الشعب العربي الفلسطيني وتحديات "الفوضى البناءة"

عوني فرسخ

لاحت في الأسبوع الماضي في أفق قطاع غزة والضفة الغربية المحتلين نذر الوقوع في مستنقع "الفوضى البناءة" المعتمدة أمريكيا لإحكام السيطرة على الوطن العربي وتأصيل استلاب إرادة شعوبه. وبرغم التوصل لاتفاق التهدئة وتشكيل لجنة لمعالجة الإشكاليات الراهنة فأنه في ضوء التجارب الماضية من المتوقع أن لا يصمد هذا الاتفاق طويلا، ذلك لأن التناقض فيما بين طرفي الصراع الفلسطيني إنما هو تناقض بين خيارين استراتيجيين: خيار المقاومة بكل الوسائل التي يجيزها القانون الدولي بما في ذلك الكفاح المسلح، وخيار الاستسلام والاستجداء والاستهانة بالكرامة الوطنية والمراهنة على ما قد يجود به الصهاينة إن كان العنصريون يعرفون الجود، وعلى ذلك فالاحتمال الأرجح تغلب قوة الدفع نحو التردي في مستنقع "الفوضى البناءة"، ما لم تواجه دواعي الفتنة، والقوى الدافعة إليها، بحراك وطني فلسطيني وقومي عربي ملتزم بثوابت الصراع.

وبداية ألاحظ أن مسارعة الإدارة الأمريكية والقيادات الصهيونية والأوروبية لإعلان الترحيب بدعوة الرئيس محمود عباس لإجراء انتخابات مبكرة، في مقابل معارضة غالبية فصائل المقاومة وشخصيات وطنية متعددة الانتماءات، ما يدل على أن الجدل المحتدم في الضفة والقطاع ليس انعكاسا لتنافس على الحكم في سلطة فاقدة السيادة وحرية صناعة القرار، وإنما هو نزاع متصل بمواقف متعاكسة تجاه الصراع مع التحالف الإمبريالي – الصهيوني، فضلا عن أنه في اتساع دائرة معارضي الدعوة ما يؤشر إلى إعادة تشكل الخارطة السياسية في الضفة والقطاع المحتلين، بحيث بات الرئيس عباس وزمرة أوسلو يواجهون جبهة عريضة تشمل، إلى جانب "حماس" و"الجهاد الإسلامي" (الجبهتين الشعبية والديمقراطية) وأربع جبهات أخرى، والمبادرة الوطنية بقيادة د. مصطفى البرغوثي، وأمين سر "فتح" فاروق القدومي ومؤيديه، الأمر المؤكد أن يستفز ذلك مختلف القوى الدولية والإقليمية والفلسطينية التي تتمنى الخلاص من "حكومة حماس" والمجلس التشريعي الذي تحوز غالبية مقاعده، ودفع هذه القوى لوضع العصي في دواليب أي حوار يستهدف تحقيق الوحدة الوطنية الملتزمة بثوابت الصراع والحوار الديمقراطي لحل الإشكاليات بين شركاء المسيرة والمصير.

كما ألاحظ أن تراجع الرئيس عباس بقوله: لا داعي للانتخابات المبكرة إذا قامت حكومة "الوحدة الوطنية" تراجع تكتيكي وليس استراتيجي، بدليل تأكيده في المؤتمر الصحافي مع رئيس الوزراء البريطاني طوني بلير على عزمه إجراء الانتخابات المبكرة: فضلا عن التمايز الكيفي بين طبيعة ودور الحكومة المنشودة في نظره وبين تلك المطلوب أن تلتزم بالثوابت الوطنية في سائر قضايا الصراع مع العدو الصهيوني، في حين يعلن الرئيس عباس اشتراط التزام الحكومة بما يلبي مطالب الرباعية، وما نصت عليه "خارطة الطريق". أي الاعتراف بـ"إسرائيل" غير مبينة الحدود، ونزع سلاح المقاومة وتفكيك بناها، والتنسيق الأمني مع الجيش والأجهزة الأمنية "الإسرائيلية"، والعودة للمفاوضات الماراثونية حول قضايا: القدس، والحدود، واللاجئين، والمستوطنات، الأمر الذي يعني الالتفاف على القرار (194) وقراري مجلس الأمن (242) و(338).

