الفساد وأبعاده الاقتصادية والاجتماعية
بقلم: الدكتور لويس حبيقة/باحث ومحلل اقتصادي من لبنان
بالرغم
من الاعتصام الشعبي في وسط بيروت والمناطق والكباش السياسي الحاد الجاري بين
الموالاة والمعارضة، لا بد وأن نعي جميعا أن مشاكل لبنان الاجتماعية والاقتصادية
والإدارية المزمنة تبقى على حالها إن لم تزد سوأ. ما يجري اليوم، بالرغم من أهميته،
يؤخر الحلول ويضيع الوقت ويجعلها مكلفة أكثر في المستقبل، ما نزرعه اليوم تحصده
الأجيال المقبلة، لبنان ليس الدولة الناشئة الوحيدة التي تعاني من فساد مستشر في كل
زوايا الإدارة والمؤسسات العامة، يشكل الفساد تكلفة إضافية مباشرة لكل عمليات
التبادل والعقود بين القطاعين العام والخاص وحتى فيما بين الشركات الخاصة، يسيء
الفساد إلى المناخ العام وبالتالي يعيق تدفق الاستثمارات إلى الاقتصاد ويؤخر النمو
والتنمية. في المجتمعات التي يرتفع فيها الفساد، يزيد في نفس الوقت استهلاك
المخدرات والكحول والدخان بحيث تتأثر صحة المواطن سلبا.
تشير الإحصائيات إلى أن نسبة الاستثمارات في كولومبيا هي 38% أقل مما يمكن أن تكون عليه لو بقيت نسبة الجرائم كما كانت في سنة 1970. تشير دراسات البنك الدولي أيضا إلى أن دولة البيرو خسرت حوالي 25 مليار دولار من إنتاجها بسبب العمليات الإرهابية والأمنية المتنوعة التي حصلت داخلها، عموما يترافق الفساد مع ازدياد في الحروب الداخلية والخارجية والعنف، كما في الجرائم الإنسانية والمادية أي القتل والتعدي على الإنسان كما السرقات والتخريب والتدمير والإرهاب. يسيء الفساد المستشري إلى نوعية الرأس المال الإنساني، أي إلى الصحة والتعليم والتغذية بحيث تصبح كل الخدمات العامة غير فاعلة أو ذات نوعية متدنية. تزيد معدلات البطالة وينخفض الدخل الوطني ويسؤ توزعه، فتكبر السجون وينتشر الفقر وتغيب العدالة الاجتماعية، تغيب المؤسسات العامة القوية وخاصة القضائية والأمنية كما تخرق القوانين. ينفق قسم كبير من الإيرادات العامة على الشرطة لمحاولة ضبط المخالفين والقبض على المجرمين.
هنالك مؤشرات عدة تسمح بتقييم حجم وامتداد الفساد إلا أنها تبقى جميعها مقصرة في الدقة والتفاصيل. فالدول التي يتعزز فيها اقتصاد الظل، الشرعي وغير الشرعي، تعطي فرصا للفساد كي ينتشر. يتراوح معدل حجم اقتصاد الظل من الناتج المحلي الإجمالي الرسمي تبعا لإحصائيات البنك الدولي بين 41% في أفريقيا (بينها 59% في زمبابوي، 58% في كل من تنزانيا ونيجيريا) و29% في أسيا (بينها 35% في بنغلادش، 34% في لبنان، 13% في الصين، 19% في كل من ايران وسوريا) و38% في الدول المنتقلة إلى الاقتصاد الحر (بينها 46% في أرمينيا، 60% في ازربيجيان، 27% في سلوفينيا، 25% في المجر) و41% في أميركا اللاتينية (بينها 67% في بوليفيا، 40% في البرازيل، 30% في المكسيك، 26% في كوستاريكا، 25% في الأرجنتين) و 18% في أوروبا الغربية (بينها 28% في اليونان، 22% في كل من اسبانيا والبرتغال، 17% في ألمانيا، 15% في فرنسا) و8,6% في الولايات المتحدة و15% في كندا.
4,9% من الوفيات في الولايات المتحدة، وأكثر بكثير في روسيا وأوروبا الوسطى، مرتبطة بشكل أو آخر بالإدمان على الكحول (بعد التدخين وأكثر من المخدرات). قال الاقتصادي الأميركي الشهير "ارفينغ فيشر" (1867 – 1947) منذ زمن أن الإدمان على الكحول يبطئ تحرك الإنسان ويضعف إنتاجيته، لذا اقترح منع السلعة في أميركا نفسها. في رأيه، يؤدي المنع إلى زيادة الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 5%. في الدول التي لا تتوافر فيها المياه العذبة أي بعض النامية والناشئة، يلجأ المواطنون قسرا إلى الكحول كبديل. فللإدمان على استهلاك الدخان والمخدرات والكحول مساوئ كبرى تؤدي في بعض الأحيان إلى الإعاقة الجسدية أو الفكرية أو حتى إلى الموت عبر أمراض القلب والسرطان أو غيرها. للإدمان على هذه السلع أيضا نتائج اجتماعية وخيمة، أي تزيد الجرائم وتنخفض الإنتاجية. يهتم الاقتصاديون بموضوع الإدمان لتأثيره الكبير على خيارات المواطن وخاصة الشباب، وبالتالي على سلة الاستهلاك التي يعتمدونها. يهتمون به أيضا بسبب التكلفة الكبيرة التي تنتج عنه خاصة في الصحة والاستشفاء والعناية النفسية والجسدية المتخصصة.
