خياراتنا وخياراتهم: الإدارة الأمريكية بين الخيارات الصعبة والبدائل المستحيلة
سعد داود قرياقوس
(1)
خيارات الإدارة الأمريكية
أثارت
هزيمة الحزب الجمهوري في الانتخابات الأخيرة، وفقدانه السيطرة على قرارات السلطة
التشريعية، موجة عاتية ومتوقعة من آراء وتحليلات سياسية، تناول طارحوها تأثيرات
إعادة توزيع مقاعد الكونغرس على مسارات الاحتلال الأمريكي للعراق ومستقبله. ومع
تقديرنا لجهود من كتبوا، وحقهم في طرح رؤيتهم، إلا أن مضامين غالبية ما اطلعنا عليه
من مساهمات باستثناء القليلة منها، طغى عليها حماس عاطفي، وتبشير بالانهيار السريع
لمشروع الاحتلال، وحتمية انسحاب القوات الأمريكية القريب من الأراضي العراقية،
وسواها من التكهنات والتحليلات غير الموضوعية والمبالغة في تفاؤلها.
وإذا كان تضمين بعض المساهمات الفكرية قدرا من الحماس يشكل ضرورة تتطلبها الجوانب المعنوية للمعركة، إلا أن الإفراط في الحماس والتفاؤل، والتسرع في تقديم تكهنات خاطئة وغير موضوعية، خطوة لا تخلو من مخاطر، لكونها تقدم قراءة خاطئة لطبيعة الصراع وآفاقه المستقبلية.
فمعظم ما كتب عن الموضوع من مساهمات حجّمت وبشكل خاطىء ومبالغ فيه من قدرات وإمكانيات العدو "الإدارة الأمريكية"، وتغافلت عن طرح الخيارات السياسية والعسكرية العديدة المتاحة للإدارة، وقدمت هزيمة الجمهوريين، وفوز الديمقراطيين كإعلان عن نهاية الاحتلال، وانكماش إدارة بوش وعجزها عن إلحاق الأذى في شعبنا.
لا شك في أن نتائج الاقتراع، وبقدر تعلق الأمر بالسياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية، حملت رسالة واضحة من الناخب الأمريكي إلى إدارة بوش، هذه الرسالة تضمنت عدة دلالات مهمة. أولها، تراجع تأثير ما أطلقت عليه الإدارة "الحرب على الإرهاب" على خيارات الناخب الأمريكي، وفشل سياسية ترهيبه، وثانيا، تراجع ثقة نسبة كبيرة من المقترعين الأمريكان في قدرة فريق بوش على معالجة الوضع المتفاقم سوء في العراق.
ومع أن نتائج الانتخابات حُسبت فوزا للحزب الديمقراطي واستراتيجيته الانتخابية، إلا أن من الحَقَ الهزيمة بإدارة بوش والحزب الجمهوري هم أبطال المقاومة الوطنية العراقية، ونجاحهم في إحباط جميع المخططات السياسية والعسكرية لسلطة الاحتلال وعملائها، فلولا تضحيات أبطال العراق والأمة العربية، لكانت أكاليل النصر تكلل هامات الرئيس الأمريكي التافه وأعضاء إدارته عوضا عن ما يعتريهم حاليا من خذلان وتراجع، وطغيان شعور الاقتراب المؤكد من حافة الهاوية.
إن إعادة ترتيب مقاعد الكونغرس لصالح الحزب الديمقراطي، ومن دون التقليل من أهمية فوز الديمقراطيين على المعادلات السياسية الأمريكية، لن تؤدي في تقديرنا، إلى أحداث تغيير جذري في السياق العام للاحتلال، وفي نهج الإدارة وسياستها في العراق. ولن تقود إلى انسحاب عسكري أمريكي سريع، أو خلال ما تبقى من عمر الإدارة، كما يتكهن به البعض، ولعدة أسباب بديهية:
الأول، يستند على الجوانب الدستورية لتوزيع الصلاحيات بين السلطتين التشريعية والتنفيذية في الولايات المتحدة. فجميع القرارات المتعلقة بالسياسة الخارجية والدفاع والأمن القومي مناطة بالسلطة التنفيذية التي يمثلها الرئيس ومجلس الوزراء حصرا، وفقا لفقرات الدستور الأمريكي. سيطرة الديمقراطيين على الكونغرس لن تغير من هذه المعادلة، فصلاحيات الرئيس الأمريكي لم تتغير، وجورج بوش ما زال رئيسا للسلطة التنفيذية، والقائد العام للقوات المسلحة الأمريكية، ومازال مسؤولا عن تصميم وتنفيذ السياسات الخارجية والدفاعية للولايات المتحدة.
وثانيا، إن تورط الإدارة في حربها مع شعب العراق وخسائرها اليومية الكبيرة لا يشكلان مانعا يحول دون توسيع الإدارة من نطاق الحرب، ورفع مستوى هجماتها العسكرية على شعب العراق، أو حتى الدخول في مغامرات عسكرية أخرى. فإدارة نيكسون على سبيل المثال، وفي قمة تورطها العسكري في فيتنام لم تتردد في شن حربين عدوانيتين على شعبي لاوس وكمبوديا. هذه الإدارة كسابقاتها، مشبعة في فلسفة تؤمن بأهمية دور الحروب والصراعات الدولية في المحافظة على المعدلات العالية للرفاهية والاستثمار، والنمو الاقتصادي للدول الصناعية.
