ضرورة العودة إلى العقل والمنطق
بقلم الدكتور لويس حبيقة - لبنان
من
المتوقع أن ينمو الاقتصاد الدولي بنسب لا تقل عن 4% في كل من السنتين القادمتين.
هنالك تحديات كبرى تواجهه، كتحرك سعر صرف الدولار الأميركي دوليا. هل يستمر هبوطه
تجاه اليورو؟ هل سيتراجع نمو الاقتصاد الأميركي بسبب هبوط أسعار العقارات وهل
سيحافظ الاقتصاد الأوروبي على حيويته؟ ما هي الأسعار الفضلى لبرميل النفط بعد تراجع
يقدر ب 24% منذ شهر آب الماضي نتيجة ضعف الطلب وتحسن فعالية استعماله في الصناعة
والنقل؟ ما هو السعر المتوازن لأونصة الذهب بعد تراجع الطلب العالمي خاصة في الهند
والصين ودول الخليج وبعد توقف المصارف المركزية عن العرض؟ هنالك تحديات أخرى ستنعكس
على الأوضاع الاجتماعية في الدول الصناعية والنامية، أهمها ما سيحل بالمفاوضات
التجارية المتعثرة ضمن "جولة الدوحة" في منظمة التجارة العالمية. من أهم نتائج
الجولة، إذا ما نجحت، فتح أسواق الدول الصناعية أمام صادرات الدول النامية خاصة
الزراعية. من أهم المخاطر لفشل المفاوضات وقوع الدول في حرب "الحمايات والانغلاق"
التي تضر بالجميع خاصة الفقراء.
تبلغ قيمة التحويلات الإجمالية لرؤوس الأموال باتجاه الدول الناشئة حوالي 600 مليار دولار في السنة. تبقى الدول الغنية المستفيدة الكبرى من انفتاح الأسواق المالية. أما الدول الفقيرة، بالرغم من رخص العمالة وارتفاع العائد المالي، تبقى مهمشة اقتصاديا بسبب أسواقها المالية التي تستمر مقفلة في وجه الاستثمارات الخارجية وفي وجه تأسيس الشركات الجديدة. ما ينقص الدول الفقيرة هي المؤسسات التي تبقى ضعيفة وبالتالي لا تحتوي على المناعة الكافية لإحداث التغيير والمحافظة عليه. أخذ بناء المؤسسات في الدول الصناعية عشرات السنوات حتى أضحت جزأ من الثقافة الشعبية. من يسيطر في الدول النامية على معظم الموارد والإيرادات العامة لا مصلحة له في التغيير والتحسين والمنافسة وبناء المؤسسات الشفافة والصلبة.
تبقى الأوضاع خطيرة في العراق وفلسطين وتنعكس سلبا على الاستقرار في لبنان. تنعكس الأوضاع السياسية سلبا على الاستثمارات الداخلية والخارجية المباشرة في كافة قطاعات الاقتصاد. يضاف إليها ضعف ثقة اللبناني في مؤسسات الدولة العامة وبالتالي يقلق على مصيره ومستقبله. لا يمكن للحكومة اللبنانية في وضعها الحالي والظروف الوطنية الحالية أن تصر على انعقاد مؤتمر باريس 3 في موعده المقرر في آخر كانون الثاني من السنة المقبلة. لا بد من التأجيل الى ظروف فضلى، نقترح أن تكون في بداية العهد الجديد مع حكومة جديدة. أما كيف نمول حاجاتنا المالية في المرحلة الانتقالية، فنحن لا نشك أبدا في قدرة ورغبة الدول العربية الخليجية على مساعدة لبنان في عبور هذا الجسر بأقل تكلفة ممكنة.
عبر التظاهر والاعتصام والإضراب، يمر الاقتصاد اللبناني في فترة حرجة جدا تؤثر سلبا على نموه ونسيجه الاجتماعي الدقيق. فاللجوء إلى الشارع مضر في واقعه ونتائجه، إذ أن خسارة أحد الفريقين حتى السياسية هي خسارة للبنان، كذلك انتصار ساحق لأحدهما هو أيضا خسارة للجميع، لا يمكن للبنان أن يزدهر على المدى الطويل إلا ضمن نظام ديموقراطي تتنافس فيه عقائد وتحالفات وتوجهات متنوعة ومختلفة، لذا من الضروري أن يبقى الفريقان أقوياء ويتنافسان في السياسة والانتخابات وليس في العنف والشارع، المهم أن لا تحصل، عبر الاعتصام، اعتداءات على الأملاك الخاصة كما جرى منذ أشهر. لا يمكن لأحد أن يضبط الشارع 100%، خاصة وأن المخربين ينجحون عموما في الوصول إلى أهدافهم في ظروف سياسية وأمنية متشنجة كالتي نعيش فيها.
