الدور الإيراني في العراق
مقدمات ونتائج
بقلم المحامي حسن بيان - لبنان
بعد وقوع العراق تحت الاحتلال الأميركي المباشر، انصب الاهتمام الإعلامي على الدور الأميركي والنتائج التي ترتبت على هذا الدور، ولم تكن أدوار القوى الأخرى، داخلية أو عربية أو إقليمية أو دولية، تنشد إليها الأنظار كما أنشدت إلى الدور الأميركي كقوة احتلال مباشرة.
هذا التظهير السياسي والإعلامي للدور الأميركي، لعب دوراً بارزاً في التعتيم أو التخفيف من ظهور تأثيرات ادوار أخرى خاصة تلك التي لعبت وتلعب دوراَ شديد السلبية على معطى الوضع في العراق، من بين هذه الأدوار يبرز الدور الإيراني كواحد من الأدوار الذي تظلل بالاحتلال لفترة طويلة إلى أن بدأ يظهر حجم المأزق الفعلي الذي تواجهه إدارة الاحتلال يعد ما يقارب أربع سنوات على غزو العراق.
إن تسلط الضوء على الدور الإيراني في العراق يرتقي من حيث الأهمية إلى مستوى تسليط الضوء على الدور الأميركي، لأن هذين الدورين وأن بديا متعارضين في الظاهر إلا أنهما متلاقيين في الباطن، وهذا التلاقي لم يكن وليد الساعة، وليس وليد ارتفاع مستوى السجال السياسي بين أميركا والنظام الإيراني حول الملف النووي.
إن مقدمات التلاقي، حتى لا نسميه التقاطع كما يحلو للبعض أن يسميه تعود لفترة ما قبل الإعداد لمرحلة الحرب الأخيرة على العراق والتي أدت إلى وقوعه تحت الاحتلال.
لقد بدأ التفاهم والتنسيق الأميركي والإيراني حول الملف العراقي واضحاً للعيان بعد أن وضعت الحرب العراقية –الإيرانية أوزارها، وخرج بها العراق أكثر اقتداراً على المستويات السياسية والعسكرية والتسليحية.
إن أميركا التي رأت في العراق القوي المقتدر، تهديداً لما تعتبره مصالح حيوية في المنطقة، وتهديداً جدياً وفعلياً لأمن الكيان الصهيوني، لم يرحها هذا الوضع الجديد الذي اكتسبه العراق ولهذا بدأت تعد الخطط لمحاصرة العراق وانجازاته وإجهاض كل النتائج السياسية والعسكرية التي أسفرت عنها سياقات المواجهة على مدى ثماني سنوات.
والنظام الإيراني، الذي أطال أمد الحرب، ظناً منه انه إطالة الحرب ستدفع العراق للانهيار العسكري والسياسي، وقع في سوء التقدير، ولم ينس للعراق ما فعله به من صد وإجهاض كل خططه ومشاريعه التي قدمها تحت عنوان "تصدير الثورة" كشعار براق يخفي وراءه الهدف الحقيقي ألا وهو استعادة المجد الغابر للإمبراطورية الفارسية.
إن النظام الإيراني الذي استلم السلطة في أواخر السبعينات، لم يرحه على الإطلاق أن يرى على حدوده الغربية نظاماً عربياً قوياً قادراً أن يجعل من قطر عربي واحد عنصر توازن في معادلة النظام الإقليمي المحيط بالمنطقة العربية، وذلك لأسباب أبرزها أن إيران وعلى اختلاف نظمها السياسية، تطمح دوماً لدور إقليمي يتجاوز الحدود الوطنية لإيران، ولم تكن تخفي نواياها بأن مجالها الحيوي هو منطقة الخليج العربي والجزيرة العربية، وصولاً إلى شواطىء المتوسط، وأن بوابة العبور لهذا المجال الحيوي هو العراق.
وإيران التي أدخلت عنصراً جديداً على أجندتها حيال العراق بعد وصول النظام الجديد إلى السلطة والمتمثل بموقع الحوزة ومرجعيتها، أصبح لمشروعها الخاص نحو العراق بعدان، بعدٌ سياسي وبعدٌ مرجعي ديني.