ثالثا: لن نأتي بجديد إذ طرحنا بأن الولايات المتحدة دولة تملك قدرات اقتصادية وعسكرية هائلة، ولها تأثير حاسم على عملية صنع القرار الدولي، ولذلك فأنها تملك هامش مناورة كبير، ومرونة على تغيير مساراتها السياسية والعسكرية، وقدرة على امتصاص الضربات. هذا لا يعني أنها دولة غير قابلة للهزيمة بأي شكل من الأشكال، بل دولة ذات قدرات كبيرة تمكنها من التعامل مع خسائرها في المدى القصير، وإمكانية على تأخير موعد سقوطها النهائي، من المؤكد أن هذه السمات لا تقلل من حجم وأهمية انجازات فصائل المقاومة العراقية عسكريا وسياسيا، بل على العكس من ذلك تماما. إن سمات القوة والجبروت لن تلغي الحتمية التاريخية لهزيمة الاحتلال التي آمنا بها، وطرحناها منذ المراحل التي سبقت الاحتلال.
ورابعا وأخيرا، إن انسحابا أمريكيا سريعا، أو خلال ما تبقى من عمر الإدارة سينسف مصداقيتها، وينهي آمال الحزب الجمهوري، واليمين المحافظ في استرداد السيطرة على الكونغرس، والاحتفاظ بالبيت الأبيض، بعد أن سبق للإدارة وإن أعلنت في أكثر من مناسبة بأن الانسحاب من العراق لا يشكل خيارا للإدارة قبل تحقيق النصر الكامل؟!
لا جدال في أن هيمنة الحزب الديمقراطي على قرارات الكونغرس قد تقود إلى تغييرات مهمة على صعيد السياسات الداخلية، وقد تنجح في تجميد برامج البيت الأبيض الاقتصادية منها والاجتماعية، إلا أن تأثيراتها على السياستين الخارجية والدفاعية، وأهمها الموقف من احتلال العراق تبقى ضئيلة إن لم تكن معدومة. فأقصى ما يمكن أن يحققه الحزب الديمقراطي، إذا افترضنا اختلاف موقفه عن موقف الإدارة، لن يتجاوز عرقلة أو تأخير جزئي لمشاريع المصادقة على ميزانيات الدفاع والتخصيصات العسكرية، وحتى هذا الدور يبقى دورا محدود الفاعلية لسببين:
الأول: إن مخصصات الدفاع ونفقات الجيش الأمريكي في العراق للعامين القادمين قد سبق وان صادق عليها الكونغرس، وأصبحت قانونا نافذا من الصعب إلغاءه.
والثاني: إن حجب الدعم المالي والمعنوي عن أفراد القوات المسلحة الأمريكية في العراق، وتعريض أمنهم للمخاطر، احتمال مستبعد. فلا يوجد في الولايات المتحدة الأمريكية حزب، أو شخصية سياسية قادرة على المغامرة والمطالبة بحجب الإمدادات العسكرية والمالية عن القوات الأمريكية المتواجدة في العراق.
إذن أقصى ما يمكن أن يقوم به الديمقراطيون هو التأخير الجزئي، وإثارة الصخب الإعلامي حول برنامج الإدارة وخططها العسكرية، أو حتى المطالبة بوضع سقف زمني لسحب القوات، دون امتلاك القدرة الفعلية على تغيير مسارات مشروع الاحتلال بشكل جذري، في ظل احتكار بوش وفريقه لقرارات السلطة التنفيذية.
الملاحظ أن المتفائلين في انتصار الحزب الديمقراطي على غريمه التقليدي، قد اغفلوا بشكل انتقائي جملة من الحقائق، منها: إن تباين مواقف الحزبين من احتلال العراق لا يعدوا كونه خلافا على آليات إدارة الاحتلال، وليس خلافا على شرعية الحرب، أو ضرورتها للأمن الاقتصادي للولايات المتحدة. فالحرب على العراق، والسيطرة على ثروته النفطية، وتقسيم وحدة شعبه، لا تشكل أهدافا لأحد الحزبين دون الآخر، بل أنها أهداف أساسية لمشروع الهيمنة الأمريكي، ولتحقيق حلم بناء الإمبراطورية الأمريكية، ثم أن المشروع الذي يطرحه الحزب الديمقراطي لحل الأزمة الأمريكية في العراق، لا يقل خطورة عن مشروع المحافظين المحدثين. تفاصيل مشروعهم سبق وأن طرحها السيناتور الديمقراطي جوزيف بايدن، الرئيس المرتقب للجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، ويرتكز على حل الأزمة الأمريكية في العراق من خلال تجزئته إلى ثلاثة أقاليم تتمتع بقدر كبير من الاستقلالية، وصلاحيات لا مركزية، إلى جانب حكومة اتحادية تقتصر صلاحياتها على إصدار وتنظيم النقد الوطني، وإدارة العلاقات الخارجية، وإدارة الثروة النفطية، وتوزيع وارداتها على الأقاليم الثلاث وفقا لمعيار الكثافة السكانية!. كما أنهم اغفلوا حقيقة أن مشروع بايدن التقسيمي لا يتضمن انسحابا عسكريا أمريكيا من العراق، بل يقترح إعادة انتشار القوات الأمريكية، وتمركزها في قواعد ثابتة بعيدة عن المراكز السكانية دون تحديد سقف زمني لانسحابها.
من الجديران نذكر بأن مشروع الديمقراطيين لحل الأزمة في العراق يتطابق وإلى حد كبير مع مفردات مشروع بيكر - هاملتون وفقا لما سرب من معلومات عن تقرير اللجنة.
