الباحث العربي ابراهيم علوش لـ (الشروق): لهذه الأسباب حُكم على صدّام بالإعدام

* تونس - (الشروق) أجرى الحوار: النوري الصّل:

أكد الباحث العربي الدكتور ابراهيم علوش أن قرار إعدام الرئيس العراقي الأسير صدّام حسين مصلحة أمريكية - إيرانية بالأساس تأتي في سياق مؤامرة كبيرة لا تتوقف عند شخص صدّام بل تتعداه إلى العراق ومن ثمة إلى الأمة بأكملها بما يفضي في النهاية إلى القضاء على روح المقاومة في المنطقة تمهيدا لتقسيمها وتفتيتها على أساس عرقي وطائفي..

الدكتور ابراهيم علّوش الذي يرأس حركة مناهضة الصهيونية أثار في حديث لـ (الشروق) أمس نقاطا عديدة تتعلق بوضع المنطقة وبمستقبلها في ضوء المخاطر التي تتربص بها محذّرا بالخصوص من خطر  التفكيك الطائفي الذي يسعى التحالف الأمريكي الصهيوني إلى تنفيذه خلال هذه المرحلة.

* كيف تقرؤون قرار التصديق على إعدام صدّام... وما هي معاني هذا الحكم ودلالاته في اعتقادكم؟

- قرار إعدام صدّام يرتبط في رأيي بعاملين وهما العامل الأمريكي والعامل الإيراني... العامل الأمريكي يهدف للضغط على صدّام وابتزازه كي ينخرط في المشاريع المعادية وهو الأمر الذي رفض القيام به حتى الآن بالرغم من كل الضغوط التي تعرّض لها... وهذا لا يعني أن الأمريكان لا يمكن أن يقدموا على إعدام صدّام بل أن إعدامه في هذه اللحظة السياسية في أمريكا ربما يخدم بوش في صراعه مع الديمقراطيين ومع الداعين إلى الانسحاب من العراق في أسرع وقت ممكن حيث أن إعدام صدّام ربما يفجّر الوضع على خطوط طائفية وهذا ما يريده الاحتلال الأمريكي والحركة الصهيونية ومن جهة أخرى فإن صدّام هو الوحيد الذي يمكن أن يمسك بجنوب العراق وان يدين له الشيعة العرب بالولاء ولذلك يريد أن يتخلص منه الايرانيون لان لإيران مصلحة في تفكيك العراق وفي عدم عودته إلى سابق عهده... فإعدام صدّام هو بالأساس مصلحة إيرانية والإيرانيون يتمنّون ذلك.

أما من جهة الأمريكان فإن إعدام صدّام يحقق رغبة شخصية للرئيس الأمريكي جورج بوش الذي يودّ أن يمسح إحباطه بسبب فشل مشروعه في العراق على رئيس العراق الشرعي صدّام حسين.

وهنا أودّ أن أؤكد أن صمود صدّام في المحكمة ورفضه التنازل عن العراق وعن رئاسته  الشرعية وعن الثوابت الوطنية في الأمة هو موقف عربي مشرّف لكل حرّ من أحرار العالم.

 

* .. ما هي أسباب ودوافع هذا الحكم... ولماذا تمّ البدء بقضية الدجيل قبل غيرها من القضايا الأخرى؟

- المزاعم التي تثار في المحكمة لا قيمة لها على الإطلاق خاصة إن الطريقة التي حوكم بها صدّام تفتقر إلى الحد الأدنى من شروط المحاكمة العادلة والنزيهة.

وعندما تشهد هذه  المحكمة ذلك الكمّ من التدخلات السياسية والأمنية في المحاكمة وعندما يقتل عدد من محاميي الدفاع ويمنعون من القيام بواجباتهم والإدلاء بتصريحات بالإضافة إلى الخروقات الأخرى فإن المحكمة لا قيمة لها ولا ينظر إليها من ناحية قانونية بل من ناحية سياسية بحتة.

ولهذا فإن الطريقة التي يحاكم بها صدّام هي طريقة مصطنعة لخدمة الأمريكان و"الاسرائيليين" والإيرانيين.. وهي إذن محاكمة سياسية بامتياز وليست محاكمة لشخص صدّام بل لعروبة العراق ولكل مؤمن في هذا الوطن بثقافة المقاومة.

ويعيبنا جميعا أن يتم اعتقال رئيس شرعي وسجنه ومحاكمته بتلك الطريقة قبل أن يحكم عليه بالإعدام... ويعيب العالم أن يحدث ذلك وألا تحدث ردود فعل على هذه الجريمة النكراء.

