بانوراما الحرب بين (المحاكم الإسلامية) وأثيوبيا
مقديشو - كتب حسين آدم
تحتل منطقة القرن الإفريقي أهمية إستراتيجية في العالم, فهي تقع ضمن المنطقة التي تتحكم في طرق الملاحة التجارية بين الشرق والغرب، وتحاذي هذه المنطقة، الخليج العربي الذي يزود العالم باحتياجاته من البترول والطاقة.
ولهذا فقد شهدت هذه المنطقة عبر التاريخ صراعاً بين الدول العظمى، ففي القرن الخامس عشر والسادس عشر تصارعت قوات الدولة العثمانية مع البرتغاليين الذين كانوا يهدفون إلى تأمين طرق الملاحة إلى الهند والشرق الأدنى، كما أن الدول الاستعمارية الأوروبية تنافست هي أيضاً في الاستيلاء على هذه المنطقة، وبسط نفوذها عليها، فاستولت انجلترا على مدينة عدن، وعلى شمال الصومال، بينما استولت إيطاليا على كل من أريتيريا وجنوب الصومال، أما الفرنسيون فقد تمكنوا من تأسيس قاعدتهم العسكرية على مدينة جيبوتي واستعمر الألمان تنزانيا، وكان جلياً وواضحاً في تلك المرحلة حرص تلك الدول على تأمين موضع قدم لها، في تلك المنطقة الإستراتيجية.
وبعد رحيل الاستعمار الأوروبي تأثرت منطقة القرن الإفريقي بالحرب الباردة، وصارت محطة صراع بين قطبي العالم (أمريكا، والاتحاد السوفيتي) وفي السبعينيات من القرن الماضي ساهم السوفيت في بناء وتدريب وتسليح الجيش الصومالي لمقاومة القوات الإمبريالية في المنطقة، والتي كانت تمثلها حكومة الإمبراطور هيلاسلاسي في أثيوبيا.
وبعد تمكن الشيوعيين من السيطرة على مقاليد الأمور في أديس أبابا تبدلت ولاءات دول المنطقة، وأصبحت الصومال تتجه نحو الكتلة الغربية، بينما انتقل ثقل الكتلة الشرقية إلى إثيوبيا وعدن.
وفي الثمانينيات من القرن الماضي ساهمت الدول العظمى في تأجيج الصراعات والحروب بين شعوب المنطقة، مما أدّى إلى إسقاط كل من نظامي سياد بري في الصومال ومنغستو في أديس أبابا، عام 1991م.
إلاّ أن الصومال دخلت مرحلة فوضى، ولم تتمكن من تأسيس مؤسسات حكومية قادرة على مواجهة التحديات، مما أدى إلى صراعات وحروب أهلية داخل البلاد، وهذا بدوره سبب مجاعة عام 1992م، والتي كانت مسوغاً لاستقدام أكثر من ثلاثين ألف جندي أمريكي، إضافة إلى قوات متعددة الجنسيات من دول أخرى تحت شعار إحياء الأمل في الصومال، وتوزيع المعونات الإنسانية على المتضررين.
وتجدر الإشارة هنا أن تلك القوات التي دخلت في الصومال والتي انتشرت في مناطق كثيرة بقيادة أمريكية، صاحب قدومها ظهور أنشطة شركات تنقيب البترول الأمريكية في الصومال، كما سعت القوات الأمريكية إلى إيجاد مخرج للأزمة الصومالية عن طريق تفعيل ملف المصالحة الوطنية عبر مؤتمر المصالحة في أديس أبابا، وإنشاء مجالس للبلديات، وإعادة تنظيم ما تبقى من الشرطة الوطنية.
وفي رأي كثبر من المحللين فإن أمريكا كانت تسعى من وراء كل ذلك إلى إيجاد حكومة صومالية موالية لها، ومن ثم الاستفادة من خيرات البلد، والتي من بينها احتياطات النفط الموجودة فيه، إلاّ أن تلك الجهود الأمريكية باءت بالفشل بسبب الصراع المسلح الذي خاضته مع فصيل جنرال عيديد أو فيما عُرف بحرب شوارع مقديشو، وانتهت فصول تلك المسرحية بهزيمة الأمريكان وخروجهم من الصومال. إلاّ أن أعين أمريكا لم تكن بعيدة عن مجريات الأحداث في الصومال من أجل متابعة الوضع، فقد كثفت أمريكا وجودها الدبلوماسي والاستخباراتي في دول الجوار، وبدأت السفارات الأمريكية في نيروبي وأديس أبابا تنشطان من أجل معرفة ما يجري في الصومال عن قرب، وازداد هذا النشاط الاستخباراتي بعد تفجير السفارات الأمريكية في كل من نيروبي ودار السلام عام 1998م.
