موسم العودة إلى الوعي القومي
بقلم: فهد الريماوي/رئيس تحرير صحيفة (المجد) الأردن
ذات
يوم بعيد، تفتقت قريحة ونستون تشيرشل، رئيس وزراء بريطانيا الأسبق عن قول ساخر
ولكنه سديد جاء فيه أن "الأمريكان يتخذون القرارات الصائبة دائماً، ولكن بعد أن
يجربوا كل القرارات الخائبة".
لمع في ذاكرتي هذا القول الصادر عن قائد بريطاني شهير انتزع النصر المؤزر لبلاده في الحرب العالمية الثانية، وأنا أشاهد جورج بوش يلوذ بالأردن يوم الأربعاء الماضي، طلباً للمخارج من ورطته الثقيلة في العراق، وهرباً من الجحيم العراقي الذي حرم هذا البوش من الوصول إلى بغداد، رغم وقوعها في براثن الاحتلال منذ نيف وثلاث سنوات، ورغم انتشار 150 ألف يانكي في سائر إرجاء بلاد الرافدين.
باستثناء بلير وازنار وبيرلسكوني وبعض الأوباش العرب، نهضت البشرية كلها، بما فيها "أوروبا العجوز" تحذر هذا البوش من مغبة العدوان على العراق، حينما كان في مثل هذا الوقت من أربع سنوات خلت، يهدد ويتوعد وينتحل الأعذار والمبررات الزائفة لتسويغ هذا العدوان الذي حسبه مجرد نزهة قصيرة، تنفتح له بعدها ليس أبواب عاصمة الرشيد فحسب، بل سائر أقطار وأمصار "الشرق الأوسط الكبير".
هذا الأوان لابد أن الفتى بوش الذي هبط بالمظلة على إحدى البوارج الأميركية، معلناً انتهاء "المهمة" في مطلع شهر أيار من عام 2003، يشعر بشديد الألم والندم على ما اقترفت يداه بحق وطنه الأمريكي المخدوع، قبل الوطن العراقي المفجوع، ذلك لأن مشروعه الإمبراطوري في "الشرق الأوسط" قد سقط بامتياز، فيما تمرغت العسكرية الأمريكية في وحول الرافدين، وتصاعدت وتائر "الإرهاب" إلى درجات ومستويات غير مسبوقة.
ورغم أن هزيمة أمريكا العسكرية في "الشرق الاوسط" عامة، والعراق وأفغانستان خاصة، آتية لا ريب فيها، بفعل تصاعد عمليات المقاومة والجهاد في هذين البلدين، إلا أن الهزيمة المعنوية والسياسية قد تحققت فعلياً، ليس على صعيد انتخابات الكونغرس الأخيرة فحسب، بل على صعيد تخوف رئيس أقوى دولة في العالم من القيام بزيارة خاطفة لبلد تحتله قواته الوفيرة العدد والعدة منذ نيف وثلاثة أعوام.
غير أن هزيمة أمريكا، وسقوط مشروعها في "الشرق الأوسط" لابد أن يطرح عاجلاً، وليس آجلاً، موضوعة البديل العربي الذي يتعين أن يحل محل المشروع الأمريكي، ولاسيما أن المنطقة تقف الآن، بحكم أعمال التخريب الأمريكية التي تعرضت لها، أمام مفترق طرق حاسم وخطير، فإما الفوضى والانقسام والاحتراب، وإما الوحدة والنهضة والانعتاق.
ليس خافياً على أحد، أن أمريكا المهزومة لا محالة في العراق، و"اسرائيل" التي انهزمت قبلاً في جنوب لبنان، لن تسلّما فوراً بالهزيمة، ولن تستسلما تلقائياً للإرادة العربية المناضلة، بل ستعمدان إلى تغيير الأساليب مع تثبيت الأهداف، ولعل أول هذه الأساليب الجديدة هو العمل والرهان معاً على إشاعة مبدأ "التدمير الذاتي" في سائر أرجاء الوطن العربي، وفقاً لخلافات قطرية، وصراعات طائفية ومذهبية وجهوية، وبما يضمن تحقيق الخطط والأهداف (الأسرأمريكية) بأيدٍ وأدوات عربية وإسلامية مغفلة أو متواطئة.
مؤسف ان يتم راهناً اختراق الحدود القطرية العربية، ليس لصالح الوعي القومي والنزوع الوحدوي، بل لحساب التفتت والتشرذم الطائفي والفئوي والمذهبي الذي بات يهدد الوحدة الوطنية في معظم الأقطار العربية، كما بات يهدد في شقه المذهبي (السني - الشيعي) وحدة العقيدة الإسلامية التي تتعرض، على الصعيد الآخر، لهجمة صليبية وصهيونية ضارية وغير مسبوقة.