ما هي الخيارات المتاحة أمام الإدارة الأمريكية لحل أزمتها في العراق، في ظل تصاعد وتائر المقاومة الوطنية، وازدياد فعالية نشاطها المسلح؟ وفي ظل فشل مشروع إدارة الاحتلال؟
لا شك في أن إدارة بوش تواجه واحدة من اعقد الأزمات التي واجهتها الولايات المتحدة وأشدها صعوبة. أنها إزاء أزمة بالغة الخطورة، ذات تأثيرات مباشرة على الموقع الدولي المتميز للولايات المتحدة، وعلى معادلات الصراع الدولي، أزمة ذات تبعات جادة على مصالح الولايات المتحدة الاقتصادية والتجارية وعلى نفوذها السياسي آنيا ومستقبلا.
قبل استعراض الخيارات السياسية والعسكرية المتاحة أمام صناع القرار الأمريكي، دعونا أولاً نحدد باختصار أبعاد وملامح الأزمة الأمريكية في العراق، مأزق الإدارة يتلخص في وصول مشروعها في العراق إلى مرحلة الأزمة أو مرحلة "انحسار الخيارات الفعلية "، فكل الخيارات المتاحة لها، والمعروض جانب منها أدناه، تنتهي أمام حاجز المقاومة الوطنية الصلبة، وأمام تصميم شعب العراق وقواه السياسية الوطنية على إفشال مشروع تغيير هويته الوطنية والقومية. ملامح أزمة الإدارة تتلخص بالآتي:
1 – عجز الإدارة عن القضاء على المقاومة المسلحة، أو الحد من تصاعدها وانتشارها، وبالتالي فشلها في تقليل خسائرها البشرية والمالية.
2 - فشل مراهنة إدارة بوش على "العملية السياسية" ونتائجها، وبالتالي إخفاقها في خلق "النظام السياسي الديمقراطي"، الذي سعت لتأسيسه في العراق، وتقديمه كنموذج متطور بديل لأنظمة المنطقة السياسية؟
3 - تعطل "مشروع الشرق الأوسط الجديد" وتراجعه، وفشل خطة المحافظين المحدثين في نشر كوارث احتلال العراق إلى الأقطار العربية الأخرى، وإخفاقهم في تغيير خارطة المنطقة السياسية وفقا لتصوراتهم.
4 - فشل الإدارة في تحقيق المناخ الملائم للمباشرة في جباية استحقاقات الاحتلال الاقتصادية من خلال خلق فرص استثمارية مضمونة وطويلة الأمد لرؤوس الأموال الأمريكية والأجنبية.
فبعد ما يزيد عن ثلاثة أعوام ونصف من سلسلة طويلة من التغيرات السياسية على مشروع الاحتلال، واستخدام جميع الوسائل العسكرية، وحملات القتل والقمع والترهيب والترغيب وشراء الذمم، وبعد إنفاق ما يقارب من 320 مليار دولار، تجد الإدارة الأمريكية نفسها مضطرة مرة أخرى لإعادة النظر في استراتيجيتها، وإدخال تعديلات على مسارات مشروع الاحتلال، كمحاولة للتخلص من عناصر الفشل السياسي والعسكري.
إزاء الموقف المتزايد تعقيدا على الصعيدين السياسي والعسكري في العراق المحتل، فأن الإدارة الأمريكية تواجه ثلاث خيارات أساسية يتضمن بعضها بدائل متعددة، لكل خيار، وسنوضح التكاليف والفوائد النسبية لكل منها، هذه الخيارات وان اختلفت تفاصيلها وحلولها ومزاياه وخسائرها إلا أنها تشترك في خاصية كونها تنتهي في نهاية المطاف في مربع الفشل والهزيمة.
سنقدم أدناه عرضا موجزا للخيارات المتاحة أمام الإدارة الأمريكية دون تحديد رأي ثابتا، أو التكهن في الخيار الأكثر احتمالا للتبني، من المهم أن نوضح بأن الخيارات المطروحة أدناه تعكس جانبا مما يفكر به المحللون الاستراتيجون الأمريكان، ولا تعبر بأي شكل أو صيغة عن رأي كاتب هذه المساهمة.
الخيار الأول
أول الخيارات المتاحة أمام إدارة بوش لمعالجة أزمتها في العراق، يتمثل في استمرار الإدارة على نهجها الراهن، المستند على مفردات "استراتيجية تحقيق النصر في العراق"، التي أقرها مجلس الأمن القومي الأمريكي في أكتوبر عام 2005، مع إدخال تغيرات جزئية على خطط الاحتلال العسكرية والسياسية، كرفع حجم القوات الأمريكية والأجنبية في العراق وإعادة انتشارها، وتغيير صيغ الاشتباك مع المقاومة العراقية وتصعيدها، إلى جانب إدخال تغييرات سياسية جزئية أو شاملة على حكومة المالكي الفاشلة، أو استبدالها بحكومة جديدة.
تبنّي هذا الخيار يفرض على الإدارة توفير جملة من المستلزمات، منها:
الاستمرار في بناء القوة العسكرية والأمنية المحلية، مواصلة تصعيد الاستقطاب الطائفي المطلوب لتركيز مشروع الاحتلال، الاستمرار في عملية دفع أطراف عربية مؤثرة إلى المشاركة في العملية السياسية، الإبقاء على معيار المحاصصة الطائفية، بالإضافة إلى مواصلة العمل على تطوير مبادرات سياسية عربية - إسلامية تساعد الإدارة على تخفيف أزمتها السياسية، وتقليل خسائرها المادية والبشرية، إن هذا الخيار يمثل ببساطة وسيلة للبحث عن فرصة لإعادة الحركة لمشروع الاحتلال.