اتجهت أنظار العالم مرة أخرى نحو الصومال بعد أحداث 11 سبتمبر أيلول عام 2001م، وكررت أمريكا على لسان قادتها إمكانية وجود خلايا من تنظيم القاعدة في هذا البلد فتوالت البعثات الاستخباراتية والصحفية في البلد المتهم، إلاّ أن جميع التقارير أكدت أن تلك المعلومات خاطئة وعارية عن الصحة، ومن أجل مراقبة الوضع في الصومال أنشأت الإدارة الأمريكية قاعدة عسكرية في جيبوتي لمراقبة السواحل الصومالية، تفادياً من هروب فلول تنظيم القاعدة إلى الصومال، كما أن الإدارة الأمريكية بدأت تكون مراكز استخباراتية تتعاون مع الإدارات المحلية مثل إدارة إقليم بونت لاند في شمال شرق الصومال، وإدارة إقليم صومال لند الانفصالي في الشمال، واستخدمت زعماء الحرب الفاسدين في مقديشو لهذا الغرض، وكان الهدف من إنشاء تلك القواعد متابعة أنشطة الجماعات الإسلامية الصومالية عن كثب.
وقد تزامنت تلك الأنشطة الأمريكية مع ظهور المحاكم الإسلامية كقوة مؤسسية صاعدة هدفها توفير الأمن والاستقرار للمواطن الصومالي الذي ضاق ذرعاً بتصرفات زعماء الحرب المتاجرين بالدماء، وقد حاول زعماء الحرب المفلسين الاستنجاد عبثاً بالأمريكان عندما أيقنوا أن الأمور تفلت من أيديهم، وأن الشعب اختار طريقه عندما أيّد المحاكم الإسلامية ووقف بجانبها.
في هذه الأثناء دعمت المخابرات الأمريكية زعماء الحرب بالمال والعطايا حتى يقفوا أمام (المحاكم الإسلامية)، ويقتلوا هذه التجربة الإسلامية في مهدها، ولكن انقلب السحر على الساحر، وتغلبت المحاكم على زعماء الحرب، ولم تقدر ملايين الدولارات على مواجهة هؤلاء الشباب أصحاب المبادئ.
عندها تحيرت الإدارة الأمريكية، وغدت تقلّب ما تبقى من أوراقها عسى أن تجد حلاً لهذه المشكلة (مشكلة المحاكم الإسلامية)، ولم يبق في جعبتها إلاّ الحكومة المؤقتة وربيبتها أثيوبيا، فصارت تدعو إلى دعم المؤسسات الحكومية حتى تستطيع بسط نفوذها في جميع أرجاء الصومال، بعدما كانت تفضل التعاون مع زعماء الحرب بدلاً من الحكومة المؤقتة. ولم تكتف بذلك بل حاولت إيجاد مناخ دولي يساعدها في مهامها المرتقبة في الصومال، وأنشأت بذلك مجموعة الاتصال الدولية التي تضم معظم الدول المهتمة بالشأن الصومالي وحركت الملف الصومالي في الأوساط الدولية والإقليمية.
ولكن كل تلك المحاولات لم تجدِ نفعاً أمام الانتشار السريع لنفوذ المحاكم الإسلامية في الصومال، وسقوط المدن والبلدات واحدة تلو الأخرى في يد المحاكم الإسلامية، وبهذا اتجهت الإدارة الأمريكية هذه المرة نحو إثيوبيا حامية المسيحية في القرن الإفريقي وراعية مصالح الدول الاستعمارية في المنطقة، ووفرت لها الدعم المالي واللوجيستي لتقوم بالدور المنوط بها على أكمل وجه، وهو تدمير (المحاكم الإسلامية) نيابة عن الأمريكان.
وبعد تلقيها إشارة الضوء الأخضر من الإدارة الأمريكية حشدت الحكومة الإثيوبية أكثر من خمسين ألفاً من قواتها المسلحة داخل الأراضي الصومالية، وهاهي الآن تهاجم الصومال، وتتقدم نحو العاصمة مقديشو، وسيطرت على العديد من المدن الصومالية بعد معارك ضارية ضد المحاكم الإسلامية.
وربما تكون نتائج الحرب المشتعلة بين قوات (المحاكم الإسلامية) والقوات الأثيوبية في الصومال بين أمرين:
الأول: انتصار المحاكم الإسلامية واندحار القوات الإثيوبية، وعندها تكون أثيوبيا هي الخاسر الأكبر في الحرب، وستكون المعارضة الإثيوبية المسلحة في داخل أراضيها قادرة على تحقيق انتصارات عسكرية، وهذا سيؤدي إلى تفكك الكيان الإثيوبي، وتحوّله إلى دويلات صغيرة جراء تلك الهزيمة.
الثاني: تمكن القوات الإثيوبية من هزيمة قوات المحاكم وسيطرتها على العاصمة مقديشو، وعندها ستخطط (المحاكم الإسلامية) لخوض حرب عصابات على غرار ما يحدث في أفغانستان والعراق، وستصبح الأراضي الصومالية قبلة للمجاهدين والمقاومين، كما أن أمد الحرب سيطول، وبهذا تكون حكومة عبد الله يوسف أقل شأناً من "حكومة المالكي العراقية في المنطقة الخضراء" في بغداد.
أيا كانت نتيجة الحرب فإن القوات الإثيوبية ستكون الخاسر في المعركة، فعامل الأرض والعقيدة سيلعبان دوراً في رسم نتائج الحرب الدائرة الآن على الأراضي الصومالية، أما أمريكا فستضطر لخوض المعركة بنفسها، وستجني ثمار الشوك الذي زرعته في المنطقة.