عبَّاس وحلقة النار........!
أيمن اللبدي
حلقة النار التي تلف الإقليم، بدأت تشتعل في توقيت موحد، وثمة دلائل على أن طبيعة الاصطفاف، في هذا الإقليم وبالذات في المثلث منه، لبنان العراق وفلسطين هي واحدة، في لبنان حكومة فؤاد السنيورة التي فقدت شرعيتها، تلوذ بالدعم الأمريكي- "الإسرائيلي" المعلنين، وفي العراق حكومة السيد المالكي، على ذات المنوال، وفي فلسطين رئاسة السلطة الفلسطينية ممثلة بمحمود عباس وفريقه، على ذات الأثر، أما بقية أنواع الدعم سواء العربي أم الدولي إن وجد، فلا يهمها على الإطلاق وليس بوارد في حساباتها الرئيسة.
في المقابل فإن المقاومة اللبنانية الإسلامية، والقوى المتحالفة معها تتكئ أولاً، إلى رصيدها الوطني وجذوتها الشعبية، والمقاومة الإسلامية والوطنية العراقية، تأخذ في صراعها مع قوات الاحتلال، والقوى المتحالفة معه، ذات الجهة في الركون إلى القوة الشعبية، أما في فلسطين فإن حكومة السيد إسماعيل هنية، وقوى المقاومة الأخرى كانت حتى قبل الساعة الأخيرة، تعوّل على نجاح مسعى هذه الحكومة في تفكيك الضغط عليها، وهي في صراعها الخفي مع عباس، كانت أيضا تركن إلى رصيدها الوطني كحكومة مقاومة.
المشكلة التي ظهرت لاحقا، أن عقدة الألق في حكومة السيد إسماعيل هنية، بدأت تتآكل قبل زيارته الأخيرة، لاسيما مع الكم الكبير من المعاناة اليومية، التي تضاعفت في الداخل الفلسطيني، ومع بعض الأخطاء في الممارسات اليومية، ولكنها بالقطع تبقى أقل خطورة من المنزلق الذي وصلت إليه الأمور، لاسيما بعد إعلان عباس في مؤتمره الصحفي مع كوندوليزا رايس، عن فشل الحوار الوطني، وعن تعهداته بعدم إعطاء المزيد من الوقت، وكانت زيارة السيد إسماعيل هنية الأخيرة هي الصاعق، الذي عجل بسلسلة التتابع اللاحق والذي نراه اليوم.
السيد محمود عباس ومعه بعض فريقه، يعتنق عقيدة واحدة لا تغيير عليها، تقوم على قاعدة ما تراه أمريكا و"إسرائيل" من شروط، وأن الجنة والنار بأيديهما، وهو بذلك يرى أن "فك الحصار" سيكون بحكومة تلبي هذه الشروط! ولكن هذا الفريق بأكمله لا يملك إجابة ولا ضمانة من أي نوع، عن قعر هذه الشروط وهل أن هذه الشروط الأخيرة، هي فعلاً آخر ما ستطلبه أمريكا و"إسرائيل" من السلطة الفلسطينية، ومن منظمة التحرير الفلسطينية، والقوى التي بداخلها والتي خارجها، ومن كل فلسطيني أينما وجد ومهما كان عمره، قبل أن تباشرا إلى حديث ما مع "شريك فلسطيني مقبول"!
هل يستطيع السيد محمود عباس الآن أو أي من فريقه، أن يضمن للشعب الفلسطيني بأن لا شروط أخرى ستطلبها منه هاتان المتحكمتان، بمنتهى العقيدة العباسية؟
هذا السؤال برسم السيد رئيس السلطة الفلسطينية، وفريقه وخاصة فقهاء تحليل الدم الفلسطيني في الأشهر الحرم تحديداً، طالما هو من أهل الصلاة والقيام!!
الواقع أن السيد محمود عباس لا يقرأ، ولا يتابع سوى حركة شفاه إدارة الرئيس "بوش" ويبدو بأثر رجعي، إذ المشاهد أن السيد عباس لم يدرك بعد أن السيد بوش، على وشك مغادرة مكتبه بأقسى أنواع الهزائم التاريخية، وكذا حليفه بلير القادم إلى فلسطين بحثاً عن وقت ضائع، وهو ربما لم يسمع بأن العسكرية الصهيونية التي فقدت إستراتجيتها الرادعة، وتعيش أقسى أزمة لها في حياتها منذ الأيام الأولى لحرب رمضان، بعد أن كنستها مارون الراس وما حولها، كما يبدو أن السيد عباس لا يستوعب الفرق بين الإستراتيجيا الأمريكية المنهارة وبين نواسخها الفاعلة خاصة في المنطقة قبل أمريكا اللاتينية أو غيرها من المواقع؟
من يتابع كم المغالطات التي وردت في خطاب السيد عباس، يصل إلى قناعة بأن هذا الرجل قد وصل إلى مرحلة صعبة فعلاً، وأن الفريق المتسلط من حوله باسم "فتح" هو في أقسى توتراته العصبية على الإطلاق، وقمة هذه المغالطات تبدأ من موضوعة الحصار، فالحصار الحقيقي فرض على الشعب الفلسطيني، والحالة الفلسطينية مباشرة بعد قرار الشهيد أبو عمار، بأنه حانت لحظة المواجهة عقب "كامب ديفيد الثانية"، وليست في الواقع أدوات تنفيذ الهجوم المضاد على الرئيس عرفات يومها، إلا من مسلسل ابتدعه الرئيس محمود عباس نفسه، عندما قبل أن يكون أداة فرض رئاسة الوزارة أولاً على الرئيس الشهيد، وانتزاع الصلاحيات المالية والأمنية منه لصالح وزارته ووزرائه، واللعب على حبال الإستقواء بهاتين القوتين لم يكن وليد الساعة على أي حال، ولعل محمود عباس يفترض أن الذاكرة الفلسطينية عمرها قصير، أو هي "فلاش ميموري" بدون حجم كافٍ...!
