الوجه الآخر - لتوصيات "بيكر - هاملتون"
عوني القلمجي
من شاهد المؤتمر
الصحفي المهيب وحكماء "لجنة بيكر – هاملتون" في صدارته قبل البدء بتلاوة توصياتها،
التي انتظرها العالم طويلا، ظنوا بأن اللجنة التي وصفت بالحكيمة، ستنصح بوش
بالانسحاب وفق مبدأ نصف الخسارة ربح ويحفظ لأمريكا سمعتها وهيبتها أو يحفظ لها ماء
الوجه، وترحل معه الحكومة العراقية التي عينها ويهرب قبله عملائه وأتباعه ويعود
العراق محررا يحكمه أبنائه المقاومون وتنتهي معاناة شعبه التي فاقت الخيال. خاصة
وأن الإشاعات ملأت الدنيا وروج لها الجهلاء من أن بوش يبحث عن سبب يشجعه على
القيام بانسحاب مشرف، وإذا بحزمة التوصيات التي بلغت 79 توصية، تشجع بوش على التورط
أكثر في المستنقع العراقي، حيث صورت له عن حق بان الوضع في العراق خطير ومتدهور،
لتتجنب قول الحقيقة وهي أن وضع القوات الأمريكية في العراق خطير ومتدهور.
ليس في ذلك ما يدعو للاستغراب، فكلا الحزبين الديمقراطي والجمهوري التي تشكلت اللجنة منهما يرفضان الهروب أو الهزيمة، وخلافهما ينحصر في إدارة مشروع الاحتلال وليس في مشروع الاحتلال نفسه، وإلا ما معنى أن تصف اللجنة توصياتها بأنها الطريق الذي يؤدي إلى النجاح بدل استخدام كلمة النصر الذي يحلو لبوش ترديدها دائما؟ وما معنى أن تطالب اللجنة بفتح حوار مع دول الجوار وعلى وجه الخصوص سوريا وايران لتقديم دعم أكبر لإنجاح مشروع الاحتلال حتى إذا تطلب الأمر تقديم تنازلات مؤلمة؟ ألا يعني ذلك أن اللجنة رفعت شعار غير مكتوب مفاده يا أعداء العراق في الداخل والخارج اتحدوا لمساعدة بوش على تحقيق الانتصار المطلوب حيث العمل فرادا غير مجدي؟
واضح جدا أن مهمة اللجنة العتيدة، صممت أصلا لإنقاذ أمريكا من مأزقها والتغلب عليه، ولم تصمم من أجل البحث عن انسحاب سريع ومشرف كما اعتقد البعض، وإلا لما احتاجت اللجنة إلى عدة شهور لإجراء مناقشات مع أعضاء الحكومة والبرلمان وأكثر من مئة شخصية عراقية تابعة للاحتلال، فالانسحاب سواء كان على دفعات أو مرة واحدة لا يحتاج سوى قرار واحد ومن قبل شخص واحد هو بوش، وفقا لصلاحيته كقائد أعلى للقوات المسلحة، كما فعل الرئيس الأمريكي الأسبق نيكسون، حين اعترف بهزيمته في فيتنام وسحب قواته في غضون شهرين لا أكثر، وهذا ما يفسر لماذا تجنبت اللجنة تحديد جدول زمني للانسحاب واكتفت بأن يكون العام 2008 بداية له، كون هذا العام لا يضير بوش بشيء، فهو سيكون عام الانشغال بالانتخابات الرئاسية القادمة التي لن يكون بوش طرفا فيها، ومن جهة أخرى فأن هذه الفترة تمنح بوش الفرصة الأخيرة لتحقيق النصر الذي يحلم به، خاصة وأن مستشاره للأمن القومي أكد على أن هناك استراتيجيته جديدة سيتم الإعلان عنها خلال أسابيع وليس أشهر.
لقد قدمت اللجنة خدمة جليلة لبوش ومن الخطأ الاعتقاد بأنها كانت وبالاً عليه وأنه لن يأخذ بتوصياتها، على الرغم من وصفه بأنها كانت قاسية، لأن بوش بحاجة لتوحيد موقف الحزبين بالنسبة لمشروع الاحتلال والذي من شانه أن يرفع من شعبيته التي تدنت إلى أقصى حد لم يبلغها أي رئيس أمريكي قبله، ثم أن هذه التوصيات ليس فيها ما يدفع بوش إلى رفضها، فهي تتضمن جوانب ايجابية وهو في نفس الوقت غير ملزم بالتعامل معها كسلة واحدة كما قال جيمس بيكر، وها هو بوش قد باشر اجتماعاته قبل يومين مع زعماء الأغلبية الديمقراطية في مجلس النواب والكونغرس، تمهيداً لإعلان استراتيجيته الجديدة في العراق، خلال الخطاب الذي سوف يوجهه إلي الأمريكيين بمناسبة عيد الميلاد ورأس السنة الجديدة.