تحتاج مؤسساتنا وعمالنا وشركاتنا إلى المزيد من العمل وليس إلى المزيد من العطل والتوقف، تحتاج مؤسساتنا إلى رفع إنتاجية أعمالها، وهذا يتطلب الكثير من الجهد والأفكار المتجددة الخلاقة. زادت الإنتاجية في الولايات المتحدة منذ التسعينات بينما تدنت في أوروبا بسبب العطل والإضرابات وأسبوع العمل القصير، تميزت أميركا بأسواق العمل المحررة من قيود التوظيف والطرد كما بسبب المنافسة القطاعية القوية وغير المقيدة اصطناعيا كما هو الحال في أوروبا. تتميز الأسواق المالية الأميركية بعمقها الكبير وبالتالي في استفادة الشركات الصغرى والمتوسطة من فرص التمويل الكبيرة داخلها. يذكرنا موضوع الإنتاجية بأفكار الاقتصادي الفرنسي جان باتيست ساي Say (1767 – 1832) الذي اكتشف منذ زمن أن ارتفاع الإنتاجية يؤثر إيجابا على الاستهلاك والاستثمار وبالتالي على الإنتاجية مجددا. فالإنتاجية هي حلقة فضلى تغذي نفسها وتحسن الأوضاع الاقتصادية وترفع مستوى الرفاهية الاجتماعية. من تأثيرات رفع الإنتاجية الاقتصادية انخفاض التضخم واستقرار الاقتصاد الحقيقي مما يسبب انخفاضا في الفوائد الحقيقية، ما يميز أميركا أيضا هو تقدير المجتمع للنجاح والناجحين بينما يجري العكس في المجتمعات الأوروبية والنامية بينها لبنان.
أخطأت الحكومة اللبنانية في أمور عدة سمحت بتحرك وتوسع المعارضة، لا يمكن مثلا فهم الأسباب التي حالت حتى اليوم دون إقرار قانون انتخابي جديد، لا شك أن الاقتراح المقدم من اللجنة المتخصصة هو جيد ويستحق الدرس. فلماذا لم تتم مناقشته بعد؟ أسهل الحلول هو العودة إلى القضاء في كل لبنان بحيث تجري الانتخابات المقبلة على أساسه. لا مانع أيضا من تجربة الدائرة الفردية التي تعتمد في أعرق الديموقراطيات الأوروبية والأميركية. المطلوب من الحكومة بعد الاعتصامات الحالية أن تحزم أمرها وترسل في أسرع وقت إلى المجلس النيابي مشروع قانون للانتخابات النيابية المقبلة. أما الموضوع الآخر المرتبط أكثر بالاقتصاد فهو التأخر في إقرار الموازنات والذي لا يمكن تبريره، فموازنة 2005 أقرت على عجل، بينما موازنة 2006 لم تبحث بعد ولا نعلم شيئا عن موازنة 2007، لا شك أن الحكومة مقصرة أيضا في أمور اجتماعية أخرى مما جعلها مكشوفة كليا أمام المعارضة.
يتطور العالم أجمع بينما يغرق لبنان في مشاكله العميقة التي لن تجد حلا لها إلا عبر الحوار الحقيقي، مشكلة جلسات الحوار والتشاور السابقة أنها لم تعط أية نتائج ملموسة، بل بقيت توصياتها حبرا على ورق خاصة فيما يتعلق بالعلاقات مع سوريا في السياسة والجغرافيا، ما يجري في لبنان منذ أسابيع في السياسة والاقتصاد خطير ويساهم في تدمير المؤسسات ويؤثر على العلاقات الإنسانية داخله. فالأضرار ليست فقط مادية وإنما نفسية وتؤثر على المستقبل السكاني والسياسي والاقتصادي للبنان، لذا من الضروري، خاصة في هذه الظروف، أن تكون القرارات المتخذة على جميع المستويات وفي المعارضة والموالاة مدروسة وصحيحة كي لا تعمق المشاكل التي تقلقنا.
يتراجع لبنان في النمو والسياسة والرفاهية الاجتماعية، تراجعنا كمجتمع أيضا بسبب تأخر الإصلاحات الإدارية والقانونية. الوقت يهدر ولا من يحاسب نيابيا، لذا تفاقمت الأمور ليس فقط بسبب حساسية موضوع المحكمة الدولية وإنما بسبب فشل الحكومة في إعطاء الأداء المطلوب شعبيا. من ناحية المعارضة، من الضروري أيضا أن تكون مطالبها معقولة إذ من غير المنطقي أن تطالب بالثلث المعطل بينما يشغل حلفاؤها مركزي رئاسة الجمهورية ورئاسة المجلس النيابي، إعطاء الثلث المعطل للمعارضة هو عمليا إلغاء الأكثرية النيابية وبالتالي اعتبار الانتخابات كأنها لم تحصل. لا يمكن إيجاد الحلول المقبولة إلا عبر مجموعة من الحلول Package Deal تقضي بانتخاب رئيس جمهورية جديد وتعيين حكومة جديدة ضمنها ثلث معطل، وثم الشروع في انتخابات نيابية مبكرة على أساس قانون جديد منطقي. فهل من يسمع؟