تبني الإدارة لهذا الخيار يوفر لها، وخاصة في الأمد القصير، الفوائد والمزايا النسبية التالية:
- يتيح للإدارة فرصة زمنية تساعدها على إعادة ترتيب أولوياتها، وإعادة تنظيم برنامج الاحتلال، ويعيد لها فرص إمكانية تحقيق النجاح وتحقيق الأهداف.
- تفادي الإدارة الإعلان عن سقوط مشروع الاحتلال وهزيمة قواتها وميليشيات عملائها، وبالتالي تفادي تحمّل تبعات المسؤولية التاريخية لهزيمة المشروع الأمريكي.
- هذا الخيار يمكن إدارة بوش من نقل ملفات احتلال العراق إلى الإدارة القادمة، جمهورية كانت أم ديمقراطية، وبالتالي ضمان استمرار مخطط المحافظين المحدثين في العراق إلى أطول فترة ممكنة.
- إتاحة أطول فسحة زمنية ممكنة للشركات الأمريكية القريبة من أركان الإدارة، أو المملوكة من قبلهم لتعظيم ربحيتها ونهبها لثروة العراق النفطية.
مقابل هذه الفوائد النسبية لتبني خيار الاستمرار على النهج الراهن، فإن لهذا الخيار كلفه ومخاطره الجدية على الإدارة وعلى مصالح الولايات المتحدة، أهمها:
- استمرار تصاعد وتائر الخسائر الآلية والبشرية لقوات الاحتلال، واستمرار هدر موارد مالية هائلة.
- تصاعد الضغوط الداخلية والخارجية على الإدارة، وزيادة حدة الانتقادات الموجهة لها، وتعريض العلاقات الأمريكية مع دول العالم وأقاليمه إلى المزيد من التأزم، فاستمرار تدهور المشهد العراقي، ولاسيما استمرار النزف البشري العراقي يغذي النقمة المتصاعدة على الإدارة الأمريكية في المنطقة والعالم، و يلحق أضراراً في مصالحها الاقتصادية والتجارية.
- الإبقاء على الصيغة الحالية لإدارة العراق المحتل، ولاسيما في ظل حالة فشل الإدارة في تحقيق تقدم جدي، قد يزيد من مخاطر خسارة الحزب الجمهوري للبيت الأبيض في انتخابات الرئاسة القادمة.
الخيار الثاني
السيناريو الثاني المتاح أما صانع القرار السياسي الأمريكي يتمثل في الانسحاب الكلي من العراق خلال أمد قصير أو متوسط، وتسليم جميع الملفات إلى أحد الأطراف التالية: الدولة العراقية الراهنة ومؤسساتها التشريعية الأمنية والعسكرية وميليشياتها المسلحة، أو إلى حكومة عراقية جديدة مدعومة من قبل الأقطار العربية والإسلامية والأمم المتحدة، أو تسليمها إلى حكومة عراقية جديدة ضمن إطار مشروع اتفاق سياسي وامني مع كل من ايران وسوريا، مع توفير غطاء عربي ودولي لضمان شرعيتها وديمومتها.
إن أكبر صعوبة تواجهه عملية تبني هذا الخيار"الرهيب" تكمن في انه يتناقض كليا مع المواقف المعلنة للإدارة الأمريكية، وتأكيدات بوش المستمرة على إبقاء القوات الأمريكية في العراق حتى يتم "تحقيق النصر". وتعهده في انه لن يسحب القوات طالما كان رئيسا للولايات المتحدة!
ومع صعوبة القيام بهذا الانعطاف الحاد، إلا أن قدرات الإدارة السياسية والإعلامية تمكنها من تبرير اتخاذها هذه الخطوة الدراماتيكية، إحدى التبريرات التي يمكن طرحها وتسويقها، تستند على فكرة أن الإدارة غدت لا تملك ما يمكن أن تقدمه لشعب يلغي نصفه وجود النصف الأخر!؟ وأن ليس من مهامها أو من مصلحتها التدخل في آتون حرب أهلية!؟ لذلك فأن الانسحاب آن أوانه بعد أن تم "إسقاط الدكتاتورية، وتهيئة مناخ بناء الدولة الديمقراطية"، وبعد اكتمال عملية بناء القوات المسلحة العراقية. الإدارة تستطيع كذلك تحميل العراقيين مسوؤلة التدهور الأمني والفشل السياسي، إنه باختصار خيار"لننقذ الجنود الأمريكان ولنحافظ على الموارد الأمريكية، ولتسقط أحجار البناء العراقي حيث تسقط".
من المؤكد أن تبني هذا الخيار يتطلب توفير جملة من المستلزمات، أبرزها، تأمين الحماية لحلفاء الولايات المتحدة وأصدقائها في المنطقة، وتحديدا حماية أنظمة كل من السعودية والكويت والأردن من تبعات التدهور الأمني المحتل في العراق بعد انسحاب القوات الأمريكية، وضمانة عدم قيام ايران بغزو العراق أو جزء منه، وتأمين السيطرة على حقول النفط العراقية، وعقد اتفاقات مع سوريا والأحزاب الكردية على ترتيبات أمنية في شمال وغرب العراق، بالإضافة إلى ضرورة توفير منطقة محمية للمنسحبين من الأراضي العراقية بعد جلاء القوات الأمريكية، وإنشاء قواعد عسكرية دائمة في شمال العراق.