بصرف النظر عن هذه الاستراتيجية التي ستبطن أكثر مما تظهر، فأن جوهرها لن يخرج عن ذهنية القوة والنصر الذي يؤمن بها بوش و"المحافظون الجدد"، وهذا يعني أن الجانب العسكري وتصعيد المعارك ضد المقاومة العراقية سيكون لها نصيب الأسد من هذه الاستراتيجية، فكل الدلائل تشير إلى وجود خطط عسكرية بهذا الاتجاه وربما تكون بدايتها إعادة احتلال بغداد، حيث بدأت الاستعدادات لسحب 30 ألف جندي من محافظة الأنبار لهذا الغرض إضافة للقوات الموجودة فيها، ليجري تعويضها لا حقا بإرسال عدد مماثل من الجنود إلى العراق، حيث يعتبر بوش وصقور الحرب بأن ذلك من شأنه أن يمكن الحكومة المنهارة، من الخروج من أسرها في "المنطقة الخضراء" وفرض سيطرتها تدريجيا ليس على بغداد وحدها وإنما على العراق كله، وهذا ينسجم مع توصيات اللجنة التي أشارت إلى دعم الحكومة والقوات العراقية وتسليحها ونقل المسؤوليات إليها تدريجيا، لتتمكن قوات الاحتلال من إعادة انتشارها خارج المدن في 14 قاعدة عسكرية عملاقة صممت لإيواء 100 ألف جندي، ورصد لها 4,5 مليار دولار، تتوزع على مدن الموصل وكركوك وتكريت وبلد والفلوجة ونقرة السلمان والصقر و(اج ثري) والناصرية والبصرة، أما بغداد فسيكون نصيبها أربعة قواعد، الأمر الذي أزعج الطالباني والبرزاني لعدم اختيار أي من مدن الشمال مقرا لأحد القواعد.
أما الحديث عن الجانب السياسي في الاستراتيجية الأمريكية، فسيكون في آخر أولويات بوش، فهو على ما يبدو قد نفض يده من القوى المناهضة للاحتلال من دخول العملية السياسية أو مشاريع المصالحة الوطنية، وسيكون اعتماده الأساسي على الشيعة والأكراد، وهذا ما يفسر دعوة بوش لـ"عبد العزيز الحكيم" واللقاء به وتأجيل زيارة طارق الهاشمي ممثل "السنة في رئاسة الجمهورية"، ويفسر أيضا العرض الذي قدمه البرزاني للحكومة بإرسال آلاف البشمركة إلى بغداد لحماية الحكومة، وهذا لا يعني قطعا استبعاد إجراء حوار مع دول الجوار ومنها سوريا وايران، لتقديم مساعدة أكبر لمشروع الاحتلال، فبوش رغم غبائه المعهود لن يرفض يدا تمتد لمساعدته.
لندع بوش وأحلامه المريضة واسترتيجيته الجديدة وقواعده الدائمة التي ستكون أهداف سهلة للمقاومة، ونأخذ الوجه الآخر من توصيات اللجنة العتيدة، فهي رغم الاستياء العام من هذه التوصيات، كونها سعت لإخراج أمريكا من مأزقها وتكريس الاحتلال وتجاهلت ما يعاني منه الشعب العراقي من دمار وخراب بسبب الاحتلال، إلا أنها لاقت القبول والترحيب من الأنظمة العربية التي تسعى إلى كسب ود أمريكا، لتامين بقاءها، حيث أصبحت التضحية بالعراق جسر العبور إلى البيت الأبيض بدل الكيان الصهيوني، الذي لفظهم دون رجعة بعد نفاذ الصلاحية، فسوريا على سبيل المثال اعتبرت التوصيات ايجابية وعبروا عن فرحتها بالقول: "وأخيرا أدركت أمريكا بأن لا حل في "الشرق الاوسط" وفي المقدمة منها العراق من دون سوريا"، لكن النظام السوري لم يخبرنا عن اتجاه هذا الحل وفي أية خانة أو مصلحة يصب، هل في صالح سوريا أم في صالح الأمريكيين؟ والغريب أن سوريا وهي تعلن فرحتها بالانتصار العظيم، تجاهلت الشروط العديدة التي وضعها بوش وإدارته لكسب رضاها، وهي بمجموعها تكسر الظهر دون مواربة، ومنها تامين الإطار الجدي لاستعادة لبنان سيطرته السيادية علي كلّ أرضه، والإيقاف الفعلي للمساعدة السورية لـ"حزب الله" والإيقاف الفعلي لشحنات الأسلحة من سورية، أو عبر حدودها إلى "حماس" وسواها من المجموعات الفلسطينية الراديكالية، والتزام سوري بالمساعدة في الحصول من "حماس" على اعتراف بحقّ "إسرائيل" في الوجود.
