المعارضة اللبنانية كيف تشكلت وما أجندتها؟

بقلم: محمد مصطفى علوش (كاتب من لبنان)

كان العالم برمته يراقب ثورة الأرز عقب اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري ، هذه الثورة التي تشكلت من قوى وتيارات لبنانية تأذت من السياسة السورية في لبنان والتي ظلت معتصمة في ساحة الشهداء في العاصمة اللبنانية بيروت، والتي خرجت في تظاهرة صُنّفت بالمليونية، والتي أسقطت حكومة عمر كرامي التي اُتهمت بأنها صنيعة سورية بامتياز.

من الغريب أن هذه القوى التي تشكلت، والتي أحب قادتها بأن يُطلق عليهم رجال الاستقلال الثاني، تيمناً برجال الاستقلال الأول عن الاستعمار الفرنسي لما جلبوه على لبنان من "الحرية والديمقراطية"، والتي كانت الشعوب العربية التي تعيش القهر والحرمان من المشاركة السياسية تحلم بمثل هذا التحرك بتحرير أنفسها من الأنظمة الاستبدادية في بلدانها، رغم أن هذه "الأكثرية" قد أدخلت إلى البرلمان اللبناني أكثر من 70 نائب إضافة إلى حوالي 17 نائب للتيار الوطني الحر المعارض لسوريا أصلاً أي ما يعادل 87 نائب من أصل 121 نائب لا يرغبون في أي تعاون أو تلاقي مع سوريا.

أقول من الغريب أنه لم يمض سنة على وجود حكومة هذه "الأكثرية النيابية" حتى تحولت إلى "أكثرية سيادية" في ظل "أكثرية شعبية" كانت قد تشكلت، فما هو السبب في تحول "الأكثرية النيابية" إلى أقلية شعبية لصالح من يُتهمون بعمالتهم لسوريا ولأدائها السيء جداً في لبنان؟

كيفت تشكلت المعارضة اللبنانية

لقد لعبت السياسة السورية المتبعة في لبنان وعلى مر ثلاثين سنة تقريباً أن تدجن الساسة اللبنانيين بحيث لم يخرج من مدرستها ساسة قادرين أن يقود بلادهم دون إتباع لقواعد وأوامر تأتيهم أول بأول من أسيادهم الذين ربّوهم على حسن الاستماع وسرعة التنفيذ لأجندة الأوامر التي لم تنته يوماً طوال وجودهم في لبنان.

لقد دخلت سوريا لبنان بتسوية سورية أمريكية مسبقة على أن تغلق جبهة الجولان في مقابل إطلاق يد سوريا في لبنان وحسناً فعلت سوريا خلال إدارتها للبنان والحق يقال أن سوريا لم تتخيل يوما وفي ظل الأوضاع الدولية القائمة أن تغادر لبنان وبهذه السرعة والطريقة المذلة والتي أعقبت اغتيال الحريري على خلفية القرار 1559 القاضي بحل الميلشيات اللبنانية وخروج الجيوش الأجنبية من لبنان في إشارة واضحة إلى الجيش السوري المتواجد على الأرض اللبنانية.

هذا الخروج السريع والمذل للجيش السوري من لبنان، وبعد أن كان يمسك بمفاصل الأمور الداخلية والخارجية للدولة اللبنانية ويدير لبنان عبر شبكة من الاستخبارات والضباط الصغار، جعل القرار السياسي اللبناني في يد فئة من الساسة اللبنانيين الذين لم يتعودوا على إدارة البلاد بمفردهم دون أن يتلقوا تعليمات خارجية، ما ساعد بعودة اليد السورية إلى لبنان عبر خلاياها التي ربّتها جيداً ومن خلال دعمها للمقاومة اللبنانية وتسهيل تواصلها مع إيران عسكرياً ولوجستياً.

كما أن هذه "الأكثرية" التي جاءت عقب ثورة الأرز كما يسميها قوى "14 آذار" وبعد أن شكلت الحكومة فقد عملت في لبنان على تقويض وإلغاء وإقصاء كل من كان له علاقة  بالنظام السوري أو على الأقل لم ينتقل من الخندق الذي كان فيه إلى الخندق الجديد، بناء على توجيهات خارجية فرنسية وأمريكية في تشابه تام مع ما قامت به الحكومات العراقية المتعاقبة بعد "انهيار نظام صدام حسين" من "اجتثاث البعث" بغطاء أمريكي، وكانت النتيجة أن حل الجيش العراقي وتهميش السنة كان خطأ استراتجي أدى إلى تعزيز المقاومة وإفشال المشروع الأمريكي في العراق.

