للتاريخ فقط، ولمن يود معرفة الحقيقة
من أرشيف المحرر 8/2/1998
في مثل هذه الأيام من عام 1990 سقط قناع أنظمة الذل والعار الذي كانت تتستر به في الوطن العربي، فإذا هو ذو وجهين أميركي صهيولوجي معاً. ومنذ ذلك التاريخ تطورت الأحداث بسرعة جنونية كما يحدث تماما في عالم الكومبيوتر اليوم، وقبل أن يحرك العالم ساكنا كانت القوات الأميركية بدأت بالتحرك نحو المنطقة العربية وتحديدا في الثالث من آب/أغسطس دون الحصول على إذن من الأمم المتحدة التي صدر عن مجلسها الأمني القرار رقم 661 بتاريخ 6/8/1990 الذي فرض أشد أنواع العقوبات الاقتصادية في التاريخ الحديث والقديم، وكان قد صدر في 2/8/1990 قرار رقم 660 الذي دعا إلى سحب القوات العراقية من "الكويت" وإلى التفاوض بين الحكومتين العراقية والكويتية لحل المشكلة التي دعت إلى دخول القوات العراقية إلى "الكويت"، من هذين القرارين نجد أن مجلس الأمن لم يطلب ولم يسمح بالتدخل العسكري الأميركي.
وفي الوقت الذي دفعت فيه الولايات المتحدة الأميركية بقواتها الجوية والبرية والبحرية إلى المنطقة العربية، قامت تركيا بوقف شحن البترول العراقي ومنعت مروره في أراضيها. وقام الملك حسين آنذاك بمحاولة لحل الخلاف بين العراق و"الكويت"، واجتمع مع الرئيس العراقي والقيادة العراقية في بغداد أكثر من مرة، وسافر إلى القاهرة في سبيل حل النزاع في الإطار العربي من خلال مؤتمر كان من المفترض أن يعقد في الخامس من آب/أغسطس في جده، ومن ثم عاد الملك حسين إلى الأردن وأجرى اتصالا بالقيادة العراقية وطلب منها سحب القوات العراقية من الكويت، فتم سحب خمسين ألف جندي في الثالث من آب/أغسطس على أن يتم سحب باقي القوات خلال يومين، وقام الملك الحسين بإبلاغ الرئيس المصري بذلك، ولكن بعد اتصال الرئيس الأميركي بوش بالرئيس المصري مبارك ألغي المؤتمر ولم يعقد.
وفي لقاء مع شبكة (سي. أن. أن.) التلفزيونية الأميركية، أعلن الملك حسين أن العراق وافق على سحب قواته من "الكويت"، وقد بدأ بسحب خمسين ألفا منهم قبل الخامس من آب/أغسطس وأنه سيسحب باقي قواته قبل ذلك التاريخ ما لم يكن هناك تهديد خارجي، وقد تساءل الملك حسين عن السبب في فرض الحصار على العراق، فيما بقي العالم ولأربعة عقود خلت يغمض عينيه عن "اسرائيل".
وفي العاشر من آب/أغسطس تم عقد القمة العربية بغياب تونس في القاهرة حيث أعلنت تونس واليمن والأردن أن هذه القمة كانت مخيبة للآمال لأنهم وجدوا أوراقا جاهزة للتوقيع دون مناقشة.
فكان الرد العراقي على حشد القوات الأجنبية في الأراضي العربية ضده أن أعلن في الثامن من آب/أغسطس مبادرة تقوم على انسحابات متزامنة لكل من الكيان الصهيوني من الأراضي العربية ولبنان والجولان وانسحاب القوات السورية من لبنان وانسحاب العراق من "الكويت" وفق التسلسل الزمني لصدور قرارات الأمم المتحدة التي لم تأخذ طريقها إلى التنفيذ، إلا أن الولايات المتحدة وحلفاءها عارضوا هذه المبادرة.
وشهد العالم كله مسيرات وتظاهرات احتجاج ضد أميركا والقوات المتحالفة معها تطالب بسحب تلك القوات من الخليج العربي، وأن شعوب العالم لا تريد نفطا مقابل دم، وأيضا ذلك لم يجد أذنا صاغية من قوى الشر بقيادة الولايات المتحدة، واستمرت في حشد قواتها في منطقة الخليج العربي واستمر مجلس الأمن وبضغط من اللوبي الصهيوني العالمي والأميركي معا بإصدار قراراته ضد العراق كما استمر التصعيد العسكري بعد أن صدر القرار رقم 665 في الخامس والعشرين من آب/أغسطس الذي يجيز استخدام القوة العسكرية لفرض العقوبات الاقتصادية على العراق.