الرئيس محمود عباس قال للعالم منذ عدة سنوات، أنه استقال من اللجنة التنفيذية واستقال من حركة "فتح"، وأن هذه الأخيرة لا تعني له شيئاً!، ولم نسمع منه بعد ذلك شيئا مغايراً، بل سمعنا أن السيد فاروق القدومي - وهو يتحمل شخصياً بدءً من هذه النقطة مسؤولية ما يحدث الآن- قد رشحه لرئاسة السلطة ورئاسة اللجنة التنفيذية، وطلب إلى كوادر حركة "فتح" أن تبارك هذا السعي على حساب ترشيح السيد مروان البرغوثي، لضرورة مرحلة على حساب إعادة ترتيب هيكلية الحركة وهيكلية المنظمة معاً ، وكأن حركة "فتح" كانت عاجزة عن الوصول إلى صيغة تفكك كل الألغام التي كانت واضحة في الطريق، لاسيما مع الضبابية التي صاحبت استشهاد الرئيس عرفات، واليقين الأقرب من الشك في مؤامرة اغتياله، ومع ما سبقها من رسائل تهديد وتمرد على سلطة الرئيس من حالة ما سميت بمراكز قوى الحركية العليا وتحالفها مع بعض قيادات، الأمن الوقائي وعلى رأسهم محمد دحلان وتهديده للرئيس الشهيد وإعطائه المهلة الشهيرة وما رافق أخبارها من انكشاف أمر المراسلات مع موفاز!
"فتح" هذه التي جرى اختطافها، وجرى توصيف محمود عباس لها قائداً عاما ورئيساً وباروناً وإمبراطوراُ، - مع أنه لم يخف انقلابه حتى على برنامجها الذي مثله الرئيس عرفات- ، وبطريقة مسرحية مخزية ولا تمت لا للقانون ولا للنظام بصلة، مع الإمعان في تغييب مؤتمرها العام، والاستهتار بقواعدها وبتجربتها وبتاريخها النضالي، ووضعها مطية سهلة لعصابات الفساد بكل أشكاله، بحيث تقدم مظلة متحركة لخيارات لم تكن يوماً من عملتها، أصبحت تحت رحمة الموقع الذي دفعت عباس إليه ويمثله عباس في الوقت الذي يسعى هو فيه، لعقيدة خاصة به ليس فقط على حساب "فتح" وإنما على حساب مجموع كل القوى المقاومة، طالما كان مربط فرس عباس هو رضا الإدارة الأمريكية ورضا شارون فخليفته أولمرت فمن يأتي بعدهما، حيث أن الأمر فاقد لأي درجة من درجات المنطق والإستراتيجية الوطنية في التعامل.
اليوم الوضع لم يعد يحتمل مزيداً من الصمت، ولا مزيداً من اللعب بالنار، لأن كل الخطوط الحمراء والصفراء وبكل الألوان جرى اختراقها، وأصبحت حكاية درجاتها مزحة سخيفة، اليوم يتحمل الرئيس محمود عباس المسؤولية الأولى والمباشرة عن اللعب بالحالة الفلسطينية وإيصالها إلى هذا المنزلق الخطر، أما "حماس" فتشاركه المسؤولية أيضا كحكومة وكتنظيم، قبلت أن تتحالف مع بعض القوى التي يتهمها اليوم بالانقلابية أثناء الانتخابات السابقة، وهي حيث هي في انقلابيتها على "فتح" أولاً وعلى الرئيس الشهيد تمارس ذات الدور وذات المنهجية الآن، فلماذا تشكو "حماس" اليوم؟.
المطلوب حكومة وحدة وطنية، تستند إلى وثيقة الوفاق الوطني وبرنامج كفاحي وسياسي وطني، وإعادة الملف السياسي بكامله لمنظمة التحرير الفلسطينية، وتعميد الحكومة القادمة بالملف المعيشي والحياتي للضفة وغزة، أو فإن الدعوة إلى انتخابات مبكرة ستكون محقة، فقط إن كانت على توافق وطني، وإلا فلتكن انتخابات رئاسية مبكرة، لأن رئاسة السلطة الفلسطينية الآن بهذه القرارات غير الحكيمة لم تعد جهة ذات ثقة، طالما أنها تسببت بتسعير نشوب حلقة النار- المطلوبة أمريكياً و"إسرائيلياً" - تغطية على فشل استراتيجياتهما، وتبرئة لهما من جرائم العدوان والعبث بالحجر والبشر، وتحويل الإقليم إلى مجرد بركة من الدماء والبراكين- هذه النار التي فقط يعلم الله مداها.......!!