إن خيار الانسحاب الأمريكي الشامل من العراق كغيره من الخيارات الأخرى يتضمن جوانب سلبية وأخرى ايجابية، أهم المزايا النسبية لهذا الخيار تتلخص في:
* وقف الخسائر المالية والبشرية الأمريكية الهائلة الناجمة عن العمليات العسكرية والسياسية في العراق.
* يخفف الضغوط الداخلية والخارجية على الإدارة، ويحسن من احتمالات احتفاظ الجمهوريين بالبيت الأبيض في انتخابات الرئاسة المقبلة، واستعادة سيطرتهم على الكونغرس في 2008.
* انسحاب القوات الأمريكية وفقا لرؤية الإدارة يقود إلى انحلال الدولة العراقية، وانقسام الشعب العراقي إلى ثلاثة مكونات على أقل تقدير، بالتأكيد إن لتفتيت وحدة شعب العراق فوائده وضروراته لمشروع الهيمنة الكوني الأمريكي، وللمشروع التوسعي الصهيوني.
* وأخيراً إن الانسحاب الأمريكي من العراق يوفر لإدارة بوش مرونة كبيرة في التعامل مع الملف النووي الايراني دون الالتفاف إلى مخاطر التعرض إلى هجمات انتقامية ايرانية، أو هجمات الحركات العراقية المرتبطة بالنظام الايراني.
أما الجوانب السلبية لخيار الانسحاب وكلفته فيمكن تلخيصها بالآتي:
* إن الانسحاب الأمريكي وبصرف النظر عن عنوانه وغطائه وصيغة تقديمه، يمثل هزيمة سياسية وعسكرية للقوة الكونية والاقتصادية الأعظم، ويشكل تراجعا كبيرا لمشروعها في المنطقة. ولا جدال أن لهذه الهزيمة انعكاساتها الكبيرة والمؤثرة على هيبة الولايات المتحدة وموقعها الدولي، وتأثير سلبي على مصالحها الاقتصادية.
* خروج القوات الأمريكية من العراق سيخلق بكل تأكيد فراغ سياسي وأمني قد يغير موازين القوى وتوزيعها في المنطقة لصالح أعداء الولايات المتحدة، ويحجّم تأثير ومواقع حلفائها، ويهدد أمنهم وديمومة أنظمتهم. هذا الفراغ السياسي، وفقا لتقديرات خبراء الإدارة، قد يتم ملئه أما من قبل ما يطلقوا عليه "المنظمات الإرهابية الأصولية". أو من قبل ايران وحلفائها في المنطقة. سيطرة أي من هذين الطرفين تحمل الكثير من المخاطر على امن واستقرار المنطقة والعالم.
*الانسحاب الأمريكي من العراق يعني التخلي عن حقول النفط العراقية، والتي يعتبرها المحافظون المحدثون مكون أساس من مكونات الأمن الاقتصادي الأمريكي، كما تشير إليه وثائق مشروع القرن الأمريكي الجديد. تخلي الإدارة عن حقول النفط العراقية وسيطرة أعدائها عليها سيخلق تهديدات مستقبلية للأمن الاقتصادي الأمريكي، ولاستقرار الاقتصاد الدولي ونموه.
* الجانب السلبي الآخر للانسحاب الأمريكي الطوعي من العراق يكمن في أنه يخلق مخاطر على أمن الكيان الصهيوني الحليف الأقوى للإدارة الأمريكية.
ويعزز من إيمان الشعب العربي في فعالية استخدام السلاح ضد أعداءه.
الخيار الثالث
إلى جانب الخيارين السابقين، الإبقاء على السياقات الحالية لإدارة الاحتلال عسكريا وسياسيا، أو الانسحاب الفوري أو السريع من العراق، فأن هنالك تشكيلة من البدائل المتباينة المزايا والكلف والنتائج، والتي تشكل في مجموعها خيارا ثالثا متاحا للإدارة الأمريكية للتعامل مع مأزقها في العراق. هذه البدائل، ومع تباين تفاصيلها وآلياتها، إلا أن جميعها يستند إلى فكرة الإبقاء على السيطرة العسكرية والسياسية الأمريكية على شعب العراق.
أبرز البدائل المطروحة على الإدارة تختصر بالبدائل الخمس التالية:
أولاً: ترتيب انقلاب عسكري تنفذه مجموعة من ضباط الجيش العراقي السابق تتكون من ضباط مفصولين من الخدمة سواء قبل الاحتلال أم بعده، وضباط الجيش المعد من قبل سلطة الإدارة. الفكرة تقوم على سيطرة مجموعة مختارة من العسكريين العراقيين وبمساعدة القوات الأمريكية وإسنادها غير المنظور في السيطرة على السلطة السياسية، والمؤسسات الأمنية، وإعلان حالة الطوارىء، وإقالة الحكومة وحل البرلمان وتعليق الدستور. أمل الإدارة الأمريكية من إتباع هذا الخيار لا يتجاوز هدف تحقيق السيطرة الأمنية على مدن العراق بمخالب عراقية جديدة، بعد أن عجزت عن تحقيقه بالوسائل الأخرى.
