مأزق الرئيس بوش.. إلى أين؟؟
الدكتور فيصل الفهد
يوماً بعد يوم يزداد المأزق الأمريكي في العراق ويزداد معه حجم المعاناة التي يعيشها أبناء شعبنا جرَّاء استمرار الاحتلال الأمريكي لبلدنا وما يخلِّفه كل ذلك من خسائر بشرية ومادية طالت كل مرافق الحياة التي باتت شبه مستحيلة في حالة استمرار الأوضاع على ما هي عليه في العراق.
ويعتقد كثيرون أن تغليب كفة الديمقراطيين في الكونغرس الأمريكي ربما ستترك بعض بصماتها على الطريقة التي يتعاطى بها الساسة الأمريكيين مع الشأن العراقي ولكي نكون موضوعيين لابد من التأكيد على أن الديمقراطيين لا يختلفون كثيراً عن الجمهوريين في تعاملهم مع السياسة الخارجية بل إنهم أكثر تطرقاً في دعمهم للكيان الصهيوني الذي أصبح له حضور واسع الطيف في كل ما يدور في العراق وبهذا المعنى علينا أن لا نبالغ كثيراً في تصور حلولاً جذرياً أو رؤية مختلفة بمجرد أن تغييراً (نسبياً) قد حدث لصالح الديمقراطيين في الكونغرس بل إن هواجس عديدة يمكن أن تلازم تفكيرنا إذا ما علمنا أن قضية العراق ستكون محور التنافس للفوز بمقاعد الكونغرس والرئاسة في الانتخابات الأمريكية القادمة بعد سنتين من الآن وربما لن يكون إيجاد حل سريع لقضية العراق أمراً في صالح الديمقراطيين في الوقت الحاضر على الأقل.
ورغم الوضع المأساوي لقوات الاحتلال وعملائهم في العراق وحجم خسائرهم المتزايدة يوماً بعد يوم إلا أن الرئيس الأمريكي لا يزال يتمترس في أحلامه المريضة مدعياً أنه سيحقق ضالته المستحيلة في تحقيق نصراً في العراق وأنه لن يقبل بغير ذلك لأبناء أمريكا وأحفادها حتى وإن كان ذلك يعني أن أعداد كبيرة من هؤلاء سيلقون حتفهم (حتماً) في حال استمرار إدارة بوش بهذه السياسة الرعناء في العراق وفي أفغانستان وفي غيرها.
إن زيارة بوش إلى الأردن تدخل في إطار إعادة هيكلة السياسة الأمريكية في العراق التي أثبتت فشلها وعجزها التام عن معالجة الأوضاع بالغة التعقيد التي أنتجتها عملية غزو العراق ولأن كان الرئيس مُصِّراً على ادعاءاته الكاذبة بأن ثمَّة نجاحات قد تحققت فالحقيقة الوحيدة التي أصبحت ماثلة أمام أنظار العالم جميعه هي نجاحه في إقصاء النظام الوطني العراقي بالقوة الغاشمة وتدمير العراق وقتل وتشريد أبناءه وإحلال الخراب والاحتراب بين أهله فأصبحوا بين ليلة وضحاها أغراب بعضهم عن البعض الآخر وبدءوا يستخدمون لغات لم يألفوها من قبل أبرزها لغة الطائفية المقيتة والعنصرية الجائرة إلى درجة أن المراقب الخارجي اعتقد أنه أمام مشهد غريب لم يكن يتصور أنه سيراه في العراق في يوم من الأيام!
إن تداعيات الأوضاع وسريان الأحداث المتسارعة في شكل ومضمون وأسلوب تعامل إدارة بوش مع الواقع العراقي يمكن أن يبرز بوضوح عبر فهم واستيعاب أدوار القوة الفاعلة على الأرض في العراق وبالذات الولايات المتحدة الأمريكية.