مؤسف أيضاً ان ينجح العدو (الأسرأمريكي) أيضاً في تجنيد أعداد هائلة من القيادات والنخب العربية لصالح برامجه ومشاريعه ومخططاته، وبما يكاد يتخطى خانة التذيل إلى خانة العمالة والخيانة والعمل المباشر ضد آمال الأمة وأهدافها الوطنية والقومية، فلأول مرة منذ موجة الاستقلالات العربية خلال عقدي الخمسينات والستينات نشهد مثل هذه الإعداد الفاجرة من العملاء والخونة الذين باعوا أنفسهم للشيطان، واستقووا على أوطانهم بالأجنبي، وارتضوا التحطيب في حبال واشنطن وتل أبيب، علناً وعلى رؤوس الإشهاد.
ورغم اعتقادنا بان هذا الفريق الكبير من الخارجين على الأمة سوف يتضاءل كثيراً عقب انكسار المشروع العدواني (الأسرأمريكي)، وانهيار رهاناته على أعداء الأمة، إلا أن القوى الحية والشريفة والمناضلة في الأمة مطالبة أكثر من أي وقت مضى بتفعيل ذاتها، واستنفار قواها وطاقاتها، ليس لمحاصرة هذا الفريق الخياني فحسب، بل لاحباط كامل المخططات (الاسرأمريكية) السرية والعلنية الهادفة إلى جر عناصر الأمة إلى مهاوي الفتن الداخلية، والحروب الأهلية، والصراعات المذهبية والطائفية.
لا بديل للأمة العربية وقواها الحية عن استعادة وعيها القومي، وروحها الوحدوية، وهويتها العربية التي جرى ويجري طمسها لحساب هويات قطرية وجهوية وعولمية، منذ ثلاثة عقود وحتى وقتنا الحاضر.
لقد جرب المجربون كل الخيارات الأخرى غير القومية·· جربوا القطرية، وجربوا الاممية، وجربوا الاديان، وجربوا الليبرالية، وجربوا الخيانة والاستقواء بالغرباء، وجربوا الصلح والتطبيع مع "اسرائيل"، فهل استطاعوا إخراج الزير من البير؟؟ هل اجترحوا المعجزات وحققوا المستحيلات؟؟ هل مصر كامب ديفيد أفضل من مصر عبد الناصر؟؟ هل عراق المذابح والقتل على الهوية أفضل من عراق صدام حسين؟؟ وهل لبنان السنيورة وجعجع وجنبلاط أفضل من لبنان الرئيس لحود؟؟
حتى الصحوة الإسلامية التي قيل أنها قد حلت بديلاً عن المشروع القومي العربي، تجري الآن محاولات دائبة لضربها وتخريبها من داخلها، عبر تأجيج الخلافات المذهبية السنية والشيعية والدرزية، وتحويلها إلى صراعات مسلحة تفت في عضد الأمة، وتنهك قواها، وتتقاطع مع مؤامرات ومخططات المعسكر الصليبي - الصهيوني الذي يحارب الإسلام باسم محاربة الإرهاب.
بعد طول احتراب واضطراب واستنزاف وارتهان، عادت دول أمريكا اللاتينية إلى صوابها، واستعادت إرادتها الوطنية وهويتها القومية، وأعلنت الخروج تباعاً من بيت الطاعة الامبريالي في واشنطن، وأعادت الاعتبار إلى ملهمها وقائدها التاريخي سيمون بوليفار الذي سعى في قديم الزمان إلى تحرير وتوحيد هذه القارة التي كانت منكوبة بالتجزئة والاستعمار، وها هي الإكوادور تنضم الأسبوع الماضي إلى نيكاراغوا وبوليفيا وفنزويلا وكوبا وتشيلي والبرازيل في التضامن والتلاحم ورفع راية العداء للولايات المتحدة.
وإذا كان من حق وواجب هذه الدول والشعوب اللاتينية استلهام تجربة بوليفار، واسترجاع مشروعه العظيم في الثورة والوحدة والحرية، فلماذا لا يكون من حق وواجب الشعوب العربية استلهام روح عبد الناصر، واستئناف مشروعه القومي الوحدوي التقدمي الذي ثبت، بالقياس مع كل ما جاء بعده من مشاريع، انه القمين وحده بتلبية احتياجات الأمة وأهدافها ومطامحها.
وعليه، فقد حانت اللحظة التاريخية المواتية لاستعادة الوعي القومي، والروح الوحدوية، والأجندة الناصرية، باعتبارها جميعاً ضرورة حتمية وأساسية لاستئناف الحركة النهضوية العربية، بعد انهزام المشروع (الأسرأمريكي) الذي يعود إليه وزر إجهاض المشروع القومي الوحدوي، منذ عدوان حزيران عام 1967، ثم إغواء وشراء أنور السادات عام 1977، ثم عاصفة الصحراء عام 1991، ثم اجتياح العراق عام 2003.
لقد حضرت وتوفرت هذا الأوان كل مبررات الانتعاش القومي، ومحركات الفعل العروبي، بعد أن استنفذت التجارب والمشاريع السياسية الأخرى ذاتها، وأثبتت إفلاسها، ولم يعد أمام المخلصين والشرفاء من أبناء هذه الأمة سوى الخيار القومي الذي ليس من شأنه وضع العرب على سكة السلامة فحسب، بل تجنيبهم ويلات الفتن الداخلية والحروب الأهلية والسير على سكة الندامة!!