بيروت.. المشروع والمشروع البديل
حياة الحويك عطية/كاتبة وباحثة من الأردن
شيء
ما يدق باب رحم التغيير على الساحة التي كانت تبدو حتى الأمس الأكثر طائفية في
العالم العربي: فيوم الأحد الفائت كان طرفا التظاهر اللبناني يحتفلان بالقداس
المسيحي في مزايدة واضحة لا تنفصل بالطبع عن معركة رئاسة الجمهورية، وقبلها كان
المفتي القباني يدلي بصوته يوم الجمعة لصالح قوى الحكومة بعد أن سبقه البطريرك
صفير، فيما فضل السيد البقاء بعيدا عن الأضواء بعد أن وجه نداءه للتظاهر، ليكون هو
الغائب الحاضر بامتياز، لكن ذلك كله لم يأت هذه المرة ليكرس المحاصصة أو النزاع
الطائفيين كما في الماضي بل ليهز عرشهما، وليكرس بالمقابل النزاع السياسي بامتياز
بين مشروعين لا يعنيان لبنان فحسب بل المنطقة كلها، ومن ثم العالم: "المشروع
الأميركي لإقامة الشرق الأوسط الجديد"، كما قالت بوضوح وزيرة الخارجية الأميركية في
بيروت خلال العدوان "الاسرائيلي"، ومشروع المقاومة الوطنية لهذا المشروع.
وبما أنه ليس من الممكن أن تقول لا لمشروع دون أن تطرح البديل: فأن المقاومات تجد نفسها في موقع الاضطرار لطرح المشروع البديل، وهنا تكمن العقدة المفصلية فيما يمكن أن يتمخض عنه صراع تاريخي بهذا الحجم على صيغة المستقبل اللبناني والعربي، من جهة، وعلى مستقبل الإمبراطورية الأميركية ومن حولها من جهة أخرى، في المنطقة ومن ثم في العالم.
نبدأ من اللبناني، حيث اختارت المعارضة منذ اليوم الأول أن يكون المتحدث باسمها إلى الجماهير شخصا واحدا هو العماد ميشال عون، فيما يفسره المرحليون بأنه إعلان فتح لمعركة الرئاسة. لكنه، وإن كان كذلك، يحمل أبعادا أكبر وأبعد مدى، إذ أنه قد ألغى تشعب التمثيل الطائفي لينطق رجل واحد باسم كل المكونات السياسية للموقف المقاوم الذي ذكرنا، بل وليمضي إلى إعلان رؤية جديدة تشكل المشروع البديل، فلأول مرة يتحدث قائد عن حقوق المواطن التي لا ترتبط بالحقوق الطائفية، والتي يتساوى فيها الجميع.
هذا المبدأ التاريخي الذي كان أهم ما أطلقته الثورة الفرنسية لأنه نقل أوروبا يومها من مرحلة الحروب الدينية إلى مرحلة الصراع الفكري الديمقراطي، القائم على الخيار السياسي المحض والحر، ولأول مرة يخرج إلينا قائد ائتلاف يجمع كل المقاومين على اختلاف شعبهم برفض المحاصصة الطائفية في مواقع إدارة الدولة، ولأول مرة تخرج صحيفة فرنسية بصورة فتاة محجبة تحمل صورة ميشال عون وصورة فتاة سافرة تحمل صورة حسن نصر الله.
ويعلق لي زميلي الفرنسي العارف جيدا بشؤون العالم العربي ضاحكا: "الناس هنا - أي في فرنسا - لم تعد تفهم شيئا، إنهم حائرون فيما يرون، حتى السياسيون منهم"، لتكون عبارته الضاحكة هذه مؤشرا على حدث تاريخي كبير، فقد قلب اللبنانيون الطاولة التي أعد عليها الغرب اللعبة منذ 1845 في لبنان، مع معاهدة الامتيازات الأجنبية.
مئة وواحد وستون سنة عملت فيها أوروبا، ومن ثم أميركا (وضمنهما الصهيونية طبعا) على تقسيم المنطقة طائفيا لشل حركتها كليا عبر عملية التدمير الذاتي الذي يوفر على العدو الكثير، لتأتي خلال ذلك عملية "سايكس بيكو" فتنشىء أيضا تقسيما جغرافيا على أساس خطوط وهمية لقلمين أزرق وأحمر في سوريا الطبيعية، كما جاء إعلان بريطانيا لإنشاء المشيخات الخليجية الميكروسكوبية تقسيما نفطيا للجزيرة العربية لم يتم تصحيحه إلا جزئيا عبر تجربة الإمارات العربية المتحدة وربما مستقبليا عبر تجربة مجلس التعاون.
