لبنان ومتوالية الاغتيال السياسي والحرب الأهلية
عوني فرسخ
هل تؤدي جريمة اغتيال
بيار الجميل إلى تفجير الحرب الأهلية الثالثة كما تسببت بذلك جريمتا اغتيال نسيب
المتني سنة 1958 ومعروف سعد سنة 1975، لاسيما وقد التقى "صقور" تيار "14 آذار" مع
صناع القرار الأمريكي ومن معهم على كل ما يساعدهم على استرداد المبادرة التي أفقدهم
إياها انتصار المقاومة، وذلك بتجريد شعب لبنان من امتلاكه قوة ردع العدو وقدرته على
تحميله تبعات عدوانه، كما للحيلولة دون تأصيل مفاعيل المنجزات اللبنانية في الواقع
العربي، وفي ممارسات "صقور" تيار "14 آذار" ما يوحي بإعادة إنتاج ما كان للقناصل
الأجانب من قوة تأثير في قرارات أمراء الطوائف اللبنانية، ومما يضاعف التخوف من
الانزلاق إلى الحرب الأهلية افتقاد القوة العربية الضابطة للفتنة، كما جرى في
الحالتين السابقتين. فالدور المصري، الذي أحياه التوجه القومي لثورة 23 يوليو/ تموز
بقيادة عبد الناصر، أهدرته الردة الساداتية. وحيث لم ينهض أي دور عربي معوض بات
النظام الإقليمي العربي فاقداً المنعة، بل وغير ممتنع عن الاستسلام للإرادة
الأمريكية، كما هو جلي في التعاطي الرسمي العربي مع تجليات "الفوضى البناءة" في
العراق المحتل.
غير أن ما لا يأخذه في حسبانهم المخوفون بالحرب الأهلية أن لبنان لم يسقط فقط مقولة "قوة لبنان في ضعفه"، وإنما أسس أيضا قاعدة تحوله من تجمع طوائفي شديد التأثر بالمداخلات الخارجية ليغدو الشعب العربي الأكثر فاعلية في واقع أمته، والأقدر على إحداث تطور كيفي في استجابتها للتحدي الامبريالي الصهيوني، فضلاً عن أن كشف مقاومته لزيف أسطورة "الجيش الذي لا يقهر"، التي طالما أرهبت الأنظمة العربية، زلزل قواعد ثقافة الهزيمة، أبرز معوقات توظيف القدرات العربية في مواجهة العدو، والعامل الأول في تفشي سرطان التنصل من الالتزام بالتصدي للتحالف الامبريالي الصهيوني.
ثم إن واقع لبنان هو اليوم غيره سنة 1958 أو سنة 1975، فالانقسام المتأصل تاريخياً بين نخبه لم يعد قائماً بين طائفة وطائفة وإنما بين أهل الإذعان وأهل الرفض، كما يقرر المطران جورج خضر في "النهار" في 19/8/2006، وأهل الرفض يشكلون مروحة واسعة من كل الطوائف يتصدر صفوفها لأول مرة في تاريخ لبنان الحديث رئيسا الجمهورية ومجلس النواب، وكل من الرئيسين لحود وبري لا يتميز فقط بوضوح الموقف تجاه الضغوط الأمريكية والأوروبية، وإنما أيضا بالحرص الشديد على تجنيب لبنان تداعيات الصراعات اللامجدية، وكذلك هو حال الجيش المحصن ضد الانقسام الطائفي والاختراقات الأجنبية، فهو متهم أمريكيا بأنه "متفهم أكثر من اللازم للمقاومة". ويذكر أنه عندما تم توحيده سنة 1990 بقيادة العماد إميل لحود أرسيت قاعدته القتالية على أن "إسرائيل" هي العدو، كما صدرت له التعليمات للتنسيق مع المقاومة ودعمها، وعلى مدى السنوات الست عشرة الماضية عرف بالتفاعل الإيجابي معها، الأمر الذي يدعو للتفاؤل بفشل المساعي الأمريكية للتأثير في موقفه من خلال الدعوة لتسليحه وإعادة تأهيله.
وفضلاً عن رجحان كفة قوى المعارضة في ميزان القدرات والأدوار، وقدرتها بالتالي على لجم انفعالات تيار "14 آذار"، عرفت غالبية قياداتها، وبخاصة قيادة "حزب الله"، بقدر عال من الشعور بالمسؤولية وكفاءة إدارة الأزمات. فالحزب صاحب الدور المحوري في المعارضة تميز منذ بروزه بحرص قيادته على عدم الانجرار لما فيه إضعاف جهوزيته للتصدي لعدو شرس يتربص بلبنان وبه، والمثال الأبرز الموقف غداة الانتصار المبين سنة 2000 تجاه عناصر "جيش لبنان الجنوبي" وبقية المتعاونين مع العدو، إذ بدل الانشغال بتصفية الحسابات مع الذين أجرموا بحق مقاتليه وقاعدته المجتمعية شغل بتطوير قدراته القتالية، كما تجلى ذلك في حرب الثلاثة والثلاثين يوما.