في البعد السياسي، لا تريد إيران أن يقوم نظام قوي وكيان متماسك على حدودها العربية، وعلى الصعيد المرجعي لا تريد لمرجعية حوزة النجف ولاية فقهية وشرعية على الامتداد الشيعي على النطاق العالمي، ولهذا ومنذ تبوأ الخميني الموقع الأول في هرمية التأثير السياسي في إيران، أراد أن يوظف هذا التأثير السياسي على تراتبية مرجعية الحوزة التي تتخذ من النجف مقراً.
وفي ظل الخلاف بين المرجعية الايرانية ومرجعية النجف الأشرف حول كثير من القضايا الفقهية وخاصة "ولاية الفقيه"، وضع النظام الإيراني لنفسه ولمرجعيته السياسية والدينية مهمة عاجلة، هو اقتناص الفرص للانقضاض على العراق تمهيداً لإعادة صياغة أوضاعه السياسية واحتواء "مرجعية الحوزة" بما يخدم أهدافه القديمة التي أعادت إنتاج نفسها ولكن هذه المرة بلباس ديني.
وعلى هذا الأساس، لم يفوت النظام الإيراني فرصة لتنفيذ أهدافه حيال العراق، وكانت أولى الفرص التي حاولت اقتناصها، هي مرحلة انشغال العراق في مواجهة العدوان الثلاثيني، إذ في الوقت الذي كان فيه العراق منشداً بكل إمكانياته لمواجهة الحشد العسكري الذي قادته أميركا في حرب 1991، كان النظام الإيراني يضخ إلى الداخل العراق، المجموعات التي احتواها طيلة حرب الثماني سنوات وعمل على تدريبها وتسليحها، لأجل القيام بأعمال التخريب وضعضعة الجبهة الداخلية، وقد تبين من خلال سياقات المواجهة التي دارت في العديد من مناطق العراق، إن أعمال التخريب الايراني، لم تقتصر على القتل والاغتيال وتخريب المرافق العامة وحسب بل طالت السجلات المدنية حيث وصلت يد التخريب لقوى الغوغاء وعملاء النظام الإيراني.
بعد التصدي لأعمال الغوغاء وقوى التخريب لم يستكن، النظام الإيراني، بل استمر يعمل لاقتناص فرصة أخرى سانحة، وقد وجد فرصته في التحضيرات التي بدأتها أميركا في مرحلة الحرب الثانية على العراق.
قبل أن تندفع القوات الأميركية كقوة اندفاع أساسية داخل الأراضي العراقية في آذار 2003، كان التنسيق السياسي الأميركي- الإيراني في أعلى مراحله، والشاهد على ذلك المؤتمر الذي عقد في طهران كانون الأول 2002، وكان منسقه الأساسي السفير الأميركي في بغداد خليل زلماي زادة.
ولم يطل الوقت كثيراً حتى تبين أن النظام الإيراني الذي وفر قاعدة خلفية لما سمي بـ"قوة المعارضة العراقية" تولي الجانب غير المنظور من الحرب على العراق التي تولت أميركا جانبها المنظور.
لقد دخلت ما سمي بقوى المعارضة آنذاك إلى العراق على متن الدبابات الأميركية، وفي لحظة كان نظام الاحتلال يواجه تعثراً في الحصول على توفير تغطية شرعية له واعتراف دولي به، كان النظام الإيراني أول دولة تعترف بنظام الاحتلال وترسل سفيراً إلى العراق إيذاناً ببد ء مرحلة جديدة من التعاون والتنسيق الأميركي- الإيراني في العراق.
إن الكلام عن التعاون الأميركي- الإيراني بعد احتلال العراق، كما لمرحلة ما قبل الاحتلال، لا يندرج ضمن (البروباغاندا) الإعلامية، لأن التنسيق بين الطرفين لم يكن مستوراً ولا تم في الكواليس السرية بل كان علنياً من قبل الجانبين وعلانياً وظاهراً في معطيات تقاطع المواقف والممارسات الميدانية.
ففي الأيام الأولى للاحتلال، لم تخف الإدارة الأميركية إشادتها بالدور البناء الذي لعبته إيران أولاً في احتضان حركة القوى السياسية التي صنفت نفسها تحت خانة المعارضة، وثانياً في تقديم كل المساعدة والتسهيلات اللوجستية لعبور القوى والأجهزة المرتبطة بالنظام الإيراني إلى الداخل العراقي وقبل أن يعلن الرئيس الأميركي انتهاء ما سماه العمليات العسكرية في العراق.
