الخيار القومي وآفاق التجاوز

بقلم: اسماعيل أبو البندورة *

الخيار القومي لا يكون ممكناً في المرحلة العربية الراهنة وقابلاً للتداول والاشتغال إلا من خلال مراجعة معطياته وممكناته وآفاقه وقدرته على الإجابة عن الإشكاليات المطروحة وإسهامه في تأسيس رؤية جديدة للعمل القومي.

ولذلك فإن أولى بديهيات تداوله وطرحه والادعاء بقدراته على التحريك والتغيير تبدأ بنقده واشتقاق الأفكار المحورية فيه وتأسيس رؤية قومية من خلاله ورسم استراتيجية لتجسيده في الواقع.

الخيار القومي والرؤية والفكر القومي وتجربته يقف أمام العقل العربي منذ القرن الماضي وله في الساحة العربية مسارات وانجازات ومعطيات وبفعله تحركت وانبثقت رؤى وأفكار وقوى ومن خلال عناوينه وعلى هديها أقيمت وحكمت دول وتأسست جماعات، ولذلك كان لابد أن يظهر في آفاقه التباسات وعثرات فتعرضت معطياته للأعطال والانتكاس وأصبح في قوس من الأزمات والإحن بين ما يرومه ويتطلع اليه من مبادئ وتطبيقات وما يتلبسه من ممارسات ونكسات فكان القفز عنه إلى الأمميات والشموليات فأرجعته الى حصونه القديمة وأغلقت عليه الدائرة وفرشت دروبه بالأشواك والعراقيل فأحدث ذلك بداخله فجوة وفراغات وأبعده عن مجال الاشتغال والتداول، وكان أن ظهرت بفعل ذلك واشتدت أزمات وظهرت مفارقات واحتبس الفكر وأصحابه في يقينيات لا تتحرك إلى الإمام وترفع راية الحقيقة الغائبة وتدافع عن الذات باللافتات والشعارات وهذا ما جعل الفكر القومي ينأى عن حقوله ومجالاته وجعله في تضاد منكر مع واقع وفكر قطري نابذ ومفرق وعولمة متوحشة تؤشر له وعليه بالذوبان والغياب ومنحى تراجعي يحول معطياته إلى هذيان وهرطقة وأضغاث أحلام، وقد أتى حين من الدهر أن أصبحت الأمة في حيرة والتباس ممن يدعوهم إلى نبذ الكسل الفكري والانحباس والانهمام باستنهاض الذات، أما نداء الوحدة الأثير على العرب وعماد الفكرة القومية فقد أصبح في عهود التراجع من المثاليات والمجردات وضاقت الأرض بما رحبت أو انه زلزل زلزالها وهي ترى الأحابيل والترهات تترى وتطغى على الأفكار الجمعية والأشواق القومية وبدأت مرحلة جديدة غاب فيها سؤال النهضة وحضر جواب الأزمة وانعدام الهمة.

وقد شكل كل ذلك تحدياً وإحراجاً للفكر القومي، ووضع أمامه رهاناً وسؤالاً إشكالياً غايته البحث عن الهمة والإرادة والتجديد والاستطاعة واستعادة الحقائق الشاردة والغائبة وتحريك الساكن والآسن والضامر، ووضع المعطيات المستجدة النافرة أمام عقل العرب استناداً إلى أن المرحلة الراهنة القاتمة هي مرحلة نقد وتجاوز واقتحام واجتهادات وليست انحباساً وفراغات ومطارحات بائسة، واهتدى الناس بعد تلاطم ومخاضات أن المرحلة مرحلة وحدة ودعوة إلى الوحدة وتجديد حديث عنها بعد أن ظهرت العصبيات التحتية والمذهبيات والأصوليات المغلقة والجهنميات الاقتتالية المنذرة بالخراب وتفرق شمل العرب وذهبت ريحهم في مهب عواصف أصحاب العقد التاريخية والهويات القاتلة الاستردادية وأصبح الوطن العربي أرضاً منخفضة تسيل عليها كل المياه الآسنة والرؤى الحاقدة والمتهافتة وتدوسها الأقدام الهمجية.

الخيار القومي بحضوره وظهوره المتجدد المرتجى أو كما ينبغي أن يتجدد ويتجسد لا نقدمه الآن كعصبية بين عصبيات أو رؤية ناقصة وطارئة بين مجردات أو تزاحماً مع رؤى وتيارات وإنما نتطلع إليه باعتباره جواباً متكاملاً فيه بعض الحقيقة التي يتشارك فيها مع قوى النهضة، وفيه ملامح واضحة وأفكار جاذبة وممكنات فهو الدعوة المتجددة إلى الوحدة ضد التمذهب والانغلاق والحوزات وهو الإمكانية المتاحة للتشارك بين أبناء الوطن الواحد بدون تفرقة في العرق أو الدين وهو القادر، وكما نرى ذلك واضحاً في العراق العربي أن يلم شمل المقاومة دون انحياز أو تعصب أو ارتباط بقوى خارجية وان يتخلى عن بعض بديهياته ويقينياته في سبيل الأمة والمستقبل العربي وفيه تجاوز للذات والعصبيات ودعوة إلى تقديم الجوهر على الشكليات والمظهر وتأخير التساؤلات والمضمرات أمام المعضلات الكبرى وفيه إيثار من اجل بناء مستقبل الأمة وقدرة على التضحية بالحصانات والامتيازات.

انه إذن الخيار الذي يتولّد في أتون مقاومة المشروع الاستعماري الأمريكي - الصهيوني، وهو الخيار الذي يقدم الأطروحات والممكنات، وهو خيار الأمة وهي تبحث عن الخروج من أزماتها وتوحيد صفوفها، وهو الخيار الذي يحطم الحلم الأمريكي الآن على أسوار بغداد!!

* عن (المجد) الأردنية 18/12/2006