حيث لم تشهد النخب السياسية في الولايات المتحدة حالة انقسام مثلما يحصل الآن بسبب تداعيات المشهد الكارثي في العراق المحتل فرغم صعوبة المرحلة الماضية التي سبقت الانتخابات الأمريكية الأخيرة والتي كان يغلب على سابقاتها في الماضي (قبل احتلال العراق) الشؤون والهموم الداخلية (الانتقادات المحلية، التجارية، قضايا الدولة الفدرالية والمدن الأمريكية وما شابه ذلك) إلا أن المتغير المهم في الانتخابات الأخيرة هو حجم الاهتمام بالسياسة الخارجية ولتحديد دور أمريكا في العراق؛ حيث ظهر واضحاً أن الناخبين الأمريكان عاشوا لحظة حاسمة تغيرت فيها أولويات اهتماماتهم عبر تصويت أعداد كبيرة جداً منهم لصالح الديمقراطيين نتيجة فشل الحزب الجمهوري في تحديد مسارات ناجحة لوجود قوات الاحتلال في العراق وحتماً ستكون هناك إعادة نظر في خارطة الأولويات الداخلية والخارجية لأنها بعد أن تصبح السلطة في بداية العام الجديد بيد الديمقراطيين والواضح الآن أنه لم يعد هناك يسر أو سعادة بالنسبة لوضع العراق في أذهان المسؤولين في البيت الأبيض.. فرغم أن بوش سيستمر لمدة عامين في رئاسة أمريكا وهي فترة ليست قليلة وستكون له الكلمة العليا في اتخاذ القرارات إلا أن ذلك لا يعني عدم وجود تغيرات جدية لاسيما وان هناك اختلاف كبير في أسلوب وطريقة اللهجة التي يتحدث بها المسؤولين الأمريكيين عن العراق وهنا لابد أن نميز بين ما يتم الإعلان عنه جهاراً لوسائل الدعاية وبين الذي يجري من حوارات وراء الكواليس حيث لوحظ في الفترات الأخيرة أن المرشحين الجمهوريين أكدوا أنه لابد من الحديث عن المشاكل المتزايدة لهم في العراق والسياسة الأمريكية حولها وأن ذلك يستدعي بالضرورة تبادل الآراء مع الديمقراطيين ومع كل هذا لا يزال بوش مصراً على اتباع ما أسماها بالتكتيكات وصولاً إلى عراق حُرٍّ مستقل في وقت بدأت فيه جهود أخرى تحاول أن تجد لها حيِّز في المشكلة العراقية ومنها لجنة (بيكر على سبيل المثال لا الحصر) ورغم أن هذه اللجنة تريد الوصول إلى خارطة طريق لإعادة ترميم العلاقات بين أمريكا من جهة وإيران وسوريا من جهة أخرى وطبعاً سيكون هذا على حساب قضية العراق أرضاً وشعباً وسيادة إلا أن بوش لم ينتظر حتى تأتي هذه اللجنة أوكلها فبادر إلى رفض نتائجها مسبقاً!!
إن المهم في إطار هذه الجهود التي تبذل هنا وهناك وبالذات من قبل مراكز الخبرة والبحوث الأمريكية لإيجاد حلول تقبل بها إدارة بوش أولاً إن هذه الحلول أو التوصيات أو المقترحات أو البدائل لا تعني تغيراً حاداً أو إلغاءً لما هو قائم من سياسات (تكتيكات) بل هي محاولة للتحوير أو التغير الجزئي ويدخل من ضمن ذلك (ربما) ما حاول بيكر أن يعززه من توجه لإعطاء دور أكبر لدول الجوار.
وفي هذا الاتجاه تعد العدة خلال هذه الفترة لعقد مؤتمر إقليمي هدفه إيجاد توافقات بين من يعتقد أن لهم مبررات للتدخل في شؤون العراق وفي مقدمتهم سوريا وإيران وربما السعودية؛ حيث تبدي الأخيرة مخاوف جدية من الدور الإيراني المتزايد الخطورة في العراق والذي لا يهدد وحده العراق حسب بل والمنطقة وبالتهديد السعودية وبقية دول الخليج وهذا الأمر الذي كنا على الدوام نحذر منه إلا أن الساسة في هذه الدول لم يشعروا بخطورته إلا بعد أن أصبحت النار تلامس أطرافهم المهمة.
لقد بات واضحاً أن هناك مهمة صعبة أمام من كوتهم ألهبة النار العراقية لاسيما في إيجاد الوسائل الناجعة لإقناع الشعوب الأمريكية والكونغرس للضغط على إدارة بوش لإنارة الضوء في نهاية النفق العراقي المظلم.
إن الأمر الذي لا يختلف فيه اثنين هو استمرار بوش في ركب مطيته العرجاء وتغليبه الخيار العسكري ومن هنا فإن أمامه ثلاث احتمالات:
الاحتمال الأول: زيادة قواته في العراق.
الاحتمال الثاني: إنقاص هذه القوات.
الاحتمال الثالث: وهو الاحتمال الذي لا يسر بوش ويتحدد بالانسحاب من العراق.