وعليه فإن صدّام سواء بقي حيّا أو استشهد، سيبقى رمزا مميّزا من رموز هذه الأمة وبغضّ النظر عن أية أخطاء ارتكبها أم لم يرتكبها فإنّ موقفه وصموده خلال السنوات الأخيرة جعل منه بطلا عربيا حقيقيا سيذكر التاريخ اسمه.

أما عن اختيار قضية الدجيل فهذا لا قيمة له والتاريخ سيحاكم الذين يحاكمون صدام اليوم وسيدوس عليهم قبل أن يلقيهم في المزبلة..

 

* ثمّة من يقول إنّ إعدام صدّام سيدفن معه أسرار كبيرة تحرج الإدارة الأمريكية الحالية... ما تعليقكم؟

- هذا جزء من حملات التضليل المعادية التي كانت تزعم أن صدّام كان يتعاون مع أمريكا خلال الحرب الأخيرة... والحقيقة أنّ الذين يسعون إلى ترويج مثل هذا الحديث هم الذين يتعاونون مع أمريكا وليس صدّام.

فالواضح أن ما سمي المعارضة العراقية التي كانت تروّج لمثل هذه الادعاءات جاءت إلى العراق على ظهر الدبابات الأمريكية وأنّ تلك المعارضة تتعاون مع العدو الصهيوني..

وتؤكّد الوقائع أنّ العراق حارب خلال الحرب العراقية الإيرانية بأسلحة روسية وصينية وفرنسية بينما إيران حاربت في تلك الحرب بأسلحة أمريكية.

وثبت أنّ أمريكا كانت تستمرّ في إرسال الأسلحة إلى إيران خاصّة الصواريخ المضادّة للدبابات من أجل تدمير سلاح المدرعات العراقية الذي قال عنه رئيس الاستخبارات العسكرية الصهيونية في صحيفة "جيروزاليم بوست" عام 1986 أنّه بات يخلّ بميزان القوى العربي – "الإسرائيلي" كما أنّ الأسلحة "الإسرائيلية" بقيت تتدفّق على إيران خلال الحرب، وهذا كانت تبرّره إيران بأنها كانت تشتريه من السوق السوداء... ويا لها من سوق سوداء خاصّة أنّ النفط الإيراني بقي يباع سرّا طوال الثمانينات ومن المعروف أن "بن غوريون" مؤسس الكيان الصهيوني وضع استراتيجية من أجل مواجهة الأمة العربية تقوم على التحالف مع القوميات المحيطة بالعرب مثل الفرس..

في المقابل كان يدعو إلى زيادة التفكيك الطائفي  والعرقي ولذلك حرص الكيان على إقامة علاقات مع بعض الأقليات في الوطن العربي ونرى ذلك من المغرب العربي وصولا إلى السودان والعراق.

وبناء عليه فإنّ الحديث عن أسرار إنما يهدف بالأساس إلى تشويه صورة صدام من قبل الذين ثبت تعاونهم مع العدو الصهيوني.

هم يريدون إذن تشويه صورة صدّام: الرجل الذي قصف الكيان الصهيوني والذي لم يبخل عن الثورة الفلسطينية حتّى أيّام الحصار..

صدّام الوحيد الذي بقي من بين الزعماء العرب رافضا فكرة السلام مع هذا العدو..

صدّام الذي تعرض لكلّ الإغراءات خلال الحصار من أجل التنازل للدخول في "العملية السلمية" فرفض... هذا الرجل لا يقال له إنه يحتضن أسرارا أمريكية بل ما يجب أن يقال ذلك للذين يحاولون تشويه صورة صدام بهذا الكلام.. الأمريكان لا يريدون صدّام شهيدا.. يريدون أن يشوّهوه قبل أن يقتلوه.. علينا أن ننبّه إذن إلى هذا..

 

* ذكرتم في تصريح سابق أنّ الأمّة تتعرّض إلى مؤامرة خطيرة... فهل تقرؤون إذن قرار إعدام صدّام ضمن هذا السياق؟

- نعم ثمة مؤامرة على العراق تهدف إلى تفكيكه وتفكيك الأمة، فعندما يقف من يرفض الانخراط في المشاريع المدمرة للأمة علينا أن نقف معه لأن ذلك من مصلحة الأمة..