وإذا كان التقسيم الطائفي التعددي قد استغل لضرب مكونات كيان سوريا الطبيعية، فأن العقل الاستعماري التدميري قد اهتدى إلى تقسيم طائفي جديد يمكن أن يعاد إحياؤه ليشمل - لا سوريا الطبيعية فحسب - بل والعالم الإسلامي كله، ألا وهو التقسيم السني الشيعي. وكما كان لبنان نموذج التقسيم التدميري الأول، فقد جعل العراق وبالقوة نموذج التقسيم التدميري الثاني، لقد فرضت لبننة العراق، ليعرقن العالم العربي كله، ليكون تحقق ذلك بمثابة استجابة إلى ثلاثة متطلبات: متطلب العالم الاستعماري القديم البسيط: "فرق تسد".
متطلب الاستعمار الأميركي الجديد: تفعيل صراع الأديان أساسا لصراع الحضارات لكي تتأمن حاجة الولايات المتحدة الأميركية إلى عدو، فقدته بسقوط الاتحاد السوفييتي. وهو - أي العدو - العنصر الضروري لها للحفاظ على بقائها ومصالحها الإمبراطورية، وفي مقدمة هذه المصالح، المصالح النفطية والجيو - استراتيجية المتمثلة في منطقتنا.
وأخيراً متطلب الاستعمار الاستيطاني الاحلالي "الاسرائيلي" في فلسطين بتكريس المنطق الديني كأساس لهوية الشعوب والدول، مما يحقق هدفين: تبرير منطق "الدولة اليهودية" التي لن تبقى، عندئذ، هجينا عنصريا في منطقة تعددية، وإضعاف كل احتمال تهديد لهذا الكيان الطامح إلى السيطرة على العالم انطلاقا من "اسرائيل" عبر التفسيخ والتقسيم وضرب كل قسم بالآخر.
كل هذا أسس له الفرنسيون والانكليز ويتابعه الأميركيون، ولذا فأن أي منطق يطرح اليوم الوحدة الوطنية الحقيقية على أساس حقوق المواطن لا على أساس محاصصات طائفية، هو منطق يضرب كل المشاريع الاستعمارية في صميمها. هذا في الجانب المبدئي، أما في الجانب السياسي المباشر، فأن المشروع الاستعماري الائتلافي (يجمع أميركا وفرنسا وبريطانيا وبعض الأطراف العربية والإقليمية) هو الذي هدف إلى فك الارتباط اللبناني السوري اعتقادا منه بأن ذلك سيؤدي إلى إضعاف سوريا، والاستفراد بالمقاومة اللبنانية والقضاء عليها ومن ثم إقامة حكم لبناني يأتمر بالسفارة الأميركية في بيروت، ويتعاون سراً ومن ثم علنا مع "اسرائيل"، ليستكمل بذلك طوق ما يسمى بـ"الاعتدال العربي" الذي إن هو بالحقيقة إلا طوق الاستسلام بدون شروط. وقد أصبح هذا المطلب أكثر إلحاحا عندما فشل الاحتلال الأميركي للعراق، لأن هذا الفشل حال دون أن تكون بغداد منطلق المشروع الأميركي، وأصبحت بيروت هي المرشحة لأن تكون منطلق الإنقاذ، فكان العدوان "الاسرائيلي" ومفاجأة الفشل الآخر، لتصبح المحكمة الدولية طريقا لنشر قوات متعددة الجنسيات مما يعوض الفشلين معا. ولأن المشروع الأميركي ليس في أحد وجوهه إلا مشروع اقتصاد السوق بأشرس وجوهه الليبرالية الجديدة، فقد كان من الطبيعي أيضا أن ينضم إلى خدمته حيتان رأس المال من المستغلين والفاسدين. وأن يقف ضده كل المستغلين (بفتح الغين)، بهذا تكون معركة الحكومة اللبنانية معركة كبيرة كبيرة، تتعدى حدودها الظاهرة وتتعدى لبنان، لتحسم نتيجتها واحدا من نجاحين: إما انطلاق رياح المشروع الأميركي-"الاسرائيلي"، وإما انطلاق رياح التغيير للعالم العربي كله.