هذا الخيار بكل تأكيد ليس بالخيار السهل، صعوبته لا تكمن في الجوانب اللوجستية أو الفنية لتنفيذ الانقلاب، بل في أبعاده السياسية، فنجاح الانقلاب العسكري وتأييد الإدارة لـ"حكومة طوارىء" سيخلق أولاً فجوة كبيرة في تبجحات الإدارة في بناء عراق ديمقراطي مستند على مبدأ مشاركة السلطة وتداولها عن طريق صناديق الاقتراع، وتأسيس دولة مستقرة تستند إلى دستور ثابت معبر عن حقوق جميع أبناء شعب العراق. محبذي هذا الخيار يبررون موقفهم مستندين إلى معادلة "وجوب تحقيق الاستقرار الأمني أولاً ومن ثم بناء الديمقراطية"! الانقلاب العسكري برأيهم يقود إلى حالة من الاستقرار الأمني، ويضع حدا لنشاط الميليشيات المسلحة ويساعد على توفير المناخ المطلوب لتأسيس مؤسسات ديمقراطية مستقرة. أما الصعوبة الثانية لتنفيذ هذا الخيار فتتمثل في ردود الفعل المحتملة من ميليشيات الأحزاب والقوى التي سيعزلها الانقلاب، ويهدد مكتسباتها الاقتصادية، ويصادر سيطرتها الأمنية على بعض المدن.
ثانيا: سحب القوات الأمريكية والأجنبية الأخرى من المدن والمراكز الحضرية إلى قواعد عسكرية ثابتة وموزعة على كافة أنحاء العراق، مع تأمين الحماية العسكرية الكاملة لحقول النفط وأنابيب نقله.
إتباع هذا الخيار يتطلب تسليم جميع الملفات الأمنية والسياسية للحكومة العراقية وقواتها المسلحة، مع تأمين الإسناد العسكري لها في حالة المواجهات الكبرى مع ما تطلق عليهم الإدارة "المتمردون"، أو في حالة تعرض أراضي العراق لمخاطر غزو أجنبي، هذا الخيار يوفر للجانب الأمريكي ميزة الاحتفاظ بحقول النفط العراقية، أو حمايتها من مخاطر الاقتتال الداخلي. بالإضافة إلى أنه يتيح لها آلية لتقليل خسائرها المادية والبشرية. إلا أنه من جانب آخر، قد يقود إلى تدهور أمني كبير، واحتمال سيطرة "المتمردين" على مراكز المدن بسبب افتقار الدولة إمكانيات السيطرة على الوضع الأمني.
ثالثا: إعادة توزيع السلطة بين المكونات العراقية على أسس جديدة، وتسليم السلطة إلى لاعبين جدد بعد تحقيق مصالحة عراقية. تحديد عضوية الفريق الجديد لن تستند على المحاصصة الطائفية أو السياسية، بل سيتم اختيار عناصر"تكنوقراطية" غير منتمية سياسيا للأحزاب التي تسيطر على الدولة والحكومة، لكنها مدعومة من قبلها. استنادا للفكرة المطروحة، فإن "السلطة الجديدة" تمارس مهامها بإشراف عربي - إسلامي - دولي وبحماية عسكرية أمريكية مباشرة مع استخدام الأجهزة الأمنية العراقية، إشكالية هذا الخيار تكمن في أنه لن يحظى بموافقة حلفاء الإدارة الحاليين ولا يوفر ضمانة لتحقيق الاستقرار الأمني ونجاح مشروع الاحتلال.
رابعا: التفاوض مع المقاومة الوطنية العراقية والانسحاب من العراق وفق برنامج زمني محدد وشروط سياسية وعسكرية متفق عليها. هذا الخيار وإن كان سيقدم للإدارة الأمريكية ما تحتاجه لحماية هيبتها وعدم الظهور بمظهر المهزوم عسكريا، ويوفر لها الكثير من الخسائر المادية والبشرية، إلا أنه يواجه صعوبات كبيرة. فتبني هذا الخيار يعني التخلي عن جميع أو معظم حلفاء الإدارة الحاليين، وسحب السلطة السياسية منهم وتسليمها إلى المقاومة الوطنية.هذه الخطوة بالتأكيد لن تحظى بموافقة الفاقدين لمواقعهم السياسية ومكتسباتهم الاقتصادية الكبيرة، الأمر الذي سيؤدي إلى صدام مسلح واسع مع تلك الأطراف وخاصة المرتبطين منهم بالحكومة الايرانية.
هذه الأطراف أصبحت تملك قوة بشرية وعسكرية لا يستهان بها بعد الدعم الأمريكي العسكري وبعد التسليح الايراني المكثف لها. لا شك في أن الإدارة الأمريكية تملك القدرة على التقليل من التهديدات التي قد تشكلها هذه الأطراف على الوضع الجديد من خلال اتفاقيات محددة مع الجانب الإيراني.
خامسا: من أكثر الخيارات المتاحة أمام صانع القرار الأمريكي خطورة على مستقبل العراق، هو خيار تقسيم العراق إلى ثلاثة أقاليم كحل نهائي للفوضى الأمنية المستشرية، وإيقاف الاقتتال الطائفي المتصاعد، ولتقليل حجم الخسائر الأمريكية، والتمهيد لانسحاب عسكري أمريكي كلي أو جزئي من العراق.
تنفيذ هذا الخيار يتطلب أيضاً الاتفاق مع دول الجوار وخاصة سوريا وايران،
لضمان عدم سيطرة ايران على العراق عسكريا أو عدم احتلالها لحقول النفط العراقية، وما قد يؤدي إلى تدخل عسكري أمريكي جديد في المنطقة، ربما يكون أكثر حجما وسعة من حجم التواجد العسكري الراهن.