إعدام صدّام وهو الوحيد الذي يستطيع الحفاظ على وحدة العراق هو مطلب إيراني ملح كما هو  أيضا مطلب ملح عند شخصية جورج بوش المريضة لأنه شعر أنه فشل في العراق وهو الآن لا يريد أن يبقى صدام حيا ليقول له: «بوش لقد فشلت».. لذلك إذن يريد الرئيس الأمريكي أن يتخلص من الرجل الذي كشف عاره وهذا لا ينفي أن هناك مخططا تفتيتيا أعلن عنه من أجل تفكيك العراق بل ذهب المحلّلون الصهاينة إلى حدّ التصريح بأن احتلال العراق سيكون قد فشل إذا لم يتمخض عن تقسيم العراق إلى 3 أقاليم.. الأنظمة العربية تريد اليوم أن تجيش الناس مع أمريكا وإسرائيل بذريعة مقاومة الاستطالة الإيرانية، في الإقليم عامة وفي العراق خاصة ولكن علينا ألا ننسى أن هذه الأنظمة التي تعاونت في العدوان على العراق وفي محاصرته وفي معاونة الأمريكان على تثبيت بنى طائفية فيه. وهذه الأنظمة التي تريد تجييش الناس في مواجهة إيران هي أصلا فاقدة للشرعية لأنها لم تدافع عن الأمانة وعن  مصلحة الأمة وسمحت بأن يضرب العراق.. الأنظمة العربية هي شريكة إذن في المؤامرة على الأمة.

 

* في ضوء هذه المؤامرة.. كيف يلوح لكم المشهد بالمنطقة خلال العام الجديد.. وكيف تستشرفون الوضع العربي بالتحديد؟

 ثمّة عوامل مختلفة تتفاعل هنا لإنتاج الصورة التي يمكن أن نستشرفها..

1 - لا شكّ أن أمريكا تقهقرت في الإقليم بعد تحجيمها في العراق من قبل المقاومة وهذا أثر في اندفاعتها في بقية الإقليم... المقاومة العراقية هي صاحبة الفضل في حماية لبنان وسوريا وفي عرقلة مشاريع إسقاط الأنظمة وتفكيكها بعيد العدوان على العراق.. إذ نرى اليوم أن الأمريكان والصهاينة يتقهقرون وقد لعبت دورا في هذا أيضا المقاومة اللبنانية التي هزمت "اسرائيل" وجيشها في جنوب لبنان.

وساعدت أيضا في تحجيم الإندفاعة الأمريكية الصهيونية في الإقليم وجدّدت بالتالي عقد الحياة لبعض الأنظمة العربية التي كان الأمريكان يفكّرون في التخلّص منها.

الأساس هو المقاومة العراقية وإنجازاتها. والمقاومة اللبنانية نظرا إلى وزن القطر العراقي مقارنة بالقطر اللبناني ولا يقلل ذلك بالطبع من أهمية الانجاز الذي حققته المقاومة اللبنانية لكن الفضل الكبير يعود إلى المقاومة العراقية.

من جهة أخرى نرى الأنظمة العربية وهي تستمر في سياساتها وفي تذيّلها لأمريكا.. وهذه السياسات عادت بالكوارث على المنطقة.

وبالرغم من خطورة ذلك وبالرغم من الوضوح الصارخ في المشاريع المعادية والرغبة في استهداف المنطقة وثرواتها ولعلّ من  أهمّ الدلائل على ذلك المشروع الأمريكي - الصهيوني في لبنان والعراق وفلسطين  ولا ننسى أيضا الاجتياح الذي تقوم به أثيوبيا بدعم أمريكي صهيوني على الصومال.

ما يحدث اليوم هو يعبّر عن حالة تقهقر على المستوى الإقليمي للمشروع الأمريكي - الصهيوني الذي بدأ يدخل في أزمة انعكست بوضوح على الصعيد الداخلي من خلال هزيمة الجمهوريين في انتخابات الكونغرس..

في ضوء هذا أرى أن الأمريكان والصهاينة سوف يحاولون الخروج من مآزقهم عبر محاولة تصديرها إلينا من خلال إثارة مشاكل داخلية كما يحدث حاليا في لبنان بعدمهم لـ"قوى 14 آذار"، وكما يحدث في فلسطين من خلال دعمهم لسلطة عبّاس، وكما يحدث في العراق حيث نرى تحالفا أمريكيا إيرانيا في نفس الوقت صراعا أمريكيا - إيرانيا على النفوذ من أجل تمزيق العراق ومن هنا فإن الخطورة الكبرى في العام القادم ستكون التفكيك الطائفي والعرقي والإقليمي وماعدا ذلك فإننا سنشهد تصاعدا لروح المقاومة في الأمّة..

http://www.alchourouk.com/detailarticle.asp

29/12/2006