إن ملاحظتنا على الاحتمالين الأول والثاني إنهما مجرد كلام للاستهلاك الدعائي ذلك لأن واقع الحال يشير إلى أن عدد القوات الأمريكية (المدورة) في العراق تبلغ مئات الآلاف وليس 140 ألف عسكري كما يدعون ذلك حيث يتم سحب عدد من الفرق العسكرية لإعادة تنظيمها في القواعد الأمريكية في العالم وتحل محلها فرق أخرى وهكذا وهذا يعني أن الحديث عن الزيادة أو النقصان في القوات هو مجرد كلام للاستهلاك ليس إلاَّ، ولن يغير من واقع الأمر على الأرض شيئاً.
أما خيار الانسحاب فهو الخيار الوحيد الذي يمكن أن يحسم الأمور ليس لأمريكا حسب بل وللعراق وسائر المنطقة وهذا الخيار لا يسر الأطراف التي باتت تعتاش على استمرار هذا الاحتلال وتراهن عليه ومن هؤلاء:
1 - الرئيس بوش ومعه "المحافظين الجدد".
2 - الأحزاب الكردية العميلة (لأن مستقبل مشروعهم يرتبط باستمرار الاحتلال).
3 - الأطراف ذات الولاء المزدوج لأمريكا ولإيران حيث يربط هؤلاء بين مصالحهم الطائفية ووجود الاحتلال.
4 - أطراف العملية السياسية من الذين يدعون أنهم يمثلون السنة زوراً وبهتاناً.
5 – "تنظيم القاعدة"، حيث يعمل هذا التنظيم على إيقاع أكبر الخسائر بالأمريكيين أينما وجدوا ومن هذه الرؤيا يكون استمرار وجود الأمريكان في العراق في خدمة هذا الهدف.
لقد أصبح السجال والحوار المحتدم في الأروقة والدهاليز الأمريكية مثار اهتمام أوربا والحليفة بريطانيا؛ حيث ظهر ذلك واضحاً على المسارات السياسية ومنها تلك الإعلانات التي تتحدث عن احتمال كبير لتنازل توني بلير (حليف بوش في الشر) عن السلطة لخلفه براون رغم أن الاثنين ينتمون لنفس المدرسة الداعمة للسياسة الخارجية الأمريكية وبهذا المعنى فإن كثير من المحللين لا يتوقعون حدوث متغيرات ذات أهمية على المدى القريب إلا أن هذا لا يعني عدم وجود تيارات (قوية) تدعو إلى أفكار جديدة في أوربا وبريطانيا، حيث يزداد القلق من حالة عدم الاستقرار في "الشرق الأوسط" وتضارب المفاهيم بين العالمين الغربي والإسلامي الأمر الذي أصبح يؤثر سلباً على مستقبل أوربا قبل غيرها وهذا ما يفسر لنا اندفاع عدد من المسؤولين الأوربيين (مثل شيراك وثباتيرو) لتبني أفكار ربما ستكون خارج حدود المربع الأمريكي، حيث توجد رغبات حميمة لإتباع سياسات توافقية مع أمريكا أكثر من سياسات التبعية لها.
إن المؤشر لسياسة بوش القريبة في العراق كما نعتقدها تدفع باتجاه احتمال اتخاذ الخطوات التالية:
أولاً: تبديل في القيادة العسكرية من أعلى قمتها في العراق (الجنرال كيسي) وإحلال شخص آخر بدلاً عنه (الجنرال إيان كروكر).
ثانياً: تغيير السفير الحالي زلماي خليل بالسفير الأمريكي في دمشق (مارلريت سكوب).
ثالثاً: إلغاء "قانون اجتثاث البعث".
رابعاً: ضرب "تنظيم القاعدة" في العراق.
خامساً: ضرب المليشيات.
سادساً: إعادة إعداد من ضباط الجيش العراقي.
سابعاً: الحفاظ على الكيان الكردي في شمال العراق شريطة بقاءه ضمن الإطار العراقي.
وتأتي زيارة بوش إلى الأردن في إطار المؤشرات التي ذكرناها ولن تخرج عنها ذلك أن هذه الزيارة هي جزء من عمليات الترميم والترقيع لأخطائه القاتلة في العراق ونقولها للسيد بوش ولمن يدور في رحى أخطائه إن هذه المحاولة ستكون مثل سابقاتها كارثية ولن تزيد الطين إلاَّ بلَّه ووبالاً على كلٍّ أعداء الشعب العراقي من أمريكيين وبريطانيين وصفويين وصهاينة وعملائهم في العراق المحتل ولن يكون هناك حل لقضية العراق إلا بخروج المحتلين ومعاقبة جحوشهم وهذا لن يتحقق إلا من خلال توجه الساسة الأمريكيين إلى ممثلي الشعب العراقي وهم أبطال المقاومة الوطنية العراقية ولا خيار آخر أمام السيد بوش غير ذلك وإلا فلا وقد أعذر من أنذر.