فوضى "كوندوليزا" المدمرة في غـزة

محمد العبد الله

أربعة أيام فلسطينية سوداء شهدت حواراً بالصواريخ والرصاص والاختطاف المتبادل، أدى إلى عشرات القتلى والجرحى والمختطفين. والأخطر أنه أفضى إلى إشاعة أجواء من الرعب والخوف خيمت على الشعب الفلسطيني، وفجَّرت لدى الآلاف منهم براكين الغضب على القوى والأشخاص الذين يتناحرون على مقاعد وزارات "وهمية" لا تعدو أن تكون مؤسسات "تصريف أعمال محلية" في ظل هيمنة الاحتلال وسيطرته على مختلف جوانب الحياة. في الوقت الذي تحتل فيه قوات العدو الصهيوني كل أراضي الضفة، وتمارس فيها سياسة الاغتيالات الوحشية -ستة شهداء في محافظات نابلس وجنين وطولكرم خلال يومين- والاعتقالات المستمرة -الساعات الأخيرة شهدت اعتقال ثلاثين مواطناً- وتحاصر قطاع غزة وتستبيح سماءه وبحره.

منذ عدة أسابيع، ومحافظات القطاع تعيش حالة من الفوضى العارمة، عبرت عنها في البداية الاشتباكات الإعلامية العنيفة، التي وفرت المناخ الملائم لكي تقوم قوى محلية مرتبطة بالمخطط الصهيو-أمريكي، بعمليات اغتيال تستهدف أعضاءً من الفصيلين المتناحرين "فتح وحماس" بهدف فتح أبواب الاقتتال الداخلي الواسع. وقد جاءت الجريمة الوحشية بقتل الأطفال / البراعم البريئة، أبناء أحد قادة الأجهزة الأمنية (بهاء بعلوشة) – المناضل المُجَرب في سنوات الانتفاضة الأولى، والمتابع الدؤوب، من خلال عمله في جهاز المخابرات الفلسطينية، ملف العملاء- لتدفع بالوضع المحتقن أساساً إلى حافة الانفجار. وعلى الرغم من محاولة "متعهدي الفوضى المدمرة" المحليين توظيف الجريمة لصب النار على جمر الاحتقان بين الفصيلين، فإن حكمة والد الشهداء الذي رفض توجيه الاتهام لحركة "حماس" أفقد المراهنين على تفجير الوضع- نتيجة عمليتهم القذرة - فرصتهم الذهبية. في ظل هذه الأجواء جاءت عملية إطلاق الرصاص على سيارة رئيس الوزراء العائد من جولته الخارجية لتعلن عن انتقال المخطط لدرجة متقدمة في مراحل التنفيذ، لأن المستهدف كان "اسماعيل هنية... الرمز والتنظيم"، ولهذا جاءت ردود الفعل من قيادة "حماس" والحكومة، عنيفة ومباشرة، في إشارتها إلى الجهات المخططة والمنفذة، التي ردت على الاتهامات بلغة قاسية وبتصرفات عبثية. وقد جاءت العديد من التطورات المتلاحقة لتنفخ في رماد الأزمة، خاصة ما تعرضت له المظاهرة السلمية التي تحركت في شوارع البيرة ورام الله، من عمليات قمع وحشية على يد الأجهزة الأمنية الفلسطينية.

في ظل هذه الأجواء، جاء حديث "أبو مازن" الأخير في رام الله أمام الفعاليات السياسية والدينية والمجتمعية، ليدفع الأمور إلى المزيد من التأزم. فبالرغم من اللغة البسيطة التهكمية في فقرات عديدة التي غلفت عبارات وكلمات الخطاب، فإن الاستحضار المجتزأ للعديد من الأحداث، أفقد سردية الشهادات المقدمة مصداقيتها. لكن الاستخلاص / الهدف من كل حديثه كان دعوته للخروج من الأزمة الداخلية المستحكمة بالوضع العام، قراره بالدعوة لإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية مبكرة، مع إشارته لترك الباب مفتوحاً "مواربةً للدخول و... الخروج أيضاً" للحوار من أجل الوصول إلى حكومة وحدة وطنية، لم ينس أن يذكرنا بشروطه -اشتراطات الخارج- لخروجها للنور. جاء الرد سريعاً من عدد كبير من الحقوقيين والقانونيين ذوي الاختصاص، خاصة وزير العدل السابق "ناهض منير الريس" القيادي الفتحاوي، من أن الدعوة لإجراء الانتخابات لا تملك أي سند قانوني / دستوري لها، بل هي خروج على القانون الأساسي الفلسطيني. ولهذا فإن الاختباء وراء "الشعب" كمصدر السلطات، لم تكن المخرج المنطقي لتمرير الدعوة، فالشعب هو الذي مارس دوره في إيصال نوابه للمجلس التشريعي، وهو -أي الشعب- الذي تتم عملية تجاهله منذ عقود، عبر عقلية "الإنابة" المعروفة في علم الاجتماع السياسي. لقد قرأ البعض الدعوة على أنها عملية ضغط جديدة "لوي ذراع" لدفع "حماس" للموافقة على الاشتراطات، مستندين باستنتاجاتهم إلى نموذج لدعوة قديمة مشابهة لم تُنَفَذْ، كانت من أجل الاستفتاء الشعبي على وثيقة الأسرى، بمعنى أنها لم تتخط حدود الدعوة.