إذا قارنا إحصائيات فترة 1989-1990 بفترة 2002-2003، نرى أن حجم اقتصاد الظل كبر في جميع الدول الصناعية ال 21 الأعضاء من منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أي من 13,2% إلى 16,4%. في الولايات المتحدة مثلا، ارتفع من 6,7% إلى 8,6%، وفي فرنسا من 9% إلى 14,8% كما في الدانمارك من 10,8% إلى 17,5%. يعود هذا الارتفاع إلى انتشار أسواق الممنوعات من خدمات جنسية (تشكل بين 2 و 14% من الناتج في بعض الدول الأسيوية) ومخدرات وتبييض أموال كما الرغبة في التهرب من الضرائب المرتفعة على الدخل والأرباح. في الواقع لا يمكن القضاء على الفساد عبر القوانين فقط، إذ له ثقافته التي تمتد إلى كل نواحي المجتمع والمؤسسات، للنجاح في محاربة الفساد، لا بد من معالجة المواضيع التالية:
أولا: رفع مستويات التعليم وتعميمه على كل المناطق والسكان، هنالك علاقة سلبية مباشرة ومؤكدة بين معدل عدد سنوات التعليم وعدد الجرائم المرتكبة في كل الدول. للتعليم فوائد كبرى أخرى وهي انعكاسه على الإنتاجية والرفاهة الاجتماعية بشكل عام.
ثانيا: العقاب الذي يجب أن يكون قاسيا ورادعا، يقول الاقتصادي "غاري بيكير" الذي حاز على جائزة نوبل للاقتصاد لسنة 1992 إن عدد الجرائم يقل عندما يعرف المجرم أو المرتكب مسبقا أن إمكانية اكتشاف عمله كبيرة وأن العقاب سيكون صارما وقاسيا، غياب هذا العامل هو أحد الأسباب المهمة للاغتيالات ومحاولات الاغتيالات التي حصلت في لبنان منذ سنة 1994، هنا تكمن ضرورة تقوية المؤسسات الأمنية والقضائية التي تسمح باكتشاف المجرمين ومعاقبتهم، يدخل هذا الموضوع في إطار الموازنة بحيث يقرر المجتمع عبر مؤسساته العامة حجم الأموال التي يرغب بإنفاقها على هذه الخدمات.
ثالثا: تحسين توزع الدخل ورفع مستواه في نفس الوقت عبر سياسات اقتصادية ومالية واجتماعية مناسبة، تشير الإحصائيات إلى علاقة سلبية قوية بين عامل الدخل وتوزعه من ناحية وعدد الجرائم المرتكبة من ناحية أخرى. تحسين توزع الدخل يعني تخفيف عدد الفقراء والبؤساء مما ينعكس إيجابا على المناخ العام وبالتالي على الإجرام.
رابعا: معالجة الطلب عبر ضرائب مرتفعة على الكحول والدخان بحيث تنفق على معالجة المدمنين وتقوية الأجهزة الأمنية المتخصصة، تصل قيمة هذه الضرائب إلى 13% من مجموع إيرادات الموازنة الروسية. رفع الضرائب على هذه السلع يؤدي إلى زيادة الإيرادات المالية، تقريبا بالنسبة نفسها، بسبب الإدمان.
خامسا: معالجة العرض أي تحسين مواصفات السلع المنتجة أو المستوردة بحيث تصبح، للذين يصرون على استهلاكها، أقل ضررا. يمكن للحكومات في الدول المختلفة أن تشجع المنتجين على استبدال سلعهم بأخرى أكثر جدوى للاقتصاد العام.
سادسا: تسهيل المعاملات وتبسيطها بحيث تضيق فرص الارتشاء والإفساد، من الممكن مثلا تطبيق تعريفة جمركية واحدة على كل السلع المستوردة، وهذا ما فعلته بوليفيا والتشيلي والمكسيك لمحاربة الفساد والرشوة، وجود تعريفات مختلفة يسمح لبعض موظفي الجمارك بابتزاز المستوردين عبر إدخال سلعهم ضمن مجموعة بدل أخرى، الخاسر هي الدولة إذ تنخفض الإيرادات، كما الاقتصاد إذ تنخفض الواردات هربا من الرشوة والابتزاز. لا يمكن اعتبار هذا الحل الأفضل من ناحية الإيرادات التي تزيد مع تعريفات مختلفة تبعا لحجم الاستيراد ومرونة الطلب.