من الواضح أن جميع الخيارات المطروحة أعلاه تبقى ناقصة وغير مجدية ولن تقود إلى حل أزمة الإدارة طالما استمرت في نهجها التعسفي الراهن.
مصير الخيارات والبدائل أعلاه لن يكون أفضل من مصير الخطط السابقة للإدارة. فجميع المشاريع السابقة فشلت في تحقيق أهدافها بسبب تجاوزها لثوابت المقاومة العراقية ولحقائق ومسلمات وطنية أساسية.
لقد كثر الحديث مؤخرا، ولاسيما إثر الانتخابات الأخيرة، عن توصيات تقرير لجنة بيكر- هاملتون بشأن العراق، فبالغ الكثيرين، واستناد على ما سرب من تلك التوصيات، في تقدير أهميتها على مستقبل مشروع الاحتلال ومستقبل شعب العراق، وتفاءل آخرون بشكل غير مفهوم لنا في نتائجها.
إن التغيرات التي قد تحملها توصيات لجنة "بيكر- هاملتون" بصرف النظر عن مضمونها وعن خطورتها، ولوا افترضنا التزام الإدارة بها، ليست التغيير الأول الذي اضطرت الإدارة إلى إدخاله على مشروع احتلالها الفاشل منذ ولادته، فلقد سبق لها وأن أدخلت تعديلات وتحويرات عديدة على استراتيجيتها، كانت آخرها تلك التي طرحتها في "استراتيجية تحقيق النصر في العراق" الصادرة عن مجلس الأمن القومي الأمريكي خريف عام 2005. قبول الإدارة لتوصيات لجنة بيكر- هاملتون لن تكون بالتأكيد المحاولة الأخيرة لإنقاذ مشروع الاحتلال، وأن مصيرها لن يختلف عن مصير ما سبقها من محاولات إنقاذ مشروع الفشل والخيبة.
(2)
خياراتنا الوطنية
إزاء البدائل السياسية المتاحة أمام الإدارة الأمريكية المشار إليها أعلاه، فأن الخيارات الوطنية المتاحة أمام شعب العراق لمجابهة الاحتلال وأهدافه كانت ومازالت محدودة، ومتجسدة في خيار المقاومة بكل صيغها ومستوياتها، وأهمها وأكثرها فعالية صيغة التعرض المسلح لقوات الاحتلال. نهج المقاومة المسلحة لم يكن خيارا عدوانيا اختاره شعب العراق، بل واقع دفاعي مشروع فرضه العدوان الأمريكي المسلح على شعب العراق من دون أي مسوغات قانونية أو أخلاقية، إنها الوسيلة الفعالة الوحيدة المتاحة لشعب العراق وقواه الوطنية لدح العدوان وإنهاء حالة الحرب التي فرضتها إدارة بوش على شعبنا.
إن أهمية المقاومة كـخيار وحيد لاسترداد سيادة العراق، واسترجاع كرامة شعبه، وضمان حقوقه، برهنتها تجربة المرحلة المنصرمة من الاحتلال، فمشروع المحافظين المحدثين التوسعي في العراق والوطن العربي لم يبلغ مرحلة الأزمة والتراجع جراء ما يطلق عليها "المقاومة السلمية" أو "العملية السياسية"، بل نتيجة الجهد القتالي لرجال المقاومة الوطنية وتضحياتهم وانتصاراتهم، ونتيجة مفردات برنامجهم السياسي المعبر عن مصالح شعب العراق. من أنهك سلطة الاحتلال وقواتها، وافشل خططها، واجبرها على إدخال تغييرات أمنية وسياسية متتالية على مشروع الاحتلال؟ هي المقاومة الوطنية المسلحة، هذه مسلمة وطنية غير قابلة للاجتهاد والمساومة، وحقيقة تدركها وإن لم تعترف بها علنا الإدارة الأمريكية وحلفائها.
إن الضرورات الوطنية، ولاسيما ضرورة إنهاء الاحتلال واسترداد سيادة العراق والحفاظ على وحدة أراضيه تحتم على شعب العراق وقواه السياسية المناهضة للاحتلال، التمسك في خيار المقاومة كآلية وحيدة لدحر الاحتلال، ورفض جميع خيارات ومبادرات المساومة لعدم جدواها. من المؤكد أن التمسك في خيار المقاومة المسلحة لا يلغي دور العمل السياسي الوطني أو يقلل من أهميته، إلا أن دور الفعل السياسي المسلح، يبقى دورا مكملا وليس بديلا لخيار المقاومة المسلحة ضد قوات العدو المحتل. إن التجربة التاريخية لحركات المقاومة الوطنية تشير إلى أن أهمية العلاقة التكاملية بين الجهدين المسلح والسياسي تزداد مع نضوج برنامج المقاومة، وتصاعد حجم انجازاتها العسكرية، واتساع رقعة سيطرتها الجغرافية، وتراجع قوة المحتل الأجنبي. وانطلاقا من فهم هذه الحقيقة التاريخية، فان تكامل الآليتان العسكرية والسياسية للمقاومة الوطنية العراقية باتت ضرورة وطنية ملحة لا يمكن تجاوزها أو التهاون في تحقيقها.