وهكذا الحال بالنسبة لحسني مبارك واللجنة الوزارية العربية التي اجتمعت في القاهرة حول موضوع العراق والجامعة العربية والسعودية ودول الخليج وحتى علي عبد الله صالح رئيس اليمن، فقد تسابقوا قبيل وبعد إعلان التوصيات، عارضين خدماتهم على السيد الأمريكي، بدءا بالعمل على إجراء مصالحة وطنية بين الحكومة وأعدائها ومرورا بوضع خطة تحرك للتواصل العربي تحت ذريعة مساعدة العراق للخروج من أزمته الحالية وعقد مؤتمر إقليمي طبقا لما ورد في توصيات اللجنة، وانتهاءا بإرسال قوات عربية إلى العراق.
بصرف النظر عن الحال الذي سينتهي إليه بوش، ترى ما الذي يدفع هؤلاء العرب إلى الركض وراء الأمريكان، ويضحوا ببلد عربي كالعراق، لطالما ضحى هذا البلد من أجل العرب جميعا؟ وما هي الفائدة التي سيجنوها من ذلك؟ هل هي تجنب العقاب الذي قد يصل إلى حد الإطاحة بهم إذا ما أعادت أمريكا تفكيك المنطقة ورسم خارطة جديدة لها وفق "مشروع الشرق الاوسط الكبير"؟ نظن أن العالم كله قد تأكد بأن هذا المشروع فشل وانتهى أمره. هل هو ثمن مادي كالذي تقاضته مصر في عدوان 1991 على العراق، بمبلغ وقدره 7 مليار دولار؟ أمريكا اليوم بحاجة للمال وغير مستعدة لأن تكون كريمة مرة أخرى، أم هو أرض كما تريد سوريا؟ فالجولان يا سيد بشار هي بيد "اسرائيل" وليست بيد بوش، وأن بوش لا يمكن أن يضغط بهذا الاتجاه ويزعج الكيان الصهيوني، أم هو دفاعا عن الحدود والوجود من النفوذ الايراني؟! فيا دول الخليج الذي يحميكم من هذا الخطر الفعلي هو العراق المحرر، البوابة الشرقية ألا تذكرون؟، أما أمريكا يا سادة فهي مستعدة على الدوام للتضحية، بكم إذا تبين أن بإمكان ايران إنقاذها من يد المقاومة العراقية، ألم تتعظوا من استعداد أمريكا للتخلي بكل سهولة عن حلفائها إذا أصبحت عبئا عليها كما حدث مع شاه ايران، التي رفضت منحه حق الإقامة وتكرم بها السادات المقبور؟ وحتى أحزابهم العميلة، ألم ترو حزبي جلال ومسعود وقد تخلى عنهم الأمريكان مرة في 1991 وأخرى قبل أيام رغم خدماتهم الجليلة للاحتلال، حين كذب عليهم بيكر وخلت توصيات اللجنة من منح إقليمهم المفتعل وضعا خاصا يكرس انفصالهم في المستقبل، الأمر الذي دعا مسعود البرزاني لمهاجمة بيكر ووصفه بالكذاب ليؤيده في ذلك جلال الطالباني، هل يفيدكم إرسال قوات عربية إلى العراق لمشاركة القوات الأمريكية في حربها ضد المقاومة العراقية كما فعلتم في حفر الباطن؟ وإذا فعلتم ذلك فهل في قدرتكم محاربة المقاومة العراقية التي عجزت أكبر قوة عسكرية في العالم عن محاربتها؟ ثم ماذا ستقولون لشعوبكم إذا تورطتم وأرسلتم جيوشكم إلى العراق للقتال إلى جانب القوات الأمريكية ضد المقاومة العراقية؟ أم أن الاستخفاف بهذه الشعوب بلغ درجة أصبحتم فيها مطمئنين بأنها لن تنفجر يوما وتكنس عروشكم؟
كأني أسمع المقاومة العراقية تقول لكم في سرها، إذا تورطتم في العراق فستكونوا هدفا لنا، مثلكم مثل جنود الاحتلال وحلفائه وعملائه، فالصراع الدائر بيننا وبين قوات الاحتلال صراعا دمويا وقد بلغ أشده، ولا مكان فيه للعواطف والمشاعر ولا يشفع لمن يتعامل مع الاحتلال، قومية كانت أو دين مشترك، ولا أخوة أو صداقة، فنحن نخوض حربا مشروعة وسائرون في طريق تحرير العراق ويومها تبيض وجوه وتسود وجوه ووجوهكم هي السوداء دون أدنى شك.
10/12/2006