هذا في الجانب الأميركي، أما من الجانب الإيراني، فأن الإعلان عن التعاون والتنسيق جاء على لسان المرجعيات السياسية الإيرانية في مراتبها العليا والوسطى، فالرئيس الأسبق خاتمي، ونائبه محمد أبطحي ورئيس هيئة تشخيص النظام هاشمي رفسنجاني أعلنوا أنه لولا الدعم الإيراني لما تمكنت أميركا من غزو العراق وأفغانستان.
إذاً، بإقرار أميركي، هناك إشادة بالدور الإيراني في المساعدة على غزو العراق، وبإقرار رسمي إيراني، أن الدعم الإيراني هو الذي وفر مساعدة لتمكين أميركا من غزو العراق.
هذا الإقرار السياسي المتبادل، يشكل رداً على كل المقولات التي تصنف الموقف الإيراني في خانة الاعتراض على غزو العراق وقبله أفغانستان، وأن ما سجَل على الأرض منذ وقوع العراق تحت الاحتلال، من وقائع ميدانية على الصعد السياسية والأمنية والاقتصادية، يعطي الدليل القاطع على أن الدور الإيراني لم يكن يقل خطورة عن الدور الأميركي، وأن الدورين تكاملا بنتائج ممارستهما واستفادتهما.
أن النظام الإيراني كان أول نظام أجنبي يسجل اعترافاً بالاحتلال وإفرازاته السياسية من خلال الزيارة العاجلة التي قام بها وزير خارجية إيران للعراق بعد فترة وجيزة على وقوعه تحت الاحتلال، وإعادة فتح السفارة الإيرانية وتعيين سفير في بغداد.
هذا الاعتراف الإيراني بالواقع السياسي الجديد حصل يوم كان الحاكم الأميركي هو الذي تختصر به السلطة التنفيذية والتشريعية ويشرف على إدارة الحركة السياسية الداخلية ويضبط إيقاعها بما يخدم الأهداف الأميركية، أما لجهة التدخل الإيراني المباشر بالشأن العراقي فأنه وإن لم يبرز في الواجهة الإعلامية كما الدور الأميركي إلا أنه كان حاضراً من خلال أربع أقنية:
القناة الأولى: من خلال القوى التي تشكلت بإشراف أجهزة النظام الإيراني كما هي حال ما يسمى بـ"المجلس الأعلى للثورة الإسلامية" والتي كانت الإدارة السياسية الفوقية للميليشيا التي أطلق عليها اسم "فيلق بدر"، وأيضاً التشكيلات ذات التركيب البنيوي الديني، كما هي حال "حزب الدعوة" إضافة إلى تشكيلات أخرى لم ترتق في مستوى حضورها الإعلامي إلى مستوى الطرفين الآخرين "فيلق بدر" و"حزب الدعوة".
هذه القوى ومنذ اللحظة الأولى، لتشكيل إدارة سياسية محلية في العراق، أولاً بالاستناد إلى قرار الحاكم الأميركي، وثانياً بالاستناد إلى ما أفرزته العملية الانتخابية الأولى والثانية، تتلاقى في منهجها السياسي مع الأهداف الإيرانية والتي يعبر عنها بشكل واضح في مشروع التقسيم الواقعي للعراق تحت شعار الفدرالية.
فالفيدرالية للعراق وبالشكل الذي وردت في نص الدستور الذي أقرته "الجمعية الوطنية" التي أفرزتها "العملية الانتخابية"، هي إسقاط لوحدة الكيان العراقي، وإعادة تكوين واقعه السياسي على ضوء التوزع الطائفي والعرقي وهذا هدف إيراني قديم-جديد، ولا يمكن لأي عراقي يتمتع بصدقية الولاء الوطني أن يكون مع هكذا مشروع هادف إلى تقسيم العراق.
وأنه من باب المفارقة أن هذه القوى تدعو لتقسيم العراق تحت عنوان الفدرالية، تقدم نفسها على أنها تشكل أكثرية سياسية في خارطة القوى السياسية، وأنها تمثل الأكثرية العددية في توزع شعب العراق على أساس الانتماء الديني والمذهبي.