ثم إنه ليس في مطالب المعارضة ما يتناقض مع الدستور، أو الالتزام بالأصول الديمقراطية، فالدعوة لحكومة وحدة وطنية للمعارضة فيها الثلث المعطل مؤشر استعداد للتعامل مع تيار "14 آذار" برغم تباين توجهات الطرفين، فيما الدعوة لانتخابات مبكرة، وقانون انتخابي جديد تصوغه لجنة وطنية ممثلة للجميع، دليل الإيمان بأن الشعب مصدر السلطات جميعها، والمعارضة لم ترفض "المحكمة الدولية" وإنما تحفظت على التسرع في إقرار مسودة مشروعها، وكل ما أرادته تأمين سيادة لبنان وأن يكون صاحب دور في أمر هو من صميم اختصاص جهازه القضائي.
وتوضح قراءة الخارطة السياسية اللبنانية أن الغالبية الساحقة للشيعة مع تحالف "حزب الله وأمل"، فيما الشارع السني ناصري الهوى وأقرب لمواقف الرئيسين الحص وكرامي واسامة سعد وكمال شاتيلا منه لمن يغويهم المال والمناصب، فيما غالبية نخب وجمهور الطوائف اللبنانية مع توجهات العماد عون وسليمان فرنجية ونجاح واكيم، وليس مع طروحات "القوات اللبنانية" و"حزب الكتائب" و"قرنة شهوان"، ولما يزل جمهور الموحدين (الدروز) وفيا لتراث شكيب أرسلان وشهيد الحركة الوطنية كمال جنبلاط، كما أنه في رفض الأكثرية البرلمانية التعاطي بايجابية مع مطالب المعارضة دلالة قصور التزامها بالديمقراطية والحوار الإيجابي لحل الأزمات، أما التخويف بفزاعة "استعادة الدور السوري" أو "زحف الدور الإيراني"، فأمر إن جاز لأحد فإنه غير جائز للمستظلين بالدعم الأمريكي والفرنسي والمتمتعين بالقبول الصهيوني، ومراهنة "الصقور" على احتمالات الإنزال الأمريكي والأوروبي على سواحل لبنان وفي بعض نواحي جباله العاتية على العاتي دلالة ضعف ذاكرة من نسوا ما حل بالإنزال الأمريكي سنة 1958 والأمريكي الأوروبي سنة 1982.
ومن المتوقع أن يكون لرجال المال، القوة الصاعدة في السياسة العربية، دورهم في كبح الانجرار للحرب الأهلية، حرصا على مليارات الاستثمارات العربية واللبنانية في سندات الخزينة اللبنانية والعقارات. وجلهم أصحاب نفوذ في السياسة اللبنانية. والحرب إن كانت قد تخلصهم من المقاومة التي يعادونها، ستعرض ملياراتهم للخطر، كما يلاحظ محقاً معن بشور في مجلة "المستقبل العربي"، العدد 332 أكتوبر/ تشرين الأول 2006.
وأخيراً، ألم يخض أمراء الطوائف غمار حربين أهليتين خلال نصف القرن الأخير ولم تأت النتائج في الحالين وفق تصور حمائمهم، وليس صقورهم فقط. بل أنجزتا خطوات على طريق هز قواعد إرثهم التاريخي، بتحقيق قدر من التجاوب مع تطلعات دعاة التغيير الاجتماعي؟ وفي وصول الانقسام السياسي بين الطوائف المسيحية حد عجز البطريرك صفير عن رأب الصدع فرصة تاريخية لتجاوز واقع التجمع الطوائفي. وحبذا لو جعلت المعارضة في مقدمة مهام وزارة الوحدة الوطنية المطالبة بها تشكيل لجنة إلغاء الطائفية المنصوص عليها في اتفاق الطائف، لأنه بالتحول من التجمع الطوائفي إلى المجتمع الوطني اللاطائفي الحل الجذري للانقسام التاريخي والحل الناجع لمتوالية الاغتيال السياسي والحرب الأهلية، وهذا هو الجهاد الأكبر المأمول أن تخوضه قيادات المعارضة، خاصة قيادة "حزب الله"، والسيد حسن نصر الله على الأخص، لأنه بهذا يلجم كل النافخين في نار الفتنة المذهبية التي تلوح نذرها في أفق المشرق العربي.