النتائج العكسية
حياة الحويك عطية/كاتبة وباحثة من الأردن
في
حرب 1992 ضد العراق طلب إلى "اسرائيل" أن تقف على الحياد، حتى وهي تتلقى صواريخ
صدام حسين، وذلك كي لا يؤتي تدخلها نتائج عكسية، كما قيل يومها، وكان من أهم تلك
النتائج عدم استطاعة الدول العربية الدخول إلى جانب الأميركيين في الحرب على
العراق، ونجح التكتيك حيث كسبت "الدولة العبرية" نتيجة الحرب التي خاضها العالم بمن
فيهم العرب، بالنيابة عنها، كما كسبت مديح الجميع لها على ضبط النفس، وكوفئت بتمرير
مشروع ضمانات العشرة مليار دولار.
وفي حرب لبنان السياسية التي تدور الآن يطلب إلى "اسرائيل" أيضا أن تقف على الحياد كي لا تحرج الحكومة اللبنانية وجماعتها من جهة، والدول العربية التي تدعمها، من جهة أخرى، دون أن ننسى أن "اسرائيل" كانت في الحالين قد قامت بواجبها في المعركتين عبر ضرب (اوزيراك) قبل حروب العراق، وعبر تدمير لبنان خلال حرب 12 تموز الفائت، مع فارق الفشل العسكري في المرة الثانية.
وإذا كانت الولايات المتحدة قد ساعدت حلفاءها خلال الفترة القائمة بين الحدثين بطرح دعاوى الديمقراطية والتغيير في العالم العربي، فإن أي عاقل لم يكن يترك هذا الادعاء ينطلي عليه، لسبب بسيط جدا هو أن الولايات المتحدة كانت تدرس في الوقت نفسه سؤال لماذا يكرهوننا؟ مما يجعل حسبة بسيطة تبرهن على أن ديمقراطية حقيقية ستحمل هذه الأكثرية الكارهة لأميركا إلى الحكم، فهل كان لغبي أن يصدق أن واشنطن ستعمل على حلول أنظمة كارهة لها مكان الأنظمة الموالية على العمى؟ لكن ذلك لم يمنع الأغبياء والعملاء والمكبوتين غير الواعين والمنتفعين يستعملون ذلك الطرح لتغطية أنفسهم. لذا كانت مدة صلاحية الشعار قصيرة، خاصة مع الفشل الكبير في العراق، والتأكد من أن المارد سينطلق من قمقمه حيثما ارتفع قليلا الغطاء المحكم، فكان لا بد من بحث عن ساحة أخرى غير العراقية لإطلاق المشروع الأميركي من جديد، بل ولإنقاذه من المأزق العراقي نفسه.
وكانت بيروت المسرح الأفضل، لعدة أسباب من أهمها الوجود السوري والارتباط السوري اللبناني، ودارت الصفقة في الخارج: نساعدكم على إخراج السوريين من لبنان مقابل أن تساعدونا على نزع سلاح المقاومة، معادلة ترجمت بالقرار 1559، ولكي تكون المساعدة حاسمة، رتب الحدث الجلل: اغتيال رفيق الحريري، مما يحقق عشرات الأهداف معاً، وفي مقدمتها استثارة السنة وضمهم إلى المعسكر المسيحي، وترتيب خلافة الرئيس الشهيد بما يؤمن الإفادة من ثروته الهائلة كما من قميصه الملطخ، عثمانيا، لصالح الاصطفاف المرتبط بالغرب وبـ"اسرائيل"، فيما كان يعني عزل خط المقاومة بمكونها الرئيسي: "حزب الله"، ومن معه من أحزاب قومية ووطنية ويسارية.
للوهلة الأولى نجح المخطط وخرج السوريون (ولا بد من الاعتراف بأخطاء سياستهم في لبنان التي سهلت الاصطفاف ضدهم) وكانت تظاهرة "14 آذار" التي شكل (التيار الوطني الحر) جمهورا أساسيا فيها، إلى هنا واختلف الأمر، وكانت المفاجأة: فاللبنانيون الذين أرادوا خروج سوريا ليسوا كلهم بدون كرامة وطنية، وكثيرون منهم يعون ما يقولون عند الحديث عن السيادة. أي لا يقبلون بأن تأتي قوة أعتى وغريبة كليا وتتحكم بهم. كما أنهم لا يقبلون أن يكونوا أذنابا لأميركا أو عملاء "لاسرائيل".
إذن فلن يتحقق مطلب نزع سلاح المقاومة بالسهولة التي يتصور الآخرون، وهنا كان على "اسرائيل" أن تفعل ذلك بنفسها: فكانت مفاجأة الفشل الثانية. الفشل الذي تمثل بفرعين: الهزيمة العسكرية، وعدم استطاعة المصطفين إلى جانب الهدف "الاسرائيلي" من إظهار حقيقة موقفهم، وفي مقدمة هؤلاء الحكومة اللبنانية ومن وراءها وبعض الدول العربية المعروفة.
من هنا كانت الحلقة الثانية التي مهد لها باستقدام القوات الدولية ومن ثم بعدد من الاغتيالات، هي التحرك السياسي باتجاه "المحكمة الدولية"، بصيغة تؤدي إلى احتلال لبنان بقوات متعددة الجنسيات. هنا اتضح الفرز الذي كان متخفيا خلال فترة الحرب، محور أميركي - أوروبي – "اسرائيلي" تلتحق به بعض الدول العربية والحكومة اللبنانية ومؤيديها، ومحور مقاوم لهذا الخط يضم جميع أطياف الشعب اللبناني، بحيث يقدم أيضا مفاجأة تخربط اللعبة التي أريد منها أن يعطى الاصطفاف طابع صراع "سني-شيعي"، (في حين يقف المسيحيون في الصف الأول) وذلك لأن المحور الأميركي في العالم العربي بحاجة إلى غطاء أيديولوجي يستنفر العواطف العربية إذ يقول أنه محاولة تصدي "سني للخطر الشيعي المدعوم من ايران". ولا بأس عندها لهذه المحاولة إذا نفذت مخططا أميركيا وحتى إذا تعاونت مع "اسرائيل"!، ولتحقيق هذا يراد "لاسرائيل" أن تظل على الحياد. لكن أي حياد؟ إنه الحياد الذي وصفه أولمرت بأنه "استنفار جميع الأجهزة "الاسرائيلية" للعمل على الموضوع اللبناني منعا لسقوط لبنان في اليد السورية الايرانية"، وذلك بزيادة تأييد حكومة السنيورة حتى ولو اضطر ذلك "اسرائيل" لإعادة قرية الغجر (وهذا ما كان سيعود حكما) ولتحريك مسألة شبعا. في الوقت الذي لن تكون فيه الأجهزة التي ذكرها اولمرت بعيدة عن محاولات تفجير الوضع الأمني في بيروت.