إن المفارقة أن هذه القوى التي تعتبر نفسها تشكل أكثرية عددية، تطرح التقسيم على أساس التوزع الطائفي والعرقي لشعب العراق، ومنطق الأمور لا بل بديهياته الأولية بقول أن من يعتبر نفسه يمثل أكثرية، هو أن يكون ضد هذا التقسيم أياً كانت تشخيصاته أو تجسيداته لأن من يتاح له أن يحكم بلداً بكليته، إذا كان فعلاً يشكل أكثرية سياسية أو يمثل أكثرية عددية في التعداد السكاني، ما هي مصلحته أن يحصر سلطته على إقليم أو أكثر من الأقاليم التي يراد إقامتها كمكونات سياسية في العراق؟
لو كانت هذه القوى مقنعة فعلاً أو أن الواقع الفعلي يؤكد أنها تمثل أكثرية سياسية، وكانت وطنية في ولائها الوطني، لما كانت تطرح وتعمل لتمرير مشروع تقسيم العراق تحت عنوان الفدرالية لأن من مصلحتها أن تحكم العراق كله وليس بعضه، وأما وأن الأمر غير ذلك، لأن هذه الصورة في تظهير ما يعتبر أكثرية كان بسبب معطيات الاحتلال، وأن الطروحات السياسية الداخلية لهذه القوى سواء لجهة الصيغ المطروحة لإعادة تركيب المكون العراقي أو لجهة لإدارة السياسة للسلطة القائمة، تعكس أولوية الإيرانية لوضع العراق، والتي تحاول اقتناص فرصة الاحتلال، لصياغة نظام دستوري جديد يستجيب لمصلحة النظام الإيراني ورؤيته الاستراتيجية حيال العراق.
على هذا الأساس، بجد النظام الإيراني في القوى السياسية التي تتولى إدارة السلطة بإشراف قوى الاحتلال، فرصة لتمرير خططه ومشاريعه وجعلها ثابتاً في النص الدستوري، وواقعاً مفروضاً على الأرض.
أما القناة الثانية، التي يستند إليها النظام الإيراني، لتحقيق أهداف مشروعه في العراق هي الميليشيات التي وإن كانت تتلقى أمرتها السياسية ظاهرياً من إدارة السلطة السياسية، فأنها بحكم مراحل تكوينها هي مرتبطة بالأجهزة المخابراتية الإيرانية، وأن هذه الميليشيات "شرّع" وضعها من خلال إدخالها في أجهزة السلطة الأمنية، وخاصة وزارة الداخلية وبهذا الإدخال وإضفاء صفة "الشرعية" عليها، تتولى هذه الميليشيات تنفيذ المهمات الأمنية باعتبارها أدوات شرعية ويمكنها من خلال هذه اليافطة، أن تصل إلى حيث تريد وتنفذ ما تريد باعتبارها أداة للسلطة الشرعية، وقد ثبت أن "أجهزة وزارة الداخلية"، كانت تتصرف باعتبارها ميليشيات محسوبة على جهة سياسية، وليس كونها جهازاً أمنياً يتولى الأمن لفرض النظام ولحماية امن الناس ومرافقهم بعيداً عن الأهواء والولاءات السياسية التي تتحكم بها.
ولهذا فأن الأعمال الأمنية التي ولدت اثارات مذهبية، بفعل أو برد فعل كانت تقف وراءها هذه الميليشيات التي تشكل العصب الأساسي للأجهزة الأمنية لسلطة الإدارة السياسية القائمة.
وبالدور الذي أدته وتؤديه هذه الميليشيات المنضوية في أجهزة السلطة توفرت مناخات مؤاتية للقوى السياسية التي تتولى مواقع المسؤولية في هزيمة السلطة القائمة لتبرير مواقعها المتماهية مع الرؤية الإيرانية.
أما القناة الثالثة التي يعمل بها من خلالها النظام الإيراني لخلق وقائع سياسية وميدانية تؤدي وظيفتها في خدمة المشروع الإيراني، فهي الميليشيات غير "الرسمية" التي ترفع شعارات الممانعة للاحتلال الأميركي، وتقوم بأعمال ذات اثارات مذهبية طائفية كما هي ميليشيا مقتدى الصدر، والنظام الإيراني من خلال توجيه سلوك هذه الميليشيات يعتقد أنه يصيب عصفورين بحجر واحد.
الأول هو المساهمة في زيادة التعقيدات الداخلية العراقية وخاصة على مستوى العلاقات المجتمعية، إذ أنه كلما ازداد الشرخ بين السكان على أساس مذهبي وطائفي كلما وجد النظام الإيراني أنه صار أكثر اقتراباً من تحقيق أهدافه في العراق، والثاني، هو في توظيف هذه الورقة في المشاكسة على الأميركيين لدفع الإدارة الأميركية لأن تتعامل مع النظام الإيراني بأنه شريك أساسي في صياغة أوضاع العراق السياسية، وليس مجرد طرف تقاطعت مصالحه مع الاحتلال.