هذا الأمر التي حاولت الدولة اللبنانية الجديدة والمدعومة دولياً وعربياً على اعتماده أدى إلى تجمع قوى المعارضة والمتضررين من تبدل الأدوار في لبنان ما شكل نواة جديدة للمعارضة ما لبثت أن نمت بشكل هائل جداً بعد انضمام حزب الله وحركة أمل إليها بعد انتهاء "حرب تموز".

لقد كان التدخل الأمريكي وكذلك الفرنسي في كل صغيرة وكبيرة في لبنان عبر سفيريهما في لبنان، زاد من الحنق الشديد على الحكومة وشكك في مصداقياتها، ما شكل معارضة جديدة للمعارضة القديمة وتبدلت الأدوار، نتيجة السياسات الخاطئة للحكومة اللبنانية حيث لم يكن لها هم سوى نزع سلاح المقاومة وإغلاق جبهة الجنوب، ما أثار حفيظة القوميين العروبيين وحتى الشيوعيين في لبنان، وبدعم سوري وإيراني، حتى جاءت الحرب الأخيرة وبان الدور الأمريكي في الهيمنة على لبنان ففي الوقت الذي كانت "إسرائيل" تدمر بيروت والجنوب والبقاع كان أعضاء من فريق "14 آذار" يتناولون السندويشات مع وزيرة الخارجية الأمريكية رايس التي رفضت وقف الحرب حتى تحقيق إسرائيل مهمتها.

التيارات التي تتشكل منها المعارضة وما أجندتها

تتشكل المعارضة من تيارات عديدة ومن جميع المذاهب اللبنانية وإن كان غالبيتها من الطائفة الشيعية ثم الطائفة المسيحية وأقلها من هم من الطائفة السنية.

أول من شكل معارضة حقيقية للحكومة اللبنانية أو ما عرف بـ"14 آذار" هو "التيار الوطني الحر" والذي حاول استقطاب المتضررين من تيار المستقبل من أمثال "تيار المردة" التابع للوزير الفرنجية و"الحزب القومي السوري الاجتماعي" و"البعثيين"، ومن أهم معالم "التيار الوطني الحر" الدعوة إلى علمنة الدولة بكل المقاييس والتخلص من الطائفية السياسية، كانت هذه المعارضة التي تشكلت مع انتخابات 2005 والتي كان "حزب الله" قد أقام حلفاً رباعياً مع "حركة أمل" الشيعية و"تيار المستقبل" "السني" و"الحزب التقدمي الاشتراكي" "الدرزي" والذي كان من نتائج هذا الحلف أنه شكل محدلة حقيقية أطاحت بكل منافس لهذا الحلف في كل المناطق الناشطة بها تيارات الحلف الرباعي.

لقد حاولت الدولة اللبنانية الناشئة أن تجرد "حزب الله" من أسلحته عبر طاولة التشاور وبالتالي إقرار المحكمة الدولية في اغتيال الرئيس الحريري وكذلك إسقاط رئيس الجمهوري إميل لحود الذي تعتبره امتداد للحقبة السورية، ولقد حاولت فرنسا والولايات المتحدة أن تضغط على الأكثرية لمنع نبيه بري من الحصول على رئاسة مجلس النواب والدفع لحل سلاح "حزب الله" ما أدى إلى اصطدام الدول بـ"حزب الله" سياسياً وبدأت الأزمة تتفاقم حتى كانت "حرب تموز" والتي خرج منها "حزب الله" متهما الحكومة اللبنانية بالغدر والطعن به من الخلف حتى اتهمها فيما بعد بأنها حكومة السفير الأمريكي فيلتمان.

باستقالة الوزراء الشيعة من "حزب الله" و"حركة أمل" وذلك قبل إقرار "المحكمة الدولية" القادمة من الأمم المتحدة إلى مجلس الوزراء كان "حزب الله" و"حركة أمل" قد انضمت فعلاً إلى صف المعارضة ما جعل المعارضة مركز استقطاب كبير التي دعت إلى إسقاط الحكومة في ظل متغيرات دولية وإقليمية.