لكن النقاشات التي دارت في اجتماعات اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير بمدينة "رام الله" في أعقاب خطاب "أبو مازن" أشارت إلى توجهات حاسمة لدى الأعضاء المحسوبين على برنامج وتوجه "الرئاسة"، والتي تتلخص في رفض أي حوار مع "حماس"، عدم تجديد وساطة (مصطفى البرغوثي) والبدء بالتحضير للانتخابات المبكرة، والعمل على تشكيل اصطفاف / تحالف موحد يضم أطراف المنظمة لخوض الانتخابات في الدوائر أو القائمة. إن ما تناقلته الأنباء عن المداخلات التي تقدم بها بعض الأعضاء تثير المخاوف الحقيقية من خطط التحريض على الفتنة. إن الحديث بـ "أن العودة للحوار من جديد أثمن هدية نقدمها إلى حركة حماس" كما يقول أحدهم، تأتي منسجمة ومتوافقة مع التفسير التآمري الذي لجأ إليه عضو آخر، أثناء تحليله لاجتماع القوى والفصائل الفلسطينية وبمشاركة أبو اللطف بدمشق على أنه "بداية لتأليف منظمة تحرير موازية وقيادة بديلة"، لتصب جميع هذه المغالطات الخطيرة في استنتاج خطير لََََََخَصَهُ أبرز "منظريهم"

-الذي يحرص "أبو مازن" على أن يُجْلسَهُ على يمينه دائماً- بالقول "في المعارك السياسية الكبرى، التردد يلحق الضرر ويفقد القيادة مصداقيتها"، إن هذه اللغة السائدة في تحالف ورش "السلام" الاستسلام وأنصار وثيقة جنيف، هي الصاعق الجاهز دائماً لتفجير الساحة الداخلية من أجل تدمير منجزات النضال الوطني للشعب، وإلحاق الضرر الشامل ببنية المجتمع.

في هذه الأوضاع المتفجرة، والتي تعكس في جزء من انفعالاتها الدموية، المنسوب العالي لما وصلت إليه التعبئة الداخلية لدى الفصيلين، جاء خطاب هنية المتلفز، ليصب الماء البارد على الرؤوس الحامية، وليفند بكلام هادىء ومتوازن المغالطات التي وردت في خطاب "عباس" الأخير، وليعدد بمرارة وألم، ظلم ذوي القربى – الرئاسة - الذين كانوا أول المحاصرين لحكومته.

ولهذا كانت الاستنتاجات التي توصل إليها في نهاية خطابه تلامس جذور المشكلات، وتحاول في معظمها صياغة الحلول لها، هذه التوجهات التي رد عليها "عزام الأحمد" بالقول (إن حديثه عن ترك الباب مفتوحاً للفصائل والقوى للمشاركة في حكومته، هو في الواقع يقوم على التبعية والإلحاق وليس على مبدأ الشراكة السياسية). هذه الشراكة التي لا يعرفها "الأحمد" لأنها تعني في الممارسات السياسية والإدارية التي مارستها القيادة المتنفذة على مدى عدة عقود، التفرد والاستئثار بكل شيء.

إن المحاولات الجادة والمسؤولة التي أقدمت عليها الفصائل (لجنة المتابعة) والجهود المصرية والإسلامية "منظمة المؤتمر الإسلامي"، ونداءات "أبو مازن وهنية"، أثمرت عن اتفاق الطرفين على الالتزام الكامل بسحب المسلحين ووقف الاشتباكات، وإطلاق سراح المختطفين، وتشكيل لجنة لتقصي الحقائق من أجل تحديد المجرمين "قتلة الأطفال والعابثين بأمن المواطن والمجتمع" لمحاكمتهم، والعمل على إقامة غرفة عمليات مشتركة لمعالجة كل القضايا. إن المأساة الرهيبة التي عاشها المواطنون خلال الأيام السوداء تلك، والاعتداءات على المدارس والجامعات، التي أدت لوقف الدراسة، وإشاعة حالة من الرعب في صفوف الطلبة، بالإضافة لنقل المواجهات إلى ساحات وممرات المشافي، كشفت عن درجة من التخلف والبدائية في التعامل مع التعارضات / التناقضات السياسية التي تشهدها الساحة السياسية الفلسطينية.

إن المطلوب اليوم ليس سحب المسلحين فقط -رغم الأهمية القصوى لذلك- وإنما كبح جماح العابثين بأمن المجتمع وسلامة المواطنين الذين بدأوا بدحرجة كرة النار والدم إلى الضفة  من خلال الاختطاف وإطلاق الرصاص على المواطنين وتدمير الممتلكات العامة والخاصة، كما تعيشه محافظات "جنين ونابلس والخليل"، إضافة إلى ضرورة العمل الجماعي من أجل المواجهة السياسية الحاسمة مع الوكلاء المحليين للمشروع الصهيوني / الأمريكي، وتعرية وفضح متعهدي  "الفوضى البوشية المدمرة" تمهيداً لعزلهم وإقصائهم. لقد كشفت الأحداث المؤلمة أن هناك ضعفاً حقيقياً في البنى السياسية والجماهيرية، التي كان من الضروري أن تلعب دوراً أساسياً في وقف الاشتباكات، من خلال تحرك شعبي في الشوارع والميادين لتطويق بؤر الفوضى وعزلها، ولحماية المؤسسات العامة والخدماتية.

إن كل الوطنيين مطالبون اليوم، كما في كل مرحلة، بضرورة إشاعة وتعميم ثقافة الحوار المستندة إلى العقل والمنطق، المنطلقة من الالتزام بالمشروع الوطني التحرري، على قاعدة مواجهة الاحتلال وتحقيق الحرية للأرض والإنسان، والتي تسمح لكل التعبيرات السياسية المناضلة رغم التباين في بنيتها الأيديولوجية، بالتعايش على أرض الواقع.