هذه القنوات الثلاث التي يعمل من خلالها النظام الإيراني والتي هي قنوات تضخ عبرها المواقف والإيحاءات لهذه الواجهات، لتؤدي وظيفتها كما هو مرسوم لها,ليست هي حصرية في أشكال التدخل الإيراني في الأمن العراقي، لأن هذه هي صيغ يمكن اعتبارها صيغ لحضور غير المباشر.
أما صيغ الحضور المباشر والذي يندرج ضمن القناة الرابعة، فهي ذات وجهين:
الوجه الأول، هو في ضخ مئات الألوف من الإيرانيين وأرقام أولية تقول أن العدد وصل إلى مليونين، وتسجيل هؤلاء في قيود الأحوال المدنية العراقية باعتبارهم عراقيين يعني أنهم سيصبحون عراقيين مكتملي الأهلية القانونية لممارسة كافة الحقوق السياسية والمدنية في العراق.
الوجه الثاني، هي النشاط المخابراتي الإيراني الخاص ,والذي يعمل ضمن منظومة شبكة خاصة به، وهذا الجهاز الذي كان وراء الكثير من أعمال التخريب والقتل مركزاً يشكل أساسي على تصفية الكادر العسكري العالي التقنية، وأن مئات الضباط العراقيين وخاصة من كان يعمل في سلاح الجو والقوة الصاروخية قد جرت تصفيتهم على أيدي أجهزة المخابرات الإيرانية، وحيث كان "الموساد" الصهيوني يتولى ملاحقة وتصفية العلماء وخبراء التصنيع العسكري العراقيين.
هذا التدخل الإيراني عبر هذه القنوات الأربع ليس أمراً سرياً بل أصبح مكشوفاً وظاهراً للعيان، وهو إذ يتقدم ليأخذ موقعاً متقدماً في التأثير في الواقع العراقي وعبره بدأت إطلالته العلنية تسجل تقدماً بالقياس إلى المرحلة السابقة ,فلأن الاحتلال بات يواجه مأزقاً وبدأ الإعداد الجدي لوضع استراتيجية الانسحاب من العراق موضع التطبيق.
ومع بدء وضع استراتيجية الانسحاب الأميركي من العراق بدأت تتوضح أبعاد استراتيجية التدخل الإيراني في العراق، وبهذا البروز للدور الإيراني يتبين أن الدورين الأميركي والإيراني وأن بديا في الآونة الأخيرة في حالة تعارض ظاهري، إلا أنها يتكاملان موضوعياً ويكمل أحدهما نتائج الدور الآخر وإلا كيف يفسر كلام "عبد العزيز الحكيم" بالطلب استمرار احتلالها للعراق؟!
ألا يفهم من ذلك، إعطاء مزيد من فسحة الوقت للدور الإيراني لأن يستمر في أدائه السياسي والأمني وصولاً إلى تحقيق أهدافه المرجوة وهو إيجاد أرضية سياسية وشعبية لجعل تفكيك مكونات البنى المجتمعية العراقية أمراً واقعاً وتالياً الانطلاق من هذا الواقع لتمرير التغطية الدستورية والقانونية لهذا الواقع التقسيمي.
إن أميركا الذي أدى احتلالها إلى إسقاط مكونات الدولة عبر إسقاط مؤسساتها الارتكازية يتقدم الدور الإيراني الآن ليكمل هذا المخطط بإسقاط المكونات المجتمعية تمهيداً لإعادة رسم خارطة العراق السياسية على ضوء الواقع التقسيمي الذي يراد الوصول إليه.
هذا الهدف الإيراني الذي لم يعد خافياً نظراً لحجية الممارسات السياسية والأمنية التي يقوم بها النظام الإيراني مباشرة وبالواسطة، إذا ما قضي له أن يتحقق، إنما يعود بالعراق إلى مرحلة ما قبل قيام الدولة العراقية بكيانها الوطني الموحد وحتى لا تكرر تجربة إعادة بناء العراق على قواعد ثابتة ويعود يشكل عنصر توازن في المثلث الإقليمي الذي ركناه الآخران إيران وتركيا.
إذا كانت هذه هي أبعاد الأهداف الإيرانية ضد العراق أية وسائل للتصدي لهذا المخطط؟
للبحث صلة.