العالم يحترم من يضرّ وينفع
د. عصام نعمان *
ليس
أدل على ما تكابده الولايات المتحدة في العراق من ارتحال جورج بوش إلى عمان وقبله
نائبه ديك تشيني إلى الرياض. كلاهما يبحث عن مخرج لواشنطن من ورطتها الدامية في
العراق، ورطة؟ بل فخ، يقول كوفي أنان شامتاً، علقت فيه أمريكا منذ أكثر من ثلاث
سنوات وما زالت.
من حق الأمين العام للأمم المتحدة أن يشمت، فقد حاولت واشنطن قبل نحو سنة أن تسيء إلى سمعته بالإيحاء بأن لابنه علاقة بسرقات ارتكبت في برنامج "النفط مقابل الغذاء". قيل أن أنان اضطر وقتها إلى مسايرة واشنطن في بضع قضايا مهمة لقاء سكوتها عن لفلفة قضية ابنه. الآن وقد شارفت ولايته على الانتهاء، فقد أصبح في وسع أنان أن يشمت مجاناً بمأمن من أي ردِ فعلٍ أمريكي.
المهم أن أمريكا تكابد سياسياً وعسكرياً ومالياً في العراق، بل في المنطقة، ما العمل؟ ثمة مخارج وصفقات عدة يجري البحث فيها. بعضها ذو طابع موضعي ضيق. بعضها الآخر ذو طابع إقليمي واسع. يزيد المكابدة تعقيداً عامل أمريكي داخلي، وآخر إقليمي أو خارجي. فالديمقراطيون الذين سيطروا على الكونغرس في الانتخابات النصفية الأخيرة يراقبون بوش بدقة ويخططون للنيل منه إذا ما تكشّفت اتصالاته ومواقفه عن مزيد من التورط في فيافي الشرق الأوسط الكبير، ومزيد من الكلفة المالية. إلى ذلك، يجد بوش نفسه أمام تحديات ومطالبات إقليمية كثيرة ومتناقضة تصعب الاستجابة لها أو التوفيق بينها.
الملك الأردني عبد الله الثاني يشكو من مخاطر "هلال شيعي"، احد طرفيه في طهران والآخر في لبنان مروراً بدمشق. كما يرى ثلاث حروب أهلية تلوح في العراق وفلسطين ولبنان وتطوّق مملكته الهشة.
العاهل السعودي عبد الله بن عبد العزيز، يتألم ويتخوف من أعمال عنف متفاقمة تتكاثر وتتعمّق في العراق وفلسطين ولبنان، ويتحسّب لترتيبات وصفقات تحاول إدارة بوش إجراءها وقد تأتي على حساب هذه البلدان الثلاثة، بل على حساب المنطقة كلها.
حليف بوش، الإسرائيلي ايهود اولمرت ما زال يلعق جراح حربه الفاشلة على لبنان، ويحاول تضميد سياسته الدموية الفاشلة مع الفلسطينيين أملاً بان يعوّض عليه بوش خسارته بموقف من المشروع النووي الإيراني يعالج هواجس أمنه القومي.
غريم بوش، الإيراني محمود أحمدي نجاد يلّوح بالجزرة والعصا معا. فهو يبدي استعداداً لمساعدته على الفكاك من ورطته العراقية مقابل تسوية تحفظ حق إيران ببناء قدرة نووية، وهو يهدد بالتحالف مع طالبان لإجلاء القوات الأمريكية والأوروبية الأطلسية عن أفغانستان إذا ما حاولت واشنطن اللجوء إلى العنف في معالجة الملف النووي.
حليف بوش، التركي المتحفّظ رجب طيب اردوغان يخشى من أن تهندس إدارة بوش مخرجاً من المستنقع العراقي ينطوي على تقسيم للعراق يفوز بواسطته الكرد بدولة مستقلة في شماله، تكون نواة لدولةٍ كردية أوسع تضم لاحقا شرق تركيا حيث للأكراد وجود كثيف.
حليف بوش اللبناني فؤاد السنيورة، ومن ورائه الثالوث المعادي لسوريا، وليد جنبلاط وسعد الحريري وسمير جعجع، يخشى من صفقة تعقدها واشنطن مع دمشق لقاء دور مهدّئ لهذه الأخيرة في العراق يؤدي، عاجلا أو آجلاً، إلى عودة سوريا إلى لبنان أو على الأقل عودة نفوذها إليه.
بوش يدرك هواجس أصدقائه وحلفائه الإقليميين ومتاعبهم، وسيحاول معالجتها والتوفيق بينها من جهة ومصالح أمريكا ومتطلبات سياستها في المنطقة من جهة أخرى. غير أن ما يحدّ من إمكان التوصل إلى حلول أو تسويات عملية تصمد لفترة طويلة ضعفُ الأطراف العربية ذات الصلة نتيجة تفككها وانعدام التنسيق بينها. بكلام آخر، المركز التفاوضي العربي ضعيف إزاء الولايات المتحدة في حين أن المراكز التفاوضية غير العربية "الإسرائيلي" والإيراني والتركي أقوى وافعل. مرد ذلك إلى قاعدة ثابتة في علاقات القوى الدولية مفادها أن التأثير والفعالية يكونان للدولة أو للقوة القادرة على أن تضرّ أو تنفع، فالدولة أو القوة التي تنفع دائما لا تأثير لها لأن سلوكها ممكن التنبؤ به والغير ليس ملزما بالتالي باتخاذ أي تدبير أو سلوك سياسة معينة لضمان الإفادة منها أو استرضائها. في المقابل، نجد أن الدولة أو القوة التي بإمكانها أن تضرّ وتعرف كيف تفعل ذلك فإن الدول المعرضة للضرر تكون مضطرة إلى مراعاتها وعدم استعدائها بل مراضاتها كي تحصل على المنفعة المرجوة منها.
إذْ تدرك الولايات المتحدة أن معظم الدول العربية لا تهددها بأي تدبيرٍ مؤذٍ، لاسيما على صعيد الإمداد النفطي، لحملها على وقف دعمها للكيان الصهيوني العدواني أو التخفيف منه على الأقل، فإنها ستثابر على تجاهل حقوق عرب فلسطين بل حقوق العرب أجمعين ولن تصغي تاليا إلى نداء "أن يتسق تأثير واشنطن مع التوازنات التاريخية في المنطقة".
في ضوء هذا الواقع، فإن اختيار إدارة بوش لسياسة الحرب أو لسياسة المصالحة في المنطقة سيعود بالضرر على العرب، فرادى ومجتمعين. إذا اختارت طريق الحرب ضد إيران فإن مفاعيل الحرب ستشمل بالضرورة كل أنحاء المنطقة، وإذا اختارت طريق المصالحة فإنها قد تتوصل إلى صفقة مع إيران في شأن العراق وربما في شأن غيره من بلدان المنطقة قد يعود بالضرر عليها جميعا.
آن للعرب أن يدركوا درس التاريخ: لا يحترم العالم إلاّ من له القدرة على أن يضرّ وأن ينفع، أجل، القدرة على أن يضّر، إذا اقتضى الأمر، وليس إطلاقاً القدرة على أن ينفع فقط.
* دكتور في القانون العام وأستاذ جامعي - محام بالاستئناف - وزير سابق للاتصالات - وكاتب ومعلق سياسي من لبنان