية، فلابد أن ينقلب دورها إلى دور سلبي بالضرورة المنطقية والتطبيقية، ذلك أنها لا تستطيع المحافظة على تلك السلطة التي وصلت إليها إلاّ بقوة السلاح، أي بالديكتاتورية العارية، ويصبح صندوق الاقتراع عندئذ هو العدو الرئيسي لها، ولاسيما إذا كان هذا الصندوق يمكن أن يؤدي إلى تحقيق شعار التبادل السلمي للسلطة.

هذا وغالبا ما تلجأ هذه الأقلية إلى الكذب والخداع والتدليس والنفاق لإخفاء حقيقة وضعها الأقلّياتي (التعاون مع عناصر تافهة وانتهازية من الفئات الأخرى المختلفة، تبنّي شعارات وأيديولوجيات بعض الأحزاب السياسية والدينية لكسبها إلى جانبها ...الخ )".

ويرغب الكاتب أن يشير هنا إلى أن جرثومة الشعور الأقلياتي، ومنه الشعور الطائفي، لا تدخل عادة أجسام ولا عقول ولا نفوس الأشخاص المناضلين التقدميين من أبناء هذه الأقليات، ولاسيما العلمانيين منهم. وإذا ما انتاب أحد من قارئي هذه المقالة مثل هذا الشعور، فإن الكاتب لا يملك إلاّ أن يقول له بصورة أخوية وودية وعادلة: "اللّي ببطنو حمّص بنفخو".

21/11/2006