والمعارضة تتألف اليوم من "حزب الله وحركة أمل والتيار الوطني الحر وتيار المردة واللقاء الوطني وجبهة العمل الإسلامي والقومي السوري وحزب البعث ويقترب منهم الحزب الشيوعي".

ولا تكاد تجد قاسماً مشتركاً يُوحد المعارضة سوى الدعوة إلى إقامة حكومة وحدة وطنية يكون فيها للمعارضة الثلث المعطل، ما عدا ذلك لا يمكن بحال أن نقول أن هناك نقاط محددة تتوافق حولها المعارضة وهذا ملاحظ في خطاباتهم وتصريحاتهم.

سر الثلث المعطل التي تتوحد حوله المعارضة

يقول المتابعون للوضع اللبناني بأنه قد ينشأ فراغ في الرئاسة الأولى عقب انتهاء مدة الرئيس لحود وقد قال رئيس الوزراء السابق سليم الحص بأنه يخشى بعد رحيل لحود أن لا يكون هناك رئيس للجمهورية اللبنانية وذلك بناء على الانقسام الحاد بين "الأكثرية" والمعارضة حول تسمية رئيس للجمهورية، وبما أن المؤشرات السياسية تؤكد أن لحود سيكمل ولايته الثانية حتى آخر لحظة من ولايته فإنه والحالة هذه وإذا يقي البلد على ما هو عليه من الانقسام والتمركز الثنائي بين الحكومة والمعارضة فإن للحكومة أن تقوم بدور الرئيس في حال فراغ هذا المركز بناء على الدستور، ويبدو أن كلا الفريقين المتصارعين يدرك هذا الاحتمال ولذلك يحاول كل فريق أن يقطع الطريق على الآخر حول هذه النقطة ولكن تحت عناوين أخرى. من جهة أخرى فإنه وفق الدستور اللبناني إذا استقال ثلث الوزراء من الحكومة تُعتبر الحكومة مستقيلة تلقائياً ما يثير الشكوك حول مطلب المعارضة وخصوصاً "حزب الله" بالحصول على الثلث المعطل وقد كان قال نعيم قاسم نائب الأمين العام لـ"حزب الله" لجريدة "الشرق الأوسط" (أن "حزب الله" مستعد لأي تسوية بشرطين اثنين، أولهما حصول المعارضة على الثلث المعطل وأن هذا الأمر لا مناقشة فيه، وثانيهما إكمال لحود لفترة رئاسته الثانية)، في حين أن زعيم "التيار الوطني الحر" ميشال عون كما يعلم القاصي والداني يريد الحصول على رئاسة الجمهورية ومستعد للتفاهم حول ما عدا ذلك.

إذا تأملنا قليلاً في مطلب الثلث المعطل المنادي به "حزب الله"، وكذلك رغبة عون بالرئاسة الأولى يتبين لنا أن المعارضة حقيقة تتمحور حول "حزب الله" فقط، لأن من يملك الثلث المعطل سوف يملك الدولة كلها وبالتالي لن يكون للدولة أي قدرة على التحرك دون السماح لها ممن يملك هذا الثلث المعطل، وفي ظل التقارير التي تفيد بأن سوريا و"اسرائيل" تستعدان لأي مواجهة محتملة فيما بينهما قبل عام 2008 أي قبل نهاية فترة رئاسة بوش وخصوصاً أن "اسرائيل" تريد حسم ملف "حزب الله" وبالتالي إغلاق جبهة الشمال مع لبنان في ظل تسوية ما ولو أدى هذا الحسم إلى جولة عسكرية جديدة مع "حزب الله" تكون هذه المرّة المواجهة ممتدة لتصل ربما إلى سوريا وإيران وهذا ما ينبه عليه كثير من الخبراء الاستراتجيين، وما دعوتهم اليوم إلى انتخابات مبكرة سوى مزيد من الضغط على الحكومة ليس إلا، ويبقى الحصول على الثلث المعطل هو الورقة الرابحة لهم في ظل هذه الأوضاع.

فهل سيحصل "حزب الله" على الثلث المعطل الذي يخوله إلى تحصين جبهته الداخلية في أي متغير إقليمي قادم وبالتالي رهن لبنان لمحور ما في هذا الصراع أم أن الحكومة المدعومة دولياً وعربياً قادرة على الانتصار على "حزب الله" سياسياً الذي انتصر على الدول الأقوى عسكرياً في الإقليم؟