وليس ينكر أن في مقدمة ما هو مطلوب وطنيا وقوميا وإنسانيا وضع حد نهائي للتواطؤ الدولي والإقليمي والأوسلوي على تجويع مواطني الضفة والقطاع المحتلين، عقابا لهم على اختيارهم الديمقراطي لأنه لم يأت بالنتائج التي كانوا يأملونها، فضلا عن أن الشعب الذي ضرب أروع آيات الصمود والمقاومة يرفض مقايضة الحقوق الوطنية بخبز "معونات" استلاب الإرادة والكرامة واحترام الذات الوطنية، وكثيرة هي المؤشرات التي تدل على أن هذا الشعب عظيم الإباء لم يزده حصار التجويع إلا تمسكا بكامل حقوقه المشروعة، إذ لم تصدر عنه أدنى إشارات الخضوع والاستسلام لما يريده مجوعوه.

و"الرئيس عباس" ومستشاروه لا يجهلون أن الدعوة للانتخابات المبكرة تشكل خرقا للقانون الأساسي للسلطة، حيث تقتضي حل المجلس التشريعي القائم الذي لا يملك الرئيس صلاحية حله، وفي ذلك دلالة لا ديمقراطية دعوة "الرئيس"، فضلا عن أنه بدعوته اللاقانونية يهدد الوحدة الوطنية في الصميم ويشرع الأبواب للاقتتال الفصائلي، ثم إن في ذلك ما يؤكد عدم إدراك زمرة "أوسلو"، أنها بتواصل العمل باستراتيجية التفريط بالحقوق الوطنية المشروعة على مذبح تعظيم المكاسب الذاتية لم تضر بالقضايا الوطنية فقط وإنما أضعفت "فتح" في ميزان القدرات والأدوار أيضا، فضلا عن تجاهلهم تجارب ما يجاوز قرنا من الصراع مع التحالف الاستعماري - الصهيوني، رسبت في الوعي الفلسطيني الخاص، والعربي العام، القناعة بأن التنازلات تجر لتنازلات أكبر، والمثال الحي تعاطي التحالف المضاد مع "عملية السلام"، التي لم تخط طول سنواتها الخمس عشرة خطوة واحدة نحو "السلام العادل والشامل"، وإنما تمكين العدو الصهيوني من مراكمة مكاسبه الاستيطانية والتطبيعية.

وعندما تأتي الدعوة للانتخابات المبكرة في زمن تفاقم حدة نقاشات دوائر صناعة القرارات الأمريكية والصهيونية على خلفية الفشل المريع في العراق ولبنان وفلسطين، فأن أبسط ما يقال فيها إنها تصب في قناة ترحيل أزمة التحالف الأمريكي الصهيوني لساحة الضفة والقطاع المحتلين، لتعويض الخسائر المقر بها في الساحتين العراقية واللبنانية، في حين أن الظرف الدولي والإقليمي مناسب للحراك الوطني الفلسطيني لتطور نوعي، بحيث يوسع إطار التحولات البادية الوضوح في الساحات الأمريكية والأوروبية و"الإسرائيلية"، والدفع باتجاه تعظيم الشعور بضرورة تنفيذ القرارات الدولية بالانسحاب من كامل الأرض المحتلة سنة 1967، بما فيها القدس، وتفكيك المستوطنات كافة، وإقامة الدولة كاملة السيادة ومستقلة الإرادة وعاصمتها القدس الشرقية، وإعادة اللاجئين والتعويض عليهم، وإطلاق سراح جميع الأسرى.

وذلك ممكن وشرطه قيام الجبهة الوطنية في الضفة والقطاع، وتفعيل الشتات الفلسطيني، والتوجه لانتخابات المجلس الوطني، ليصار بعد ذلك إلى إعادة انتخاب اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، والعمل على تفعيل المنظمة كي تعود ممثلة شرعية بحق لشعب الصمود والمقاومة، وقادرة على توظيف إمكاناته المادية وقدراته البشرية، والتواصل المنتج مع الأهل في الأرض المحتلة سنة 1948 وفي العمق القومي العربي. وبالتالي وضع آلية الانعتاق من أثار ارتهان الإرادة الوطنية للتمويل الأوروبي والأمريكي.

والسؤال الأخير: ماذا كان سيكون عليه الوضع لو اتجهت كل بنادق الإخوة الأعداء في الضفة والقطاع لقتال العدو، ولو اندمجت مسيرات التحزب الفصائلي في مسيرة واحدة لتدمير جدار الفصل العنصري وكسر حصار التجويع، ولو التقت كل الجهود لتحرير الإرادة الوطنية من قيود أوسلو وتوابعه، وأليس في ذلك الدرع الواقية من التردي في مستنقع "الفوضى البناءة"؟!!!