ثمة بديهية نرى من الضروري تثبيتها وتذكير المهتمين في الشأن الوطني العراقي بأهميتها، إن تمسك شعب العراق وقواه الوطنية في خيار المقاومة المسلحة، والإيمان في حتمية انتصار المقاومة، واندحار مشروع الاحتلال، لا يشكلان ضمانة لتحقيق انتصار تلقائي لفصائل المقاومة العراقية على قوات العدو المحتل، بل إن انتصارها النهائي يتطلب تعبئة مجموعة من المستلزمات العسكرية والسياسية، فدحر عدو متغطرس ذي قدرات عسكرية ومالية هائلة، وتأثير سياسي فعال على متغيرات الصراع الدولي، وهيمنة شبه مطلقة على المؤسسات الدولية والإقليمية، وسيادة تامة على مواقف حكومات المنطقة وقراراتها، لن يتم عبر خطاب سياسي مغالي في تفاؤله، وفي تحجيمه لقوة العدو وقدراته وإمكانيات حلفائه، أو من خلال قراءة سياسية خاطئة لمواقف الإدارة الأمريكية، أو فهم منقوص للتغيرات المحتملة على خطة الإدارة وسياقاتها. والأهم من كل ذلك أن الاحتلال لن تنهيه مبادرات وعروض تفاوضية منفردة، ولن تهزمه مبادرات قائمة على أهداف ونوايا خاطئة، بل عبر برنامج وطني شامل مستند على الثوابت الوطنية، ومعبر عن المصلحة الجمعية لشعب العراق، برنامج تقوده المقاومة الوطنية العراقية، وتساهم في إغناء مفرداته وتنفيذه جميع القوى والشخصيات السياسية الرئيسية المناهضة للاحتلال.
لا جدال في أن أهم مستلزمات انتصار المقاومة، وهزيمة قوات الاحتلال يكمن في ضرورة توحيد فصائل المقاومة ضمن قيادة واحدة، وتوحيد الحركات والقوى السياسية المناهضة للاحتلال أو تقريب مواقفها ونشاطاتها. إن طرح موضوع توحيد الموقفين القتالي والسياسي وتكاملهما لا يشكلان مجرد شعار تعبوي، بل ضرورة وطنية تفرضها طبيعة الصراع مع المحتلين. ففي ظل التباين الكبير في إمكانيات طرفي الصراع، واختلال ميزان القوى لصالح سلطة الاحتلال، فان وحدة الصف الوطني المقاوم والسياسي ستقلص من حجم الفجوة، وتعيد لمعادلة الصراع توازنها، لا بل ورجحان كفة مقاومة شعب العراق الوطنية.
إن الهزيمة النهائية والحاسمة للاحتلال وقواته لن تتحقق وكما أشار السيد الرئيس المجاهد صدام حسين مؤخرا، إلا بعد انطباق نصفي العراق والإشارة هنا واضحة المعنى. هذا الانطباق في تقديرنا لن يتحقق إلا بعد انتهاء حالة الشللية السياسية، وحسم الصراعات الجانبية، وتجاوز عقد الماضي وإشكالياته، واتفاق جميع القوى السياسية على مفردات برنامج وطني متكامل يعالج التحديات السياسية لشعب العراق سواء خلال مرحلة مقارعة العدو المحتل، أو مرحلة إعادة بناء الدولة الوطنية.
قد يطرح البعض بأن توحيد مواقف القوى الوطنية المناهضة للاحتلال، ضمن مشروع سياسي واحد هدف غير قابل للتحقيق عمليا خلال المرحلة الراهنة، أو قد يراه آخرون شرطا غير ضروري لانتصار المقاومة. ومع تقديرنا لحق الآخرين في طرح رؤيتهم إلا أننا لا نتفق معهم إطلاقا حول صواب مواقفهم بهذا الخصوص. فإذا كان جمع كل القوى المناهضة للاحتلال في عنوان سياسي واحد مسألة تواجه عقبات، فان التقاء غالبيتها أمر قابل للانجاز إذا ما تجاوز مسؤولو الحركات السياسية المناهضة للاحتلال بعض الإشكالات الثانوية، والتخلص من مخلفات فشل تجاربهم السابقة، والارتقاء إلى مستوى التحديات التي يواجهها شعب العراق وتضحياته. من المهم أن نثبت أن الدعوة لوحدة الصف الوطني لا تعني بالضرورة دعوة لتأسيس تنظيم سياسي جديد آخر يضاف إلى العناوين السياسية القائمة، بل دعوة لتطوير تجربة الجبهة الوطنية والقومية والإسلامية، وتوسيع تحالفاتها وتصعيد نشاطاتها.
إلى جانب توحيد الموقف السياسي الوطني المناهض للاحتلال، فأن الالتزام في الثوابت الوطنية وعدم التفريط بها أو المساومة عليها وعدم التنازل عنها وعن أي من حقوق العراق الوطنية والتاريخية، يشكل المستلزم الثاني المطلوب توفيره للتعجيل في تحقيق الانتصار الكامل للمقاومة، واندحار الاحتلال وتصفية آثاره، أن إحدى المخاطر التي تواجهها قضيتنا الوطنية تكمن في مبادرات التفاوض التي تطرحها أطراف ثانوية تدعي كونها تمثل فصائل مقاومة أو داعمة لها، المخاطر لا تكمن في فكرة المفاوضات مع سلطة الاحتلال، بل في دوافع وطبيعة الجهات الطارحة لتك المبادرات ومبررات تقديمها، إن التمسك في مبدأ أحقية فصائل المقاومة الوطنية الأساسية في تحديد طبيعة وشروط وتوقيت المفاوضات، وكذلك تحديد الفريق المخول بالتفاوض قضية محسومة وغير قابلة للنقاش؟ كما وأن التمسك في موقف وطني موحد من موضوع التفاوض مع الاحتلال مسالة لا يجب تجاوزها.