وفي الحادي والعشرين من شهر تشرين الأول/أكتوبر أعلنت فرنسا عن اقتراح لحل وسط لتسوية الأزمة يستند إلى عقد مؤتمر دولي لتسوية جميع النزاعات في المنطقة العربية، واستجاب العراق للدعوة الفرنسية وأعلن في الثلاثين من تشرين الأول/أغسطس عن دعوته إلى عقد مؤتمر دولي لبحث كل قضايا لمنطقة كما ورد في المبادرة الفرنسية، إلا أن الولايات المتحدة الأميركية وبدعم من قوى الشر ومن الصهيونية العالمية رفضت تلك الدعوة، واستمر حشد القوات الأجنبية في الخليج العربي إلى أن صدر القرار رقم 678 بتاريخ 29 تشرين الثاني/أغسطس 1990 الذي يسمح باستخدام "الوسائل اللازمة" لإخراج القوات العراقية من "الكويت"، وقام بعد ذلك وفد رسمي يمثل بابا الفاتيكان بزيارة بغداد وطلب من القيادة العراقية الاعتراف بالكيان الصهيوني وأنه إذا فعل ذلك لن يتعرض للدمار، كما قام المطران (هيلاريون كبوجي) بزيارة بغداد أيضاً وطلب شخصيا من الرئيس العراقي نفس الطلب ولكن العراق رفض كل ذلك، قائلا أنه في عام 1948 قامت الدول العربية بتوقيع معاهدة الهدنة مع الكيان الصهيوني في جزيرة (رودوس) والتي عرفت بـ (اتفاقية رودوس) إلا العراق لم يوقع رغم أنه كان تحت الحكم الملكي آنذاك فكيف يعترف اليوم بهذا الكيان وهو في ظل حكم حزب البعث العربي الاشتراكي؟!
ودون أن نخوض في المزيد من التفاصيل الدقيقة حول تلك المرحلة التي سيسجلها التاريخ ويحفظها الشرفاء والأحرار في العالم، وبعد خمسة أشهر من الحشود العسكرية الهائلة تعرض العراق لهجوم جوي عدواني لم يشهد له العالم مثيلا حتى في الحربين الكونيتين الأولى والثانية بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، ففي السابع عشر من شهر كانون الثاني/يناير 1991 بدأت العمليات العسكرية ضد العراق حيث عارضت كوبا واليمن على ما اعتقد وتحفظت الصين في مجلس الأمن على تلك العمليات العسكرية.
من كل ما تقدم نجد أن الولايات الأميركية المتحدة كانت في الماضي تقوم بغزو البلدان والشعوب بقواتها وحدها مثلما فعلت في كوريا وفي فيتنام ودول أميركا الوسطى ودول البحر الكاريبي في حين تدخلت القوات الأميركية أكثر من خمسين مرة لتنصيب رؤساء دول وجمهوريات وحكومات في دول مستقلة ذات سيادة، وأهم الغزوات الأميركية هي: الغزو الأميركي لنيكارغوا عام 1855 في عملية (كتائب الخالدين) عندما نصبت (وليم وولكر) رئيسا، وفي عام 1916 غزت أميركا جمهورية (سانتا دمينغو) وعينت حكومة أميركية فيها، كما غزت (هايتي) و(غواتيمالا) و(تشيلي) و(غرينادا)، ولم تفشل أميركا بتغيير الحكومات ورؤساء الدول إلا في كوبا في شهر نيسان/ابريل 1961 عندما حاولت تغيير الرئيس الكوبي (فيدل كاسترو).
كما قامت أميركا بعمليات غزو مباشرة وغير مباشرة مثلما حدث عام 1967 حين ربطت الكيان الصهيوني بجسر جوي ضد العرب، وكان من أواخر عمليات الغزو الأميركي، غزوها لـ (باناما) بينما كان العالم يحتفل بعيد رأس السنة الميلادية عام 1989 عندما اجتاحت القوات الأميركية التي قدرت آنذاك بأكثر من ثلاثين ألفا حيث قامت باعتقال رئيسها (نورييغا)، وبالأمس القريب تدخلت في أفريقيا وتحديدا في الصومال ومن ثم عدد آخر من الدول الأفريقية لتفرض الرئيس الذي تريد أن يكون دمية في يدها ولصالح الكيان الصهيوني.
ومن الأحداث التي رافقت العدوان على العراق والتي سيسجلها التاريخ أيضا أنه في الوقت الذي واجه فيه العراق لوحده أكثر من ثلاثين دولة بقيادة الولايات المتحدة، أن العراق وجّه أكثر من ثلاثين صاروخا إلى الكيان الصهيوني الذي يعارض تنفيذ قرارات الأمم المتحدة منذ حوالي النصف قرن من الزمن بحماية (الفيتو) الأميركي، ومع الأسف الشديد ما زالت أنظمة الذل والعار تلهث وراء سرب